في تقرير جديد يعكس تفاؤلًا حذرًا حيال مسار الاقتصاد العالمي، أعلن صندوق النقد الدولي عن رفع توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2025 إلى 3%، مقارنة بالتقديرات السابقة البالغة 2.8%، الصادرة في أبريل الماضي.
ورغم أن هذه النسبة تظل أقل من معدل النمو المُسجل في عام 2024 والبالغ 3.3%، فإنها تعكس تحسنًا مفاجئًا في المزاج الاقتصادي العالمي، مدفوعًا بمرونة نسبية في الأداء الاقتصادي للدول الكبرى، وتراجع فعلي لبعض إجراءات التصعيد التجاري التي سبق الإعلان عنها.
صمود مؤقت للاقتصاد العالمي
في تعليقه على تقرير الصندوق، صرح الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد قائلاً: “رفع التوقعات إلى 3% في 2025 لا يعني أننا أمام انتعاش مستدام، بل أمام صمود مؤقت نجح الاقتصاد العالمي في تحقيقه رغم الظروف الحمائية، لكنه صمود هش قابل للتآكل في أية لحظة نتيجة التطورات السياسية”.
وأوضح حسين أن السبب في تجاوز توقعات النمو العالمي السابقة يعود جزئيًا إلى خطوة استباقية من قبل المستوردين الأمريكيين الذين قاموا بتكثيف الواردات قبل بدء تطبيق التعريفات الجمركية، إضافة إلى تراجع الرئيس دونالد ترامب لاحقًا عن تنفيذ بعض الرسوم الكبرى، أبرزها تلك التي كانت تستهدف سلعًا صينية بنسبة 145%.
رسوم جمركية ترفع الإيرادات
بحسب بيانات التقرير، ارتفعت الإيرادات الجمركية الأمريكية إلى 108 مليارات دولار خلال الفترة من أكتوبر 2024 حتى يونيو 2025، مقارنة بـ 55.6 مليار دولار خلال نفس الفترة من السنة السابقة.
وفي هذا السياق، أكد حسين أن هذه الزيادة ليست دليل نجاح اقتصادي، قائلاً: “صحيح أن الإيرادات الجمركية تضاعفت، لكن هذه العائدات لا تُفسر كإنجاز، بل هي نتيجة مباشرة لزيادة تكلفة التجارة على المستوردين والمستهلكين، مما يعني أن المواطن الأمريكي هو من يدفع الثمن في النهاية”.
وأوضح تقرير الصندوق أن نمو الاقتصاد الأمريكي سيرتفع إلى 1.9% في 2025، على أن يبلغ 2% في العام التالي، مدفوعًا أساسًا بالحوافز الضريبية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية مطلع يوليو.
وقد قلَّل أستاذ الاقتصاد من أهمية هذا النمو مؤكدًا أن ما يجري في الولايات المتحدة هو نمو مؤقت قائم على التحفيز الضريبي، لا على زيادة الإنتاجية أو الابتكار، بمعنى آخر: هو نمو سياسي بامتياز، لا يعكس تحسنًا هيكليًا في أداء الاقتصاد الأمريكي .
الصين والهند تتقدمان.. أوروبا واليابان تحت الضغط
أما على مستوى الاقتصادات الكبرى، فقد شهدت التوقعات تعديلات إيجابية، حيث رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني من 4% إلى 4.8%، مستندًا إلى تراجع الضغوط التجارية الأمريكية وزيادة الإنفاق الحكومي الصيني. أما الهند، فقد واصلت تصدر قائمة أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا بمعدل ثابت يبلغ 6.4%، بفضل إصلاحات رقمية وتحفيزات استثمارية.
ويرى حسين أنَّ الصين والهند تتحركان في مسارين مختلفين، لكن كلاهما يسجل أداءً قويًا، فالهند تحديدًا تستفيد من قاعدة سكانية شابة، وسياسات تسهيلية تفتح المجال أمام التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي.
في المقابل، تسجل منطقة اليورو نموًا متواضعًا عند 1%، بينما تعاني اليابان من ركود نسبي عند 0.7% هذا العام و0.5% في العام المقبل، ووفقًا للخبير فإنّ “أوروبا واليابان هما الضحيتان الصامتتان في لعبة الحمائية الأمريكية، فرغم قبولهما برسوم جمركية بنسبة 15% لتفادي التصعيد، إلا أن تأثير ذلك بدأ يظهر في تباطؤ صادراتهما، وتراجع جاذبيتهما كقوتين تجاريتين”.
