صناعة الأسمدة في مصر.. إلى أين؟

تعد صناعة الأسمدة في مصر إحدى الصناعات الاستراتيجية المهمة، نظرًا لدورها في الزراعة، بالإضافة إلى عائداتها التصديرية، إلا أنها في الوقت الحاضر تمر بالعديد من الإخفاقات نتيجة نقص إمدادات الغاز للمصانع وتوقفها عن العمل من آن لآخر، مما يكبد الصناعة خسائر فادحة. 

وبلغ إجمالي إنتاج مصر من الأسمدة في عام 2023 ما يقرب من 8 ملايين طن نيتروجينية، و4 ملايين طن فوسفاتية، علمًا أنّ مصر تحتل المرتبة السابعة عالميًا في إنتاج اليوريا، فيما تأتي الأسمدة في المركز الثاني بين الصادرات المصرية بقيمة 3.4 مليارات دولار، وفقًا لبيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري.

خطة طموحة لتعزيز صادرات الأسمدة

تسعى مصر جاهدة لزيادة صادراتها من الأسمدة سنويًا لتصل إلى 10 مليارات دولار من خلال تدشين مصانع جديدة، لتوسيع رقعة الأسمدة المصرية على خريطة الزراعة عالميًا، ولكن نتيجة لنقص إمدادات الغاز الطبيعي وارتفاع درجات الحرارة اضطرت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، ممثلة في الشركة القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، إلى تخفيض إمدادات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة، وتحويله لمحطات توليد الكهرباء.

وفي محاولة لحل الأزمة، خصَّصت الحكومة  1.2 مليار دولار من أجل استيراد المازوت والغاز بما يمكنها من التوقف تمامًا عن قطع الكهرباء، وذلك اعتبارًا من نهاية يوليو مع وصول شحنات الوقود بالكامل.

وفي هذا السياق، أعلن الدكتور شريف الجبلي، رئيس غرفة الصناعات الكيمياوية، عودة معظم المصانع للعمل بعد التوقف المؤقت، إلا أن مستويات الإنتاج لم تصل بعد إلى ما كانت عليه قبل خفض إمدادات الغاز، كما لفت إلى ضرورة استيراد الغاز في الفترة المقبلة لضمان توفير الغاز للمصانع ومحطات الكهرباء. وحول تأثر صادرات مصر من الأسمدة، قال الجبلي: “ربما سيكون للقطع الأخير لضخ الغاز تأثير على الصادرات”.

موضوع ذو صلة: صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل.. مكاسب الطاقة ومخاطر التبعية

تأثير نقص الغاز على السوق المحلية والبورصة

أفصحت شركات الأسمدة المدرجة في البورصة المصرية عن مدى تأثرها بنقص إمدادات الغاز الطبيعي، حيث اضطرت العديد منها إلى إيقاف العمل بالمصانع للحفاظ على سلامة خطوط الإنتاج، وكان لذلك تأثيرًا سلبيًا على أداء قطاع البتروكيماويات والأسمدة، وكذلك على أداء المؤشر الرئيس للبورصة المصرية ودفعه لخسائر تتخطى 400 نقطة.

وقد وصف محمد الخشن، رئيس شركة ايفرجرو للأسمدة، أزمة نقص الغاز الطبيعي بـ “الطارئة”، مؤكدًا قدرة مصر على تخطيها بسهولة، مثلما تحولت من دولة مستوردة للأسمدة إلى دولة منتجة.

وهو يرى أن الدولة لديها الكثير من المؤهلات والقدرات التي تجعل لها مستقبل واعد في صناعة الأسمدة، خاصةً في ظل محاولات زيادة إنتاج الغاز الطبيعي في البلاد بنحو 8% خلال السنة المالية المقبلة 2024-2025، ليبلغ متوسط 5.7 مليار قدم مكعب يومياً، مقابل 5.3 مليار قدم مكعب يومياً بالوقت الراهن. 

اقرأ أيضًا: عودة مصانع الأسمدة المصرية للعمل بكامل طاقتها بعد عودة إمدادات الغاز

حجم صناعة الأسمدة في مصر

أوضح الخشن في تصريحات خاصة لـ”إيكونبيديا“: “نجحت مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسمدة المختلفة، وإنتاج نحو 19 مليون طن من الأسمدة المتنوعة، علمًا أنّه يتم تصدير 50٪ من هذا الإنتاج تقريبًا إلى الخارج، فيما يتم توجيه المتبقى من المنتجات للأسواق المحلية بما يتواكب مع زيادة الرقعة الزراعية”. 

ووفقًا للخشن فإنّ خطة الدولة تهدف إلى استصلاح نحو 3.5 مليون فدان، مما سيزيد من الرقعة الزراعية في مصر إلى 12.5 مليون فدان، بزيادة قدرها 30% عن المساحة الحالية، لتحقيق أكبر قدر من الاكتفاء الذاتي من الحاصلات الزراعية.

أوضح الخشن أن مصر تأتي في المركز السادس عالميًا في إنتاج اليوريا، فضلًا عن كونها خامس أكبر مصدر للمنتج،  ومع دخول المزيد من المشاريع الجديدة مراحل الإنتاج، مثل مصنع “كيما 2” بأسوان ومجمع الأمونيا بالعين السخنة ومشروعات التطوير بالوحدات القائمة، ستؤدي هذه التطورات إلى زيادة حصص الإنتاج وارتفاع معدل الصادرات، حيث تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية للأسمدة في مصر 8 ملايين طن من الأسمدة النيتروجينية، و7 ملايين طن من صخر الفوسفات، و4 ملايين طن من الأسمدة الفوسفاتية.

