يواصل صندوق النقد الدولي متابعة التطورات الاقتصادية في مصر عن قرب، حيث أعلن في بيان رسمي عن خطته لإيفاد بعثة من خبرائه إلى القاهرة خلال فصل الخريف المقبل، لإجراء مراجعة شاملة للتقدم الذي أحرزته البلاد في إطار برنامجها التمويلي الممتد مع الصندوق. وتأتي هذه الخطوة وسط دعوة صريحة لمصر للانتقال إلى مرحلة إصلاحات هيكلية أعمق وأكثر جرأة، بما يسهم في إطلاق الإمكانات الكامنة للنمو وتحقيق استقرار اقتصادي مستدام في ظل التحديات المحلية والدولية الراهنة.
وفي هذا السياق، أوضحت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، أن المراجعتين الخامسة والسادسة للبرنامج، اللتين تم الإعلان عنهما للمرة الأولى في يوليو الماضي لم يحدد لهما موعد نهائي بعد، وأشارت خلال إحاطة صحفية دورية إلى أن استقرار الاقتصاد الكلي الذي بدأت مصر في تحقيقه يمثل فرصة سانحة للشروع في إصلاحات أكثر عمقًا، خصوصًا في ما يتعلق بتقليص دور الدولة في الاقتصاد وإفساح المجال أمام القطاع الخاص ليقود مرحلة النمو المقبلة.
ماذا تعني دعوة صندوق النقد الدولي لمصر؟
يرى الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن دعوة صندوق النقد لمصر إلى تعميق الإصلاحات ليست مجرد توصية شكلية، وإنما تمثل جرس إنذار مهم بضرورة الإسراع في خطوات أكثر جرأة، وأضاف أن تركيز الصندوق على ملف تقليص دور الدولة وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص يعكس توجهًا عالميًا بات يدرك أن النمو المستدام لا يتحقق إلا عبر قاعدة إنتاجية واسعة يقودها الاستثمار الخاص، لا من خلال إنفاق حكومي متزايد يضغط على الموازنة العامة.
وأوضح عبد الهادي أن مصر تمكنت خلال الفترة الماضية من استعادة قدر من الاستقرار الكلي بعد أزمة نقص العملة الأجنبية وذروة التضخم في سبتمبر 2023، لكنه يؤكد أن هذا النجاح لا يكفي بمفرده، فالمطلوب الآن هو بناء قاعدة أكثر صلابة عبر ترشيد الدعم غير الموجه، وتوسيع الاعتماد على التصنيع المحلي، وتعزيز الصادرات باعتبارها القاطرة الأساسية للنمو، مع ربط ذلك بإصلاحات مالية تقلل العجز وتدعم الانضباط المالي.
دمج المراجعتين.. دلالة سياسية واقتصادية
توقف عبد الهادي عند خطوة دمج المراجعتين الخامسة والسادسة في زيارة واحدة خلال الخريف المقبل، معتبرًا أن هذا القرار ليس مجرد إجراء إداري بل يعكس وجود ملفات عالقة تحتاج إلى حسم، وفي مقدمتها ملف الطروحات الحكومية، وقال: “هذا الدمج يمنح مصر فرصة إضافية لتأكيد التزامها ببرنامج الإصلاح، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام اختبار صعب لإقناع الصندوق بجدية التنفيذ على أرض الواقع، خصوصًا فيما يتعلق بملكية الدولة ودور القطاع الخاص”.
وبحسب عبد الهادي، فإن نجاح مصر في إقناع الصندوق بجدية الإصلاحات سيعزز قدرتها على الحصول على الشرائح المقبلة، كما سيرسل إشارات إيجابية للأسواق والمستثمرين بأن البلاد جادة في المضي قدمًا نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا وتنافسية.
التمويل: مظلة سياسية لا مجرد قرض
بيَّن عبد الهادي أن الاتفاق الموقع مع الصندوق في مارس 2024 والبالغ قيمته 8 مليارات دولار، لم يعد مجرد اتفاق مالي يضخ أموالاً في الخزانة العامة، بل تحول إلى مظلة سياسية واقتصادية تعزز ثقة المجتمع الدولي في قدرة مصر على مواجهة التحديات، فحتى الآن حصلت مصر على نحو 3.5 مليار دولار من التمويل، لكن الأهم –بحسب عبد الهادي– ليس المبلغ بحد ذاته وإنما انعكاسه على ثقة المستثمرين، وتحسين التصنيف الائتماني، وزيادة جاذبية السوق المصرية للاستثمار الأجنبي المباشر.
وأشار عبد الهادي إلى تجارب دول أخرى مثل الأردن وباكستان، حيث لم يكن التمويل وحده كافيًا، وإنما التزام تلك الدول بإصلاحات هيكلية هو الذي ساعدها على استعادة ثقة الأسواق وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، وقال: “ما يهم المستثمر العالمي ليس حجم القرض بل مدى التزام الدولة بخطوات إصلاحية واضحة وشفافة”.
وعلّق عبد الهادي على تصريحات نائب وزير المالية أحمد كجوك، الذي أكد أن الحكومة ماضية في التعاون مع المؤسسات الدولية ليس فقط للحصول على التمويل بل من أجل دعم خطط التحفيز الاقتصادي، وأشاد بالتوجه نحو إطلاق حزم تحفيزية تستهدف التصدير والصناعة وسوق المال، معتبرًا أن هذه الإجراءات إذا تم تنفيذها بفاعلية، ستمنح الاقتصاد دفعة قوية تفوق كثيرًا ما يقدمه التمويل الخارجي وحده.
ويرى أن نجاح الحكومة في تعزيز التصنيع المحلي، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المصرية، والتوسع في فتح أسواق جديدة للصادرات، يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية للاقتصاد، خاصة في ظل التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد عالميًا.
التحديات الاجتماعية والتوازن المطلوب
حذَّر عبد الهادي من أن تنفيذ الإصلاحات العميقة يجب أن يراعي البعد الاجتماعي، موضحًا أن ارتفاع الأسعار والإجراءات التقشفية قد تؤثر سلبًا على الفئات الأكثر هشاشة، مؤكدًا أن التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي هو المعادلة الأصعب أمام الحكومة، حيث لا يمكن تحقيق نجاح اقتصادي حقيقي إذا كان على حساب السلم الاجتماعي.
وأضاف أن على الحكومة التفكير في آليات حماية اجتماعية أكثر فاعلية، مثل دعم برامج التمويل الصغيرة، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية، وتوجيه الدعم مباشرة للفئات المستحقة، بما يضمن تخفيف أثر الإصلاحات على حياة المواطنين اليومية.
ولفت عبد الهادي إلى أن الظروف العالمية تزيد المشهد تعقيدًا، فالعالم يواجه تضخمًا مرتفعًا، فضلًا عن تقلبات في أسعار الطاقة، وتوترات جيوسياسية تلقي بظلالها على الأسواق الناشئة. ومع ذلك، يرى الخبير أن هذه التحديات يمكن أن تتحول إلى فرص إذا أحسنت مصر استغلالها، إذ يمكنها أن تتموضع كوجهة استثمارية في الطاقة المتجددة، والنقل واللوجستيات، والتكنولوجيا المالية، وهي قطاعات تشهد إقبالًا عالميًا متزايدًا.
مرونة صندوق النقد.. شرط النجاح
من جانبه، شدد الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، على أن نجاح البرنامج التمويلي ليس مسؤولية مصر وحدها، بل يمثل شراكة مع صندوق النقد الدولي، وقال: “من المهم أن يُبدي الصندوق مرونة كافية عند إجراء المراجعتين المقبلتين، خصوصًا فيما يتعلق ببرنامج الطروحات الحكومية”.
وأوضح جاب الله أن مصر حريصة على تنفيذ برنامج الطروحات بطريقة تحقق تخارجًا عادلًا يحافظ على قيمة الأصول الوطنية، مشددًا على أن بيع أصول استراتيجية بأسعار متدنية من أجل الحصول على شريحة تمويلية تقدر بـ2.5 مليار دولار لا يخدم مصلحة الاقتصاد المصري.
وأشار إلى أن التخارج من الأصول ليس قرارًا حكوميًا بحتًا، بل عملية مشروطة بظروف السوق ورغبة المستثمرين، مؤكدًا أن الإرادة السياسية المصرية انعقدت بالفعل لإنجاز هذا البرنامج، غير أن التنفيذ يتطلب بيئة استثمارية مناسبة وتفاهمًا مع الصندوق يراعي هذه الحقائق.
وأكد جاب الله أن نجاح البرنامج التمويلي يتوقف على التعاون والتفاهم بين الطرفين باعتبارهما شركاء في الإصلاح، وليس على أساس علاقة وصاية، ويرى أن هذا التعاون هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الاقتصاد المصري وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.
قد يهمّك أيضًا: مصر تواجه قرار نتنياهو بإلغاء صفقة الغاز بمرونة.. هل تخسر إسرائيل؟