لم تعد أسعار السلع الزراعية محكومة بقوانين العرض والطلب التقليدية فحسب، بل باتت رهينة لأنماط مناخية متطرفة تقودها “ظاهرة النينيو”؛ فمن قفزات تاريخية في عقود الكاكاو وعصير البرتقال إلى اضطرابات حادة في إمدادات القهوة والسكر، تسببت التغيرات الحرارية في المحيط الهادئ في موجة تضخم عالمية غير مسبوقة.
ما هي ظاهرة النينيو؟
تُعرَّف ظاهرة النينيو بأنها نمط مناخي طبيعي يحدث عندما ترتفع درجات حرارة مياه شرق المحيط الهادئ بنحو 0.5 درجة مئوية فوق المتوسط طويل الأجل، ما يؤدي إلى تغيرات واسعة في أنماط الطقس العالمية، تشمل زيادة العواصف في بعض المناطق وزيادة الجفاف في مناطق أخرى.
ويُتوقع أن يبلغ تأثير هذه الظاهرة ذروته خلال ديسمبر الجاري، إلا أن التداعيات عادةً ما تحتاج إلى فترة زمنية تمتد حتى تنتشر عالميًا وتنعكس على الإنتاج الزراعي والأسواق.
قفزات تاريخية في أسعار الكاكاو وعصير البرتقال
وفقًا للبيانات، ارتفعت أسعار العقود الآجلة لعصير البرتقال بنحو 80% خلال العام الحالي لتسجل مستويات قياسية في نهاية نوفمبر، بعدما تعرضت محاصيل الحمضيات في ولاية فلوريدا لأضرار كبيرة نتيجة الأعاصير والأمراض الزراعية.
وفي الاتجاه نفسه، قفزت أسعار الكاكاو بنحو 64% لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ 46 عامًا متأثرة باضطراب الإمدادات في دول غرب إفريقيا بسبب الأمطار الغزيرة وعوامل أخرى، فيما ارتفع السكر بنحو 13% على مدى العام.
تقرير رابوبنك
في تقريره لأداء الأسواق لعام 2024، أشار بنك “رابوبنك” الهولندي إلى أن الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو في مناطق واسعة من جنوب شرق آسيا والهند وأستراليا وأجزاء من إفريقيا ساهم في دعم ارتفاع أسعار سلع رئيسية مثل السكر والقهوة والكاكاو هذا العام.
ورغم توقع البنك تراجع التضخم العالمي في أسعار الغذاء بشكل ملموس بعد عدة سنوات من الارتفاعات الحادة، فإنه حذر من أن العديد من المحاصيل قد تتعرض لضغوط إضافية في بداية العام المقبل مع استمرار تأثير الظاهرة المناخية.
اقرأ أيضًا: الصين والهند في صدارة مصدري الغذاء عالميًا
النينيو “عاشقة للحلويات”
يقول كارلوس ميرا، رئيس أبحاث السلع الزراعية لدى رابوبنك، إن ظاهرة النينيو “تُفضّل الحلويات” لأنها تقلص المعروض العالمي من السكر.
وأضاف أن هناك علاقة واضحة بين النينيو وارتفاع أسعار السكر، إذ تميل هذه الظاهرة إلى جعل الظروف المناخية في الدول الرئيسية المصدرة للسكر -مثل تايلاند والهند وأستراليا- أكثر جفافًا من المعتاد، ما يؤثر مباشرة في المحاصيل وجودة الإمدادات.
مع اقتراب تأثير ظاهرة النينيو من ذروته، يبدو أن المستهلك العالمي سيظل تحت رحمة درجات حرارة المحيط الهادئ التي لا تكتفي برفع حرارة الأرض، بل ترفع أيضاً فواتير الغذاء، وبينما تأمل الأسواق في تراجع حدة التضخم فإن واقع المحاصيل في تايلاند والهند يرسل إشارات تحذيرية بأن أزمة الإمدادات قد تمتد لفصول قادمة، مما يجعل “التحوط المناخي” ضرورة لا غنى عنها للمستثمرين والدول على حد سواء.
اقرأ أيضًا: كبرى الدول المنتجة للغذاء تتمرد على قواعد إزالة الغابات