تشهد صناعة الدواء في العراق انتعاشًا متزايدًا ضمن إطار خطة تنموية شاملة تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الأمن الصحي، وتستند هذه الاستراتيجية إلى توطين إنتاج الأدوية وتقليص الاعتماد على الاستيراد الخارجي، باعتبار ذلك أولوية وطنية لا تقبل التأجيل في ظل المتغيرات الدولية والتحديات الاقتصادية المتصاعدة.
تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص
شدَّدت الحكومة على ضرورة تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لرفع الطاقة الإنتاجية، مشيرة إلى أنَّ التعاون القائم أثمر خلال عامين ونصف عن نتائج ملموسة، تمثلت في ارتفاع العقود المبرمة مع وزارة الصحة من 144 مليار دينار إلى أكثر من 600 مليار دينار.
فضلًا عن زيادة تغطية السوق المحلي بالأدوية المصنعة داخل العراق من 9% إلى أكثر من 40%، وتستهدف الحكومة بلوغ نسبة تغطية تتراوح بين 60% و70% خلال العامين المقبلين، بالتزامن مع تشغيل مصانع جديدة، بينها ثلاث منشآت متخصصة في أدوية السرطان وأمراض الدم.
قرارات حكومية جريئة لتحفيز الاستثمار في صناعة الأدوية
سبق وأشار مستشار رئيس الوزراء لشؤون الصناعة، الدكتور حمودي اللامي، إلى أن الحكومة وفرت حوافز استثمارية غير مسبوقة لدعم هذا القطاع، من بينها 17 قرارًا وزاريًا و7 قرارات من مجلس الوزراء، إلى جانب إعادة النظر في تعليمات التصنيع التعاقدي لاستقطاب شركات أجنبية متخصصة ونقل التكنولوجيا الحديثة إلى الداخل العراقي.
وأكد اللامي، أن هذه السياسة أثمرت عن توسع كبير في عدد المصانع المنتجة، حيث ارتفع عددها من 22 إلى 34 مصنعًا تعمل بكفاءة عالية وتنتج أكثر من 1800 صنف دوائي تشمل علاجات الأورام، وأدوية المناعة، والأمراض المزمنة، والمحاليل الوريدية، والمسكنات، والمضادات الحيوية، والخيوط الجراحية، والسرنجات.
ونتيجة لهذا النمو بات الإنتاج المحلي يغطي حوالي 57% من احتياجات العراق الدوائية، مما أسهم في خفض فاتورة الاستيراد التي كانت تتجاوز 4 مليارات دولار سنويًا، وقد تحقق بالفعل وفر مالي تجاوز مليار دولار سنويًا نتيجة الاعتماد على المنتج الوطني.
ولفت اللامي إلى أن هذا النجاح لا يقتصر فقط على الجانب المالي فقط، بل ينسحب أيضًا على المجال الاجتماعي، حيث وفرت المصانع الجديدة فرص عمل لمئات العراقيين من الكوادر الصيدلانية والهندسية والطبية، وأسهمت في تنشيط سلاسل التوريد وتطوير البنية التحتية الصناعية في المحافظات.
اقرأ أيضًا: 100 مليار دولار .. استثمارات جديدة في العراق
توطين صناعة الدواء
تشهد الصناعة الدوائية العراقية اهتمامًا متزايدًا من قبل المستثمرين، حيث بلغ عدد الطلبات المقدمة لإنشاء مصانع جديدة 178 طلبًا رسميًا، بعد أن كانت 100 فقط في مطلع العام، وتشمل هذه المصانع خطوط إنتاج متخصصة في الخيوط الجراحية والمحاليل والسرنجات والأجهزة الطبية، ما يعكس زيادة ثقة المستثمرين بجدوى الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
ولتمكين هذه الخطوات، تمَّ إطلاق برنامج وطني شامل لتوطين صناعة الدواء؛ شمل تسهيلات واسعة للمستثمرين من بينها القروض الميسّرة، وتبسيط التراخيص، وتوفير المواد الخام، وفتح اعتمادات بنكية مضمونة بخطوط الإنتاج، في إطار سياسة متكاملة لتقليل الأعباء التمويلية وتعزيز بيئة الأعمال الصناعية.
على الجانب التقني، حقَّق العراق تقدمًا لافتًا من خلال التعاون مع شركة فارماكير الأوروبية لإنتاج أدوية محلية لعلاج أنواع متقدمة من السرطان، وعلى رأسها سرطان الثدي، كما تخوض الحكومة مفاوضات لإنشاء أول مصنع عراقي لإنتاج الأنسولين، ما يعد خطوة استراتيجية لتقليل الاستيراد وخدمة شريحة واسعة من المرضى الذين يعتمدون على هذا النوع الحيوي من الأدوية.
تطوير آليات التصنيع التعاقدي
صرّح الدكتور محيي حافظ، عضو غرفة صناعة الأدوية، بأن التجربة العراقية تعتبر نموذجًا إقليميًا يحتذى في كيفية إدارة ملف الأمن الدوائي بذكاء اقتصادي وسياسي، وأكَّد أن نجاح العراق في زيادة المصانع الإنتاجية بهذه الوتيرة يعكس وجود إرادة سياسية ورؤية تنفيذية واضحة، مشيرًا إلى أن توفير مليار دولار سنويًا من خلال إحلال المحلي محل المستورد هو إنجاز اقتصادي مضاعف الأثر؛ فهو يخفض الضغط على الاحتياطي النقدي، ويعزز الصناعة التحويلية المحلية.
وأضاف حافظ أن رفع قيمة العقود الحكومية بهذا الشكل، إلى جانب الحوافز الوزارية وقرارات مجلس الوزراء، يعد رسالة ثقة حقيقية للمستثمرين في الداخل والخارج، كما نوّه إلى أهمية تطوير آليات التصنيع التعاقدي، باعتباره أداة لنقل التكنولوجيا من الشركات الأجنبية إلى المصانع المحلية، ما يسرّع من تأهيل الكوادر وتوسيع نطاق الإنتاج التخصصي في العراق.
واعتبر الدكتور محيي حافظ أن دخول العراق إلى مجال تصنيع الأدوية السرطانية يمثل اختراقًا علميًا واقتصاديًا يضع البلاد على خارطة الصناعات الدوائية المتقدمة، مشيرًا إلى أن إنشاء مصنع لإنتاج الأنسولين سيكون له أثر بالغ في خفض الإنفاق العام على الرعاية الصحية. كما أنّه دعا إلى تحويل هذه التجربة إلى منصة تصدير إقليمية، خصوصًا نحو الأسواق المجاورة والأفريقية، مستغلًا الموقع الجغرافي والتكلفة الإنتاجية التنافسية.
سيادة صحية واقتصادية متكاملة
يرى حافظ أن ما يحدث في العراق اليوم ليس فقط نجاحًا صناعيًا، بل هو تحوّل استراتيجي في بنية الاقتصاد الوطني، يعيد توزيع الموارد ويعزز مفهوم الدولة المنتجة، مشيرًا إلى أن الصناعة الدوائية يجب أن تدرج ضمن أولويات التعاون الاقتصادي العربي المشترك.
بالإضافة إلى أنَّ المسار الذي يتبعه العراق في تطوير الصناعة الدوائية يعكس توجهًا واضحًا نحو بناء سيادة صحية واقتصادية متكاملة، مدعومة بالتشريعات والحوافز والشراكات الدولية، ومع استمرار هذا النمو فإنَّ العراق لا يخطط فقط لتلبية احتياجاته، بل يؤسس لمرحلة تصديرية واعدة قد تجعله لاعبًا مؤثرًا في السوق الدوائي الإقليمي.
واختتم حافظ تصريحاته بالقول: “هكذا، لم تعد عبارة “صنع في العراق” على علبة الدواء مجرّد شعار وطني، بل تحوّلت إلى قصة نجاح واقعية تجسّد تعافي الدولة العراقية، وانطلاقها في مسار اقتصادي إنتاجي يراهن على الكفاءة الوطنية والعقول المتخصصة”.
قد يهمّك أيضًا: تفاصيل المفاوضات الجديدة بين تركيا والعراق بعد إلغاء اتفاقية النفط 1973