اطّلع على تفاصيل الاتفاق الجمركي بين أمريكا واليابان وأيضًا الاتفاق الجمركي الأمريكي الأوروبي
التجارة العالمية تنتعش مؤقتًا
وفقًا لتقرير الصندوق، تمَّ رفع توقعات نمو التجارة العالمية (من حيث الحجم) إلى 2.6% في 2025، بدلاً من 1.7%، لكن مع تحذير من تراجع مرتقب إلى 1.9% في 2026. وقد فسَّر حسين هذا التذبذب قائلاً: “النمو الحالي في التجارة العالمية مدفوع بالشحنات الاستباقية التي تهدف لتفادي تأثير الرسوم، لكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، فالتباطؤ قادم لا محالة ما لم يتم صياغة قواعد التجارة العالمية بطريقة أكثر توازنًا”.
وأشار تقرير الصندوق إلى أنَّ إدارة ترامب تستعد لجولة جديدة من التصعيد التجاري، حيث طالبت الاتحاد الأوروبي واليابان بالموافقة على رسوم أمريكية بنسبة 15% على صادراتهما، وهو ما أثار توترات في الأسواق. وقد وقّعت دول مثل إندونيسيا، وفيتنام، والفلبين اتفاقيات ثنائية لتجنب العقوبات، فيما جرى تحديد يوم الجمعة المقبل كموعد نهائي لتفعيل جولة رسوم جديدة على الدول التي ترفض تقديم تنازلات.
توقعات النمو العالمي للاقتصادات الناشئة… فرص محدودة
رغم أنَّ الاقتصادات الكبرى مثل الصين والهند تمكنت من تعزيز معدلات النمو، فإن الصورة تختلف في حالة الأسواق الناشئة التي لا تزال تعاني من هشاشة في تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتقلبات أسعار الصرف، وتراجع شهية المخاطرة لدى المستثمرين الدوليين.
من جهته، يرى حسين أنَّ السياسات الحمائية الأمريكية تضيف عبئًا إضافيًا على تلك الدول، وقد أوضح: “عندما ترتفع الرسوم الجمركية في الدول الكبرى، تصبح السلع القادمة من الاقتصادات الناشئة أقل تنافسية، كما أن المستثمرين يعيدون تقييم مخاطر سلاسل التوريد الممتدة، مما يدفعهم إلى الانكماش نحو أسواقهم المحلية أو الإقليمية”.
كما أكَّد أن بعض الدول الناشئة قد تضطر إلى تقديم تنازلات تجارية أو سياسية مقابل الحفاظ على امتيازات تصديرية، وهو ما قد يقوض استقلالية قراراتها الاقتصادية على المدى الطويل.
واختتم حسين تصريحاته محذرًا من الإفراط في التفاؤل قائلاً: “الرسالة الواضحة من الصندوق هي أننا أمام حالة استقرار هشّ، مدفوع بتأجيلات سياسية أكثر من كونه نتيجة تحسن اقتصادي فعلي، حيث لا تزال التهديدات التجارية قائمة، والمؤسسات متعددة الأطراف أضعف من أن تضمن استقرارًا طويل الأجل”.
وأضاف: النمو الحقيقي لا يمكن أن يبنى على الرسوم الجمركية أو التخفيضات الضريبية فقط، بل يحتاج إلى إصلاحات هيكلية وتشجيع الابتكار، واستعادة الثقة في النظام التجاري العالمي.
رغم أن تعديل صندوق النقد لتوقعات النمو العالمي يعكس بعض المؤشرات الإيجابية، إلا أن التحليل الاقتصادي العميق يكشف عن صمود هش ومؤقت، قد يتبخر مع أي تصعيد تجاري جديد، فالنمو مرهون باستقرار سياسي وتعاون تجاري دولي، وليس بقرارات أحادية أو معالجات ضريبية قصيرة الأجل.
قد يهمّك أيضًا: الاقتصاد العالمي يتجه نحو أضعف أداء منذ 2008، وفقًا للبنك الدولي