تحوّلت صناعة السيارات في المغرب خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أسرع القطاعات نموًا على مستوى القارة الإفريقية، لتصبح المملكة وجهة محورية للاستثمار في هذا المجال الحيوي؛ فقد شهدت البنية التحتية الصناعية المغربية تطورات جذرية على مدى العقدين الماضيين، ما مهّد الطريق أمام البلاد لتصبح مركزًا إقليميًا لإنتاج وتصدير السيارات إلى أسواق متعددة حول العالم، ودعم الاقتصاد المغربي في وجه التحديات.
تعزيز التوطين الصناعي وسلاسل التوريد
في إطار استراتيجيتها الصناعية، تواصل المملكة العمل على تعزيز مكانتها في سلاسل التوريد العالمية من خلال توطين الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، والتركيز على تصنيع مكونات أساسية تُستخدم في صناعة السيارات الحديثة، بما في ذلك الأجزاء الكهربائية والإلكترونية.
وتسعى الحكومة المغربية إلى رفع نسبة الإدماج المحلي في قطاع السيارات إلى 80% بحلول عام 2030، مقارنةً بنسبة 69% التي تحققت بحلول عام 2024، في خطوة تهدف إلى تعميق التصنيع المحلي وزيادة تنافسية المنتجات المغربية في الأسواق الدولية.
سيارة “نيو”.. أول مركبة مغربية بالكامل
في منتصف مايو 2023، أزاحت المملكة الستار عن أول سيارة محلية الصنع تحمل اسم “نيو”، صنعتها شركة “نيو موتورز”، وهي شركة برأس مال مغربي، لتدخل بذلك قائمة الدول المنتجة في القطاع بعد سنوات من التجربة في التركيب والتجميع.
ووفقًا للبيانات الرسمية، تضم منظومة صناعة السيارات في المغرب حالياً نحو 250 مصنعًا، توفر 220 ألف فرصة عمل، وقد حقق هذا القطاع إيرادات تجاوزت 120 مليار درهم (12 مليار دولار) خلال السنة الماضية، علاوةً على تصدير أجزاء السيارات لنحو 70 جهة.
رغم التقدُّم الكبير الذي حققته صناعة السيارات في المغرب إلا أنها تواجه تحديات متعددة تحتاج إلى تعامل دقيق واستراتيجيات طويلة الأمد؛ وذلك من خلال تعزيز التصنيع المحلي، وتطوير المهارات، وتحسين البنية التحتية، بالإضافة إلى مواكبة التحولات البيئية والتكنولوجية.
اقرأ أيضًا: تمديد خط القطارات فائقة السرعة بالمغرب بتكلفة 10 مليارات دولار
عوامل القوة: بنية تحتية وموقع استراتيجي
ترى الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب يُشكّل عاملًا حاسمًا في نمو صناعة السيارات وازدهارها، إذ يُعدّ قرب المملكة من القارة الأوروبية ميزة تنافسية تُتيح لها أن تكون قاعدة مثالية لتصنيع السيارات وتصديرها بسهولة إلى الأسواق الأوروبية. وإلى جانب ذلك، يضطلع المغرب بدور مهم كبوابة رئيسية نحو القارة الإفريقية، ما يمنح الشركات العاملة فيه إمكانية الوصول إلى قاعدة استهلاكية ضخمة تضم أكثر من مليار مستهلك عبر العالم.
ووفقًا للخبيرة: “تضمَّنت استراتيجيات الحكومة المغربية لتحفيز هذا القطاع إنشاء مناطق صناعية متخصصة، مثل “طنجة المتوسط” و”القنيطرة”، التي تضم مرافق تصنيع متطورة ومجهزة بأحدث التقنيات. وقد جذبت هذه المناطق استثمارات ضخمة من قبل شركات عالمية مثل “رينو” و”بيجو-سيتروين” (PSA)، حيث أقامت هذه الشركات مصانع حديثة تنتج مئات الآلاف من السيارات سنويًا.
الرهان على الكفاءات البشرية
تُعَدُّ الكفاءات البشرية المغربية إحدى الركائز الأساسية التي تدعم نجاح قطاع صناعة السيارات، بحسب ما تؤكده الدكتورة مروة الشافعي. كما أنّها تشير إلى أن الحكومة المغربية، بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية، أولت اهتمامًا كبيرًا بتطوير برامج تدريب مهني متقدمة، تهدف إلى تعزيز المهارات التقنية للعمال المحليين.
وقد أثمرت هذه المبادرات عن تأهيل قاعدة واسعة من اليد العاملة الماهرة، القادرة على الاستجابة لمتطلبات الإنتاج المتنامية والالتزام بأعلى معايير الجودة العالمية.
لم يقتصر تفوق المغرب على صناعة السيارات، فقد أطلق المغرب مناقصة دولية لتشغيل أكبر حوض لبناء وصيانة السفن في إفريقيا.. اقرأ التفاصيل!
صادرات متنامية ومكانة إقليمية
من جانبها، أشارت الدكتورة سمر عادل، الخبيرة الاقتصادية، إلى أنَّ صناعة السيارات أصبحت الآن ثاني أكبر قطاع تصديري في المغرب بعد الفوسفات، حتى أنّها على وشك التفوق عليه؛ حيث تشكل السيارات نسبة تخطت 33٪ من إجمالي الصادرات المغربية، وتصدر المنتجات إلى أكثر من 70 دولة، بما في ذلك الأسواق الأوروبية والأفريقية والشرق أوسطية، مما يعزز مكانة المغرب كأكبر منتج للسيارات في إفريقيا.
وأكدت أنَّ المغرب أصبحت واحدة من أبرز الدول المصنعة للسيارات على مستوى العالم العربي، حيث ينتج حوالي 700 ألف مركبة سنوياً، الأمر الذي يجعله عاصمة لصناعة وتجميع أجزاء السيارات في المنطقة، بالإضافة إلى قدرته على جذب استثمارات ضخمة بالمليارات.
وواصلت الشافعي حديثها بالإشارة إلى أنّ المغرب تمكن، على مدى السنوات الماضية، من بناء قاعدة صناعية متينة في مجال السيارات، مكّنته من تحقيق إنجاز غير مسبوق على المستوى الإقليمي، تمثّل في إنتاج النموذج الأولي لأول سيارة تعمل بالهيدروجين. وقد تم تطوير هذا النموذج بالتعاون مع المكتب الإيطالي الشهير للتصميم “بينينفارينا”، بينما تولّت كفاءات مغربية تنفيذ التصميم الداخلي للسيارة، في خطوة تعكس مدى التقدّم والابتكار الذي بلغه هذا القطاع الحيوي داخل المملكة.
وتأتي هذه التطورات الاقتصادية الكبيرة في ظل استمرار جذب المغرب لشركات دولية للاستثمار في قطاع السيارات، وكان آخر هذه الاستثمارات افتتاح شركتين أوروبيتين مصنعاً جديداً لأجزاء السيارات في منطقة طنجة الحرة، شمال المملكة، في فبراير الماضي، مما يعزز مكانة الدولة كمركز إقليمي للصناعة، خاصة وأن الحكومة المغربية تتبنى استراتيجيات جديدة لدعم التحول نحو السيارات الكهربائية والهجينة، مما يفتح آفاقًا جديدة للنمو المستدام في هذا القطاع.
ماذا عن صناعة الطيران في المغرب؟ اطّلع على تفاصيل الخطط والتوقّعات المستقبلية لهذا القطاع!
استثمارات أجنبية متواصلة
بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي أيمن فودة أن تجربة المغرب في صناعة السيارات تُعد نموذجًا ناجحًا للتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، إذ استطاعت المملكة أن تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية المتطورة، وتنمية رأس المال البشري، والاستفادة المثلى من موقعها الجغرافي المتميز.
ويضيف فودة أن تطوير المناطق الصناعية المتخصصة وتعزيز المهارات المحلية شكّلا عاملين حاسمين في بناء قاعدة صناعية قوية، تمكّنت من تحقيق نمو مستمر وتوسّع ملحوظ، ما رسّخ مكانة المغرب كأحد أبرز الفاعلين في صناعة السيارات على المستويين الإقليمي والعالمي.
وأوضح فودة أن المغرب أصبح بيئة جاذبة للاستثمارات الصناعية في قطاع السيارات، حيث اختارت العديد من الشركات العالمية توطين إنتاجها في المملكة، من بينها المجموعة الأمريكية “لير” التي تدير أحد عشر موقعًا إنتاجيًا متخصصًا في تصنيع مقاعد السيارات والأنظمة الكهربائية. كما استثمرت المجموعة الصينية “CITIC Dicastal” نحو 400 مليون دولار في إنشاء مصنع بطاقة إنتاجية تصل إلى 6 ملايين قطعة سنويًا.
وفي السياق ذاته، أعلنت الشركة اليابانية “سوميتومو” عن خطط طموحة لإنشاء تسعة مصانع جديدة في المغرب بحلول عام 2028، باستثمارات تقدَّر بنحو 190 مليون دولار، وذلك لتوسيع إنتاج الأجهزة الإلكترونية المخصّصة للسيارات، في خطوة تؤكد تنامي ثقة المستثمرين الدوليين بقدرات المملكة الصناعية ومناخها الاستثماري المستقر.
اقرأ أيضًا: مصر والمغرب تقودان الاستثمارات الأجنبية المباشرة في 2025
تحديات قائمة رغم النجاحات
ترى الدكتورة سمر عادل، الخبيرة الاقتصادية، أنَّه على الرغم من النجاحات الكبيرة إلا أنّ قطاع صناعة السيارات في المغرب يواجه بعض التحديات؛ منها الحاجة إلى تنويع القاعدة الصناعية للسيارات، وتعزيز الابتكار التكنولوجي، والتعامل مع الضغوط البيئية المتزايدة المتعلقة بالتحول نحو السيارات الكهربائية.
وقد وافق أيمن فودة رأي الخبيرة، قائلًا: “رغم النجاح الكبير الذي حققته صناعة السيارات في المغرب على مدار السنوات الماضية، إلا أن هذا القطاع يواجه مجموعة من التحديات التي قد تعرقل استمرارية نموه وتطوره، وهذا يتطلب جهوداً متواصلة من الحكومة والشركات العاملة في المجال لضمان استدامة هذا النجاح، وتعزيز مكانة المغرب كأحد المراكز الرائدة في صناعة السيارات على المستوى الإقليمي والدولي”.
- الاعتماد على الاستثمار الأجنبي
يعتمد قطاع صناعة السيارات في المغرب بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة من شركات السيارات الكبرى مثل “رينو” و”بيجو-سيتروين” (PSA)، الأمر الذي قد يشكل تحديًا إذا ما قررت هذه الشركات نقل جزء من عملياتها إلى دول أخرى لأسباب تتعلق بالتكلفة أو الظروف الاقتصادية.
وبناء على ذلك، فإنّ المغرب يحتاج إلى تشجيع نمو الشركات المحلية وتطوير قطاع الموردين المحليين، وذلك بهدف تعزيز الاستقلالية الصناعية في المملكة.
- التحديات البيئية والتكنولوجية
يواجه المغرب تحديات كبيرة في التكيف مع تزايد الاهتمام العالمي بالبيئة والتحول نحو السيارات الكهربائية والهجينة، حيث تحتاج البنية التحتية الحالية إلى تطوير لدعم تصنيع وتوزيع السيارات الصديقة للبيئة، فضلًا عن ضرورة الاستثمار في البحث والتطوير لتعزيز الابتكار في هذا المجال وضمان مواكبة التغيرات التكنولوجية العالمية.
- المنافسة الإقليمية والدولية
تواجه صناعة السيارات في المغرب منافسة شرسة من دول أخرى في المنطقة، مثل مصر وجنوب إفريقيا، التي تسعى أيضًا لجذب الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع، مما يتطلب تحسين بيئة الأعمال، وتقديم حوافز تنافسية للشركات المستثمرة، بالإضافة إلى ضمان استدامة واستقرار السياسات الاقتصادية لجذب المزيد من الاستثمارات.
- تطوير المهارات والكوادر المحلية
رغم الجهود المبذولة لتدريب القوى العاملة المحلية، لا تزال هناك حاجة ماسة لتطوير المزيد من المهارات التقنية العالية والمتخصصة؛ حيث يعتبر تعزيز التعليم الفني والتدريب المهني ضرورياً لضمان توافر العمالة الماهرة القادرة على العمل في هذا القطاع المتطور، ولتقليل الفجوة بين احتياجات الصناعة والمهارات المتاحة.
- الاندماج في سلاسل القيمة العالمية
لا يزال المغرب بحاجة إلى تحسين موقعه في سلاسل القيمة العالمية؛ حيث إنّه يعتمد حالياً على استيراد العديد من المكونات الأساسية لصناعة السيارات، وهذا يضعف من قدرته على التحكم في تكلفة الإنتاج، ويجعله أكثر عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية، لهذا ينبغي للمغرب أن تعمل على تعزيز التصنيع المحلي للمكونات، وتطوير شبكة الموردين المحلية لفرض القيمة المضافة المحلية.
- التحديات اللوجستية والبنية التحتية
رغم التحسن الكبير في البنية التحتية المغربية، لا تزال هناك بعض التحديات اللوجستية، خاصة في مناطق معينة بعيدة عن الموانئ الرئيسية أو المناطق الصناعية الكبرى، لهذا فإنّ تحسين شبكات النقل واللوجستيات يعتبر أمراً حيوياً لتقليل تكاليف الإنتاج والتصدير، وزيادة كفاءة سلسلة التوريد.
أثبت المغرب خلال العقدين الماضيين أنّه قادر على بناء قطاع صناعي متماسك في مجال السيارات، قائم على التنافسية والجودة والانفتاح العالمي، إلا أن المستقبل يتطلب مزيدًا من الجهد لتجاوز التحديات الهيكلية، وتعزيز الاستقلالية الصناعية، وتسريع التحول نحو المركبات الخضراء، وبذلك يمكن للمملكة أن تحتفظ بمكانتها كقوة صناعية رائدة على مستوى إفريقيا والعالم العربي، وتفتح آفاقًا جديدة للنمو المستدام في الاقتصاد الوطني.
تابع القراءة حول صناعة السيارات في المغرب في تقريرنا المصور