وسبق وأكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، على توجه الحكومة لإتاحة المزيد من التيسيرات تشجيعاً للتوسع في هذه الصناعة المهمة باستخدام أحدث التكنولوجيات المطبقة، بما يسهم في زيادة حجم المنتجات من هذه الصناعة، ونمو حجم صادراتها، وفتح أسواق تصديرية جديدة، الأمر الذي ينعكس بدوره على زيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، وتوفير المزيد من فرص العمل الجديدة للشباب.

تحديات السوق السوداء وتوزيع الأسمدة

أكَّد الدكتور جمال صيام، الخبير الزراعي، على أهمية دعم  قطاع صناعة الأسمدة باعتباره أهم القطاعات الحيوية في دعم القطاع الزراعي، كما أنّه يلعب دورًا رئيسيًا في زيادة إنتاجية المحاصيل، بالإضافة إلى أنه يعزز القدرة التنافسية للقطاع الزراعي في الأسواق العالمية.

وأضاف صيام في تصريحات خاصة لموقع إيكونبيديا أنّه على الرغم من توافر إنتاج الأسمدة في مصر، إلا أن المزارع يعاني من ظهور سوق سوداء لبيع المنتجات بأضعاف سعرها الرسمي. وفي هذا السياق، طالب الحكومة بتوفير الأسمدة بأسعار مناسبة للفلاحين وعدم تركهم فريسة للسوق السوداء، بحيث يجد الفلاحون أنفسهم في كثير من الأحيان مجبرين على شراء الأسمدة بأسعار مضاعفة، مما يسبب لهم مشاكل مادية كبيرة.

ولفت صيام كذلك إلى وجود خلل في منظومة توزيع الأسمدة نظرًا لاختلاف احتياجات كل منطقة على حدة على مستوى الجمهورية، مشيرًا إلى إغفال وزارة الزراعة عن تخصيص حصص من الأسمدة  للمساحات الزراعية الكبيرة التي تتخطى 25 فدان، رغم ارتفاع التكاليف كونها تقع في مناطق الاستصلاح الجديدة.

ولفت الخبير، إلى عدم دقة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في حصر المساحات الزراعية ما يتسبب في زيادة الحصص السمادية لبعض المحاصيل والمناطق، رغم عدم زراعتها، على حساب محاصيل أخرى.

وفي الوقت ذته، شدَّد صيام على ضرورة تقديم الدعم المالي لشركات الأسمدة لتخفيض تكاليف الإنتاج وتسهيل عمليات التصدير، وتقديم حوافز مالية وغير مالية لهذه الشركات لزيادة إنتاجها وصادراتها من الأسمدة، نظرًا لأن الاقتصاد المصري يعتمد بشكل كبير على الزراعة.

دعم الشركات وتعزيز الاستدامة

يقول سعد أبو المعاطي، الأمين العام للاتحاد العربي للأسمدة، في تصريحات خاصة لموقع إيكونبيديا إنَّ ارتفاع  الطلب على الغذاء يفرض على الدولة دعم نمو صناعة الأسمدة المعدنية، بحانب تعزيز الاستدامة البيئية في عملية إنتاج الأسمدة عبر وضع خطة طموحة لخفض الانبعاثات من المصانع بهدف المحافظة على البيئة والمناخ.

وأشار أبو المعاطي إلى توفير الدولة المصرية حوافز للشركات المتخصصة في إنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، من خلال توقيع عدة اتفاقيات محلية ودولية، وتدشين مشروعات جديدة بالشراكة مع القطاع الخاص والشركات الأجنبية المستثمرة في مصر، بالإضافة إلى إنشاء مناطق لوجستية تخدم هذه الصناعة، موضحًا أن مصر شرعت في إقرار الاستراتيجيات اللازمة للتحول نحو الاقتصاد الأخضر، والاعتماد على الطاقة الجديدة، والتوسع في  المساحة المزروعة لتأمين قدر آمن من الاكتفاء الذاتي، خاصةً في المحاصيل الاستراتيجية. 

وتطرق أبو المعاطي إلى ما تتمتع به صناعة الأسمدة في مصر من توافر الخامات الداخلة في عمليات التصنيع، مثل خام الفوسفات المتوافر في جنوب الصحراء الشرقية، والذي تقوم عليه صناعة الأسمدة الفوسفاتية، بالإضافة إلى صناعة الأسمدة النيتروجينية المستخرجة من مشتقات تكرير البترول.

اقرأ أيضًا: مصر تتوسع في استخدام آلية مبادلة الديون مع الدول الشريكة

ارتفاع الأسعار وتأثيره على المزارعين

أكَّد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أنَّ توقف إنتاج المصانع أثر بشكل كبير على أسعار الأسمدة، والتي ارتفعت أسعارها بقيمة 50٪ خلال الفترة الماضية نتيجة قلة المعروض.

كما ارتفع سعر السماد في السوق الحرة إلى 20 ألف جنيه للطن، مقابل 5 آلاف جنيه للسعر المدعوم للمزارعين، مايفتح الباب أمام تهريب السماد المدعم للسوق الحرة وعدم وصوله للمزارعين. 

وتوقع أبو صدام حدوث إنفراجة قريبة في صناعة الأسمدة، وتراجع الأسعار مع عودة معظم المصانع للعمل، وبدء وزارة الزراعة في توريد الأسمدة للجمعيات ومن ثم صرفها للمزارعين.

قد يهمّك أيضًا: الرمال السوداء.. حصان مصر الرابح

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة