أزمة مونتي دي باشي تتفاقم.. تحقيقات تهدد إعادة الخصخصة

تطلّ إيطاليا من جديد على واحدة من أكثر أزماتها المالية حساسية منذ سنوات، مع اتساع التحقيقات القضائية التي تضرب بنك “مونتي دي باشي دي سيينا”، أقدم بنك عامل في العالم، والبنك الذي لا يزال اسمه مرتبطا بتاريخ يمتد سبعة قرون وبسلسلة طويلة من عمليات الإنقاذ والتعثر والفضائح، ولكن العاصفة الحالية تبدو مختلفة، فهي تمس جذور عملية الخصخصة التي راهنت عليها روما لتصفية إرث الإنقاذ الحكومي، وتضع وزارة الخزانة الإيطالية نفسها في قلب دائرة الضوء، بعدما اضطرت للدفاع علنًا عن إجراءاتها أمام الرأي العام والهيئات الرقابية والأسواق.

أعلنت وزارة الاقتصاد أنها “تصرفت وفق القواعد والممارسات المتبعة”، خلال عمليات طرح حصص من أسهم البنك لصالح مستثمرين رئيسين يخضعان الآن لتحقيق رسمي في ميلانو. هذا البيان الحكومي، غير الاعتيادي في لغته وحدته، يعكس حجم القلق داخل المؤسسات الإيطالية من تداعيات الملف، خاصة وأنه يمس جوهر مسار إعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي الإيطالي بعد عقد من الأزمات.

الجذور الأولى للأزمة

يعود أصل الأزمة إلى عام 2017، حين اضطرت الحكومة الإيطالية إلى ضخ أموال عامة لإنقاذ “مونتي دي باشي” بعد سنوات من الخسائر والديون المتراكمة وصفقات المشتقات عالية المخاطر، وامتلكت الدولة إثر ذلك 68% من البنك، مع تعهد واضح أمام المفوضية الأوروبية بخفض هذه الحصة تدريجيًا وعودة البنك إلى القطاع الخاص.

وفي نوفمبر 2023، بدأت روما المرحلة الأولى من عملية إعادة الخصخصة، عبر بيع حصص في السوق استقبلتها صناديق استثمار دولية بحماسة نسبية، لكن الثقل الحقيقي جاء في الطرح الأخير خلال نوفمبر 2024، الذي جذب مستثمرين إيطاليين نافذين، بينهم رجل الأعمال فرانشيسكو غايتانو كالتاجيروني وشركة دِلفين المملوكة لعائلة ديل فيكيو، إلى جانب لاعبين مؤسسيين مثل Banco BPM وAnima.

هذا التطور كان يفترض أن يعيد لمونتي دي باشي “قاعدة مساهمين مستقرة”، ويساعده على بناء رأس مال جديد بعد سنوات من المعاناة، ولكن فجأة تحول هذا الإنجاز المعلن إلى مصدر أزمة وطنية.

هل حدث تنسيق غير معلن بين المستثمرين والبنك؟

بحسب مصادر قضائية تحدثت إلى وكالة رويترز، فإن مدعي ميلانو فتحوا تحقيقًا رسميًا يشمل ثلاثة أطراف رئيسية: بنك مونتي دي باشي نفسه، والرئيس التنفيذي للبنك، واثنين من أكبر مساهميه الجدد (كالتاجيروني وشركة دِلفين)، وكان محور التحقيق