ضعف الدولار وخروج السندات.. هل تفقد أمريكا هيمنتها الاقتصادية؟
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة الاقتصادية العالمية، بدأت ملامح ضعف الدولار الأمريكي تفرض نفسها بقوة، في مشهد يعكس تداعيات مباشرة للسياسات الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا سيما تلك المتعلقة بالحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية المفروضة على دول كبرى مثل الصين؛ فقد سجل مؤشر الدولار الأمريكي تراجعات لافتة، متأثرًا بعمليات بيع جماعي لأدوات الدين الأمريكية، وخروج تدريجي لرؤوس الأموال الأجنبية، في تطور وصفه خبراء الاقتصاد بأنه “إنذار مبكر” لاحتمال اهتزاز مكانة الدولار كعملة مهيمنة عالميًا.
ضعف الدولار الأمريكي أمام سلة العملات
قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إنَّ التراجعات الحادة التي شهدها مؤشر الدولار الأمريكي أمام سلة العملات العالمية خلال الفترة الأخيرة، تعد نتيجة مباشرة للسياسات الاقتصادية التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصةً فيما يتعلق بفرض الرسوم الجمركية على عدد من الدول.
وأضاف أن مؤشر الدولار “دولار إندكس” تراجع بشكل كبير منذ بداية العام، فبينما كان يتم تداوله في بداية 2024 عند مستويات تقارب 107 نقاط، انخفض حالياً إلى ما دون مستوى 100 نقطة، وتحديداً 99.60، وهو ما يعكس فقدان الدولار الأمريكي لقوة كبيرة خلال فترة قصيرة نسبيًا.
وأوضح معطي أن هذا التراجع جاء مدفوعًا بانخفاض الطلب على الدولار نتيجة تراجع الثقة في السياسات الأمريكية، ما أدى إلى تخارج جماعي من أدوات الدين الأمريكية، وعلى رأسها السندات وأذون الخزانة. وأشار إلى أن هذه الظاهرة ظهرت بوضوح خلال الأسبوعين الماضيين، إذ سجلت الأسواق عمليات بيع مكثفة للسندات الأمريكية.
قد ترغب في تعلّم كيفية شراء وبيع السندات بشكل مفصّل
ارتفاع عوائد السندات
قال الدكتور أحمد معطي إن هذا التخارج الكبير ساهم في ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، خاصةً العائد على سندات العشر سنوات، حيث صعد من نحو 3.6% في 16 سبتمبر 2024، إلى 4.4% في الوقت الحالي، بزيادة تقارب 90 نقطة أساس، وهو ما يعتبر ارتفاعًا ضخمًا في فترة زمنية قصيرة.
كما لفت إلى أن هذا الصعود في العائدات جاء نتيجة لانخفاض أسعار السندات، نظرًا لوجود علاقة عكسية بين العائد والسعر، فمع بيع المؤسسات والدول للسندات، يتراجع سعرها، وبالتالي يرتفع العائد عليها، وهو ما حدث بشكل واضح مؤخرًا.
وأشار إلى أن الصين قد تكون اللاعب الأساسي في هذا الاتجاه، باعتبارها ثاني أكبر حائز عالمي للسندات الأمريكية بعد اليابان، موضحًا أن الصين ربما بدأت في الرد على السياسات الأمريكية ببيع سريع ومكثف للسندات الأمريكية، ضمن ما يُعرف بالأموال الساخنة (Hot Money)، كنوع من العقاب الاقتصادي المباشر.
وأضاف أن هذا البيع الصيني المفاجئ للسندات الأمريكية قد يؤدي إلى نتائج اقتصادية خطيرة على الاقتصاد الأمريكي، أهمها تراجع الثقة تدريجيًا في قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على جاذبية أدواتها المالية، وهو ما ينعكس في ضعف الدولار عالميًا.
اقرأ المزيد في هذا التقرير: هل تقترب نهاية هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي؟
انعكاسات تراجع الدولار على الاقتصاد الأمريكي
أكد الخبير الاقتصادي أنَّ هذا التراجع في الدولار يحمل وجهين، الأول أنه قد يكون إيجابيًا من ناحية جذب المستثمرين الأجانب للولايات المتحدة، حيث تصبح الاستثمارات داخل أمريكا أرخص بفضل الدولار الضعيف، كما أن الصادرات الأمريكية ستصبح أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
لكن الوجه الآخر يتمثل في أن هذا التراجع لم يأتِ هذه المرة نتيجة سياسات نقدية داخلية متوازنة أو تحفيزية، بل نتيجة رد فعل خارجي سلبي من دول كبرى مثل الصين، ما يعد مؤشرًا خطيرًا على فقدان الثقة في الاقتصاد الأمريكي، خاصة إذا استمر هذا الاتجاه لفترة أطول.
واختتم الدكتور أحمد معطي تصريحاته بالتحذير من أن استمرار تراجع الدولار الأمريكي إلى ما دون 100 نقطة، نتيجة البيع الجماعي من قبل الدول والشركات للسندات الأمريكية، لا يمكن اعتباره ظاهرة طبيعية، بل هو إنذار اقتصادي واضح، يعكس تحولًا في موازين القوى المالية العالمية.
وأشار إلى أن الحل قد يكمن في تهدئة التوترات التجارية والتراجع التدريجي عن السياسات الحمائية، خاصة إذا رغبت الإدارة الأمريكية في الحفاظ على مكانة الدولار كعملة عالمية قوية ومهيمنة.
قد يهمّك أيضًا: انخفاض مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي يثير مخاوف اقتصادية جديدة
هل نحن أمام سيناريو انعدام قيمة الدولار؟
من جانبها ترى الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس أن السياسات الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تلقي بآثار سلبية كبيرة على الدولار الأمريكي، وربما تؤدي إلى تدهور قيمته إلى مستويات شديدة الانخفاض قد تصل لدرجة انعدام القيمة. وخلال حديثها تناولت رمسيس عددًا من السيناريوهات المحتملة وتداعياتها، فكانت كما يأتي:
أولًا: تأثير الحرب التجارية المحتملة مع الصين
في حال قررت الصين المضي قدمًا في اتخاذ خطوات تصعيدية ضمن إطار الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، فإن من أبرز هذه الإجراءات المحتملة أن تقوم ببيع حيازاتها من أذونات الخزانة الأمريكية، والتي تقدر بتريليونات الدولارات، وهذا الفعل وحده كفيل بإحداث اضطراب كبير في الأسواق المالية الأمريكية والتأثير بشدة على قيمة الدولار.
وأضافت أن الصين قد تتجه إلى التعامل التجاري باستخدام عملات محلية أو عملات بديلة عن الدولار، سواء في الصادرات أو الواردات، وفي حال حدث ذلك على نطاق واسع سيفقد الدولار دوره كعملة تداول تجاري دولي، ما يضعف من قيمته بشكل مباشر.
ثانيًا: امتداد التأثير إلى دول أخرى
في حال استمرت الولايات المتحدة على نفس النهج الاقتصادي الحالي، فمن المتوقع –بحسب رمسيس– أن تحذو حذو الصين دول أخرى تربطها علاقات متوترة بالولايات المتحدة، مثل إيران وفيتنام وسنغافورة؛ حيث قد تتخذ قرارات مشابهة بسحب استثماراتها من السوق الأمريكية واللجوء إلى أسواق بديلة، واستخدام العملات المحلية أو عملات مشتركة في معاملاتها التجارية.
ثالثًا: موقف ترامب من عملة “بريكس”
أشارت رمسيس إلى أنَّ دونالد ترامب، منذ تسلمه السلطة، عبّر عن قلقه من فكرة قيام تكتل البريكس بإصدار عملة موحدة، وقال إنه سيفرض عقوبات اقتصادية على أي دولة تتعامل بهذه العملة، في محاولة واضحة منه لحماية الدولار من خطر الانهيار أو الإضعاف على الساحة الدولية.
اقرأ أيضًا: البرازيل تلغي فكرة العملة المشتركة لمجموعة “بريكس” البديلة للدولار
رابعًا: دور الفيدرالي الأمريكي في الدفاع عن الدولار
رغم أن البنك الفيدرالي الأمريكي نجح في السيطرة على التضخم، إلا أنه لم يُبادر إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما كان متوقعًا في مثل هذا الظرف، بل على العكس، بدأت تظهر شكوك حول إمكانية خفض الفائدة في المستقبل القريب. ويُفهم من هذا النهج أن الفيدرالي يتبع سياسة حذرة تهدف إلى الحفاظ على قوة الدولار وتجنّب أي تراجع محتمل في قيمته.
خامسًا: التأثير الأكبر في العلاقات التجارية العالمية
التأثير الأهم في العلاقات التجارية بين أمريكا والعالم يأتي من الدول الكبرى مثل الصين وروسيا، فرغم عدم وجود علاقات اقتصادية واضحة بين روسيا والولايات المتحدة إلا أن هناك تبادلًا في بعض السلع مثل الألماس والمعادن النفيسة، لكن بعد الحرب الروسية الأوكرانية وفرض الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن حصارًا اقتصاديًا على روسيا، قلّ حجم التبادل التجاري بينهما.
سادسًا: مخاوف من حرب اقتصادية كبرى
كل هذه التوترات العالمية قد تؤدي إلى حرب اقتصادية واسعة النطاق، ما قد يؤثر على قطاعات رئيسية مثل القطاع التكنولوجي في البورصة الأمريكية، عندها قد تنهار البورصة الأمريكية، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على قوة الدولار.
سابعًا: العملات المشفرة ودورها المحتمل
ترى رمسيس أن ترامب يهتم في الوقت الحالي بدعم وتقوية العملات المشفرة، لكنه يدرك أيضًا أن قيمة هذه العملات مرتبطة باستقرار الاقتصاد الأمريكي؛ فبالرغم من أن العملات المشفرة غير خاضعة لأي رقابة فدرالية أو مركزية، إلا أن قوتها تستمد من الدول التي تمتلك مخزونًا كبيرًا منها.
وفي حال انخفضت قيمة الدولار، فإن أول إجراء متوقع أن تلجأ له الولايات المتحدة هو تسييل مراكزها في العملات المشفرة، أي بيع ما تملكه من تلك العملات، خصوصًا البيتكوين، وهذا بدوره قد يؤدي إلى هبوط حاد في أسعار العملات المشفرة عالميًا، نظرًا لأن أمريكا تعتبر الدولة رقم واحد من حيث امتلاك العملات الرقمية.
موضوع ذو صلة: هل انتهى عصر ازدهار العملات المشفرة في عهد ترامب؟
ثامنًا: الوضع في مصر بالنسبة للدولار
توضح رمسيس أن الدولار عالميًا يختلف تمامًا عن وضعه في مصر، فاحتياجات مصر من الدولار ترتبط بشكل أساسي بـ:
- التزامات تجاه شركات النفط.
- التزامات مع شركات التنقيب عن الغاز.
- الحاجة إلى استيراد السلع الأساسية من الخارج.
هذه العوامل تخلق فجوة كبيرة بين الإيرادات والمصروفات بالدولار، مما يؤدي إلى عدم استقرار في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري، لهذا اضطرت الحكومة المصرية إلى تحريك سعر الصرف أكثر من مرة في السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من ذلك، فإن مصر لا تُعد لاعبًا مؤثرًا بشكل كبير في قوة الدولار عالميًا، نظرًا لأن حجم التبادل التجاري بينها وبين الولايات المتحدة لا يُشكل نسبة مؤثرة في حركة العملة الأمريكية.
رغم أن الدولار لا يزال يحظى بثقل عالمي كبير، فإن المؤشرات المتتالية تنذر بتغيرات جوهرية في النظام المالي العالمي. قد لا تكون نهاية الدولار قريبة، لكنها قد بدأت بالفعل!
اقرأ أيضًا: الدولار في مصر يتخطى الـ51 جنيهًا.. هل الجنيه أمام موجة تراجع جديدة؟