ضريبة الثروة: فرنسا بين العدالة الاقتصادية ومخاطر الاستثمار
تتجه باريس إلى واحدة من أكثر اللحظات حساسية في علاقتها التاريخية، بين رأس المال والدولة، فمع طرح الحزب الاشتراكي مقترحاً لفرض ضريبة سنوية لا تقل عن 2% على الثروات التي تتجاوز 100 مليون يورو، تشمل الشركات وحصص المساهمين وحتى الأرباح غير المحقّقة، انفجرت مواجهة مفتوحة بين نخبة المال والأعمال من جهة، وائتلاف يسعى إلى سد فجوة العجز العام من جهة أخرى، بحسب فاينينشيال تايمز.
في قلب العاصفة يقف برنار أرنو، رئيس مجموعة “LVMH” وأغنى رجال فرنسا، وهو يصف الاقتراح بأنه “رغبة معلنة في تدمير الاقتصاد الفرنسي”، بينما ترى قيادات يسارية أن الوقت حان لوضع “حد أدنى من الضرائب على المليارديرات”، وبين هذين الخطابين يتحدد مسار بيئة الأعمال الفرنسية، وثقة المستثمرين، وقدرة الحكومة الجديدة على تمرير موازنة في برلمان معلّق أجهض محاولتين سابقتين لضبط الإنفاق.
السياسة قبل الأرقام
يعتمد بقاء رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على هندسة برلمانية دقيقة، يكون فيها دعم الاشتراكيين عنصراً مرجّحاً، فبعد أن أسقط البرلمان رئيسَي وزراء خلال أقل من عام، بسبب خطط لخفض الإنفاق، جاءت مبادرة “ضريبة الثروة” كأداة تفاوضية تُرضي قاعدة غاضبة من إجراءات التقشّف، وتمنح الحكومة متنفساً مالياً وهي تبحث عن طريق سالك نحو موازنة مقبولة.
إلا أن هذا الخيار يترتب عليه ثمن سياسي مرتفع، يتمثل في مواجهة مفتوحة مع مجتمع الأعمال، وتوتّر متصاعد بين الإليزيه وبيئة الاستثمار التي يسعى الرئيس إيمانويل ماكرون منذ عام 2017 إلى استمالتها تحت شعار “فرنسا، أمة ناشئة”.
من “أمّة ناشئة” إلى “ضريبة زوكمان”
المقترح المعروف إعلامياً باسم “ضريبة زوكمان”، نسبة إلى الاقتصادي غابرييل زوكمان، يعادل في رمزيته انقلاباً على مسار ماكرون الإصلاحي الذي بدأه بتقليص ضريبة الثروة على الأصول الشخصية واستبدالها بأخرى أضيق نطاقاً على العقارات.
بعدها خفّض تدريجياً ضريبة الشركات من 33 إلى 25%، وأقر ضريبة موحّدة بنسبة 30% على أرباح رأس المال، وقد صنعت تلك الحزمة سردية “فرنسا الصديقة للأعمال”، لكنها أيضاً حمّلت الرئيس كلفة سياسية، إذ التصقت به تهمة “رئيس الأغنياء”.
واليوم يعود الملف إلى نقطة الصفر: هل تُبقي باريس على تنافسية ضريبية لصيقة بجذب الاستثمار، أم تستسلم لضغط اجتماعي يطالب بأن “يدفع الأكثر ثراءً نصيباً أكبر”؟
اقرأ أيضًا: هروب جماعي للمليونيرات من بريطانيا 2025
أرقام العجز تحت المجهر
يدفع مؤيدو الضريبة بحجّة مالية مباشرة، ويقولون إنه يمكن -وفق تقديراتهم- أن تجمع الدولة نحو 15 مليار يورو سنوياً، ما يخفف الحاجة إلى مقصٍّ أكثر قسوة على الإنفاق في ظل عجز متوقّع يبلغ 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام، وهو أحد أعلى المعدلات في منطقة اليورو.
لكن معارضين يردّون بأرقام مضادة، متوقّعين حصيلة أقرب إلى 5 مليارات يورو فقط، بما لا يبرر -في رأيهم- الأضرار الجانبية على الاستثمار والابتكار وقيمة الأصول، وما بين 5 و15 ملياراً تدور معركة “النمذجة المالية” التي ستحدد إن كان المقترح رافعةً لسد فجوة، أم مجرد إشارة سياسية لا تُقنع الأسواق.
هجوم قوي على الاقتصاد
بكلمات شديدة الصراحة، صعّد برنار أرنو موقفه ضد الضريبة قائلاً، إنه “لا يستطيع أن يصدق أن قوى حكمت فرنسا أو ما زالت تحكمها تمنح مصداقية لهجوم قاتل على اقتصادنا”. ولم يكتفِ أرنو بالرفض المبدئي، بل ذهب إلى التشكيك في مصداقية مهندس الفكرة، واصفاً زوكمان بأنه “ناشط يساري متطرف” يستهدفه شخصياً بصفته “أكبر دافع ضرائب فردي في فرنسا وأحد أكبر المكلّفين من خلال الشركات التي يديرها”.
في المقابل، ردّ زوكمان بأن الانتقادات “بلا أساس”، وأن “الوقت حان لفرض حدٍّ أدنى من الضرائب على المليارديرات”، وهكذا تحوّل النقاش من أرقام إلى سجالٍ رمزي حول العدالة والجدارة والملكية.
صدمة لروّاد التكنولوجيا
تضرب الضريبة المقترحة قلب النظام البيئي للشركات الناشئة، حيث الثروةُ -غالباً- على الورق، فالقيمة السوقية المرتفعة لا تعني سيولةً حاضرة. وفي هذا السياق، وصف إريك لارشفاك، المؤسس المشارك لشركة “Ledger” المتخصصة في محافظ العملات المشفرة، المقترح بأنه “تجميعية، شيوعية، وهجوم على الحرية والملكية”.
تُقدر قيمة “Ledger” بنحو 1.3 مليار يورو وفق مستثمري رأس المال المخاطر، ما يجعل حصص المؤسسين فوق عتبة الضريبة، رغم أن الشركة غير مدرجة ولا توزّع أرباحاً، ونتيجة ذلك قد يواجه رواد الأعمال فاتورة ضريبية، تفوق ما لديهم من نقد، فيُدفعون قسراً إلى بيع حصص، أو الاقتراض بشروط مكلفة، وهو ما يراه فيليب كورّو، المؤسس المشارك لـ”Mirakl” (بتقييم يقارب 3.5 مليار دولار)، “سخيفاً وخطيراً لأنه يضع الناس في موقف يضطرون فيه إلى بيع أجزاء من شركاتهم لسداد الضرائب”.
اقرأ أيضًا: فرنسا الحلقة الأضعف في اقتصاد أوروبا بعد تخفيض التصنيف من فيتش
حلول تثير الجدل
مؤيدو الضريبة يطرحون مخارج تخفيفية، عبر تمكين المؤسسين من سداد الضريبة، من خلال التنازل عن حصص لصندوق سيادي فرنسي، أو عبر الاقتراض المضمون بأسهمهم، ولكن تلك البدائل تفتح جبهات جديدة، منها تسعير عادل لحصص غير مدرجة، ومخاطر تمييع الملكية والتحكم، وأسئلة قانونية حول “مصادرة مقنّعة”.
وهنا يبرز تحذير فابريس لو ساشي، نائب رئيس “Medef” ومؤسس شركة لتجارة أرصدة الكربون الذي قال: “من سيقول لا إذا قيل له فلنفرض 2% على الأغنياء؟ لكن من الصعب أن يفهم الناس أن قيمة الشركة ليست نقداً في جيب صاحبها”.
صف إداري إلى جانب السوق
لم تقتصر الصدمة من المقترح على المليارديرات وروّاد الأعمال فحسب؛ إذ وصف نيكولا دوفورك، رئيس بنك الاستثمار الحكومي “Bpifrance”، الفكرة بأنها “جنونية تماماً”، وتكتسب هذه الإشارة وزناً مضاعفاً بالنظر إلى أن المؤسسة التي يقودها تمثّل الذراع التمويلية العامة لدعم الابتكار والشركات الصغيرة والمتوسطة.
فإذا كان الجهاز المكلّف بتغذية مشروع “فرنسا الناشئة” يرى في الضريبة تهديداً مباشراً لبيئته الطبيعية، فإن مهمة الحكومة في طمأنة رواد الأعمال والمستثمرين ستزداد تعقيداً، لا سيما في سياق سياسي يشهد تغيّراً متسارعاً وتبدّل حكومات خلال فترة زمنية وجيزة.
ماكرون بين إرثه الإصلاحي وشارعٍ محتقن
في بداية عهده، قاد ماكرون منعطفاً صديقاً للأعمال، فخفض ضرائب الشركات وحوّل ضريبة الثروة إلى عقارية محضة، وفرض ضريبة موحّدة على عوائد رأس المال، واليوم -وبحسب مصدر قريب من تفكير الرئيس- ما زال يعارض بشدة عودة ضريبة الثروة بصورتها الموسّعة.
كما أنّه يرى مقترح “زوكمان” انحرافاً عن المسار، ولكن الشارع يضغط في الاتجاه المعاكس، فأكثر من نصف مليون متظاهر خرجوا في باريس ومدن أخرى مطالبين بـ”ضرائب على الأثرياء بدلًا من تقليص الإنفاق”. وفي استطلاع لمؤسسة “Ifop” بتكليف من الحزب الاشتراكي، أيّد 86% من المستطلعين الضريبة المقترحة، وهكذا تتجسد المعضلة، بين قاعدة شعبية تريد عدالةً ضريبية فورية، وقيادة تنفيذية تخشى هروب رأس المال وتجفيف شرايين الابتكار.
من الناحية القانونية، يثير المقترح شبهة “التمييز الضريبي” باستهدافه مجموعة صغيرة لا تتجاوز 1800 شخص، ويلوح معارضون بعدم الدستورية إذا ثبت أن الضريبة تصيب فئة محدّدة بعبء غير متناسب، أو إذا عُدّت مساساً جوهرياً بالملكية الخاصة دون مقابل عادل. وفي المقابل، يرى مؤيدون أن استهداف “قمة الهرم” يصحّ حيث تركّزت الثروة على نحوٍ غير مسبوق، وأن العدالة تقتضي مساهمة أكبر من أصحاب الأصول المكدّسة في تمويل المنافع العامة.
صورة فرنسا في عيون رأس المال
بمزيج من إصلاحات ضريبية وتشريعية، نجح ماكرون في تسويق فرنسا كوجهة جاذبة لرؤوس الأموال، وأعاد باريس إلى خريطة مراكز المال الأوروبية، وأي تراجعٍ عن هذه الصورة لصالح ضريبة ثروة مُثقِلة يهدّد بإحياء سردية قديمة عن “فرنسا المتقلّبة”، حيث تتبدل قواعد اللعبة مع تغيّر الرياح السياسية. ومن هنا تأتي حساسية التوقيت، فالبرلمان معلّق، والإصلاحات المالية متعثرة، والاقتصاد بحاجة إلى استثمارات طويلة الأجل لا تتحمل صدمات تنظيمية غير محسوبة.
وقد تكرّر في النقاش العام استخدام تعبيرات قصوى من “الشيوعية” إلى “التجميعية” على لسان روّاد تكنولوجيا، كما استخدم رجال أعمال بارزون توصيفات مثل “الهجوم القاتل”، ما يعكس مخاوف حقيقية من أثرٍ رجعي على الاستثمار، ودفع الرأي العام إلى خندقٍ مقابل يشكّك تلقائياً في نوايا مجتمع الأعمال.
الرهان الحكومي الأصعب هو إنتاج سردية وسطية، تُقنع الشارع بأن العدالة الضريبية لا تتعارض مع تشجيع المخاطرة والابتكار، وأن فرض جباية على “ثروة ورقية” بلا سيولة قد يقتل “الدجاجة الذهبية” قبل أن تبيض إيرادات مستدامة.
كيف يدفع مجتمع الأعمال؟
لا ينكر كثير من قادة الأعمال ضرورة تقاسم الأعباء، ويقول فيليب كورّو: “الجميع يجب أن يقدّم جهداً، ولم يقل أحد إننا لا نريد دفع الضرائب، ولكن لا ينبغي أن تُثبّط هذه الإجراءات روح المخاطرة أو أن تكون مصادرة”، وبين السطور يلوّح رجال الأعمال بصيغةٍ توافقية من خلال فرض ضرائب أعلى على الدخل الرأسمالي المحقّق فعلاً، ومكافحة أشد لتهريب القيم عبر الهياكل العابرة للحدود، وأدوات تمويل مبتكرة للشركات الناشئة تُبقي الملكية في أيدي مؤسسيها، بدل دفعهم لبيع حصصٍ مبكرة ترهن مستقبل شركاتهم.
هل من بدائل تحقق الهدف المالي؟
إذا كان الهدف جمع عدة مليارات سنوياً لتحسين مسار العجز، تُطرح أمام الحكومة مجموعة خيارات ضمن روح تقاسم الأعباء:
- المسار الأول: توسيع القاعدة على مكاسب رأس المال المحققة فعلياً، مع شرائح تصاعدية أعلى جداً عند المستويات القصوى.
- المسار الثاني: رسوم تضامنية مؤقتة محددة الأجل على الدخل المرتفع، ومرتبطة ببرامج واضحة الأثر الاجتماعي.
- المسار الثالث: تحسين الامتثال عبر سد ثغرات التخطيط الضريبي المعقد الذي يُستخدم لتحويل الأرباح وإرجاء الفوترة.
- المسار الرابع: تحفيز التبرع المؤسسي للصناديق العامة مقابل إعفاءات شفافة، فتتحول ثروات خاصة إلى رأس مال اجتماعي منظم.
سيناريوهات محتملة
أمام الحكومة ثلاثة مسارات تقريباً:
الأول: تمرير الضريبة بصيغتها المتشددة، وهذا سيعني صدمة إيجابية لأنصار إعادة التوزيع، لكنه سيرفع علاوة المخاطر على الاستثمار، ويزيد احتمالات ترحيل روّاد أعمال أو رسملة شركاتهم خارج فرنسا.
الثاني: وأد المقترح، وهذا سيرضي مجتمع الأعمال، لكنه قد يشعل موجة احتجاجات أوسع ضد الحكومة، ويُضعف موقع رئيس الوزراء في البرلمان.
الثالث: حل وسط من خلال فرض ضريبة أقل نطاقاً، أو مشروطة بحصول المكلف على سيولة محققة، مع حوافز تعادل الكلفة عبر الائتمانات الضريبية للابتكار والتوظيف، وهذا السيناريو هو الأكثر اتساقاً مع هدف “العدالة دون مصادرة”، لكنه يحتاج إلى هندسة دقيقة ورسائل واضحة.
معادلة الاستثمار والنمو
القضية في جوهرها، ليست رقماً يُضاف إلى باب الإيرادات، بل إشارة يلتقطها رأس المال محلياً وعابراً للحدود، فضريبةٌ سنوية على الأصول -خاصة غير السائلة- قد تعني تخفيض تقييمات الشركات الناشئة، وزيادة كلفة رأس المال المخاطر، وتآكل الحوافز على المخاطرة.
وعلى الضفة الأخرى، يمكن لغياب مساهمة أعلى من الأغنى أن يفاقم الاستقطاب الاجتماعي، ويُفشل أي توافق على إصلاحات مالية أوسع، لذلك يراهن بعض قادة الأعمال على “نسخة أخف” من الضريبة، تتضمن تمديد إجراءات مؤقتة في الموازنة الحالية، مثل زيادة مؤقتة على ذوي الدخل المرتفع فوق 250 ألف يورو سنوياً، أو رفع محدود على ضرائب الشركات الكبرى، بما يوازن الرسالة من دون هزّ صروح الابتكار.
قد يهمّك أيضًا: صعود دول جنوب أوروبا على ألمانيا وفرنسا في تحول اقتصادي
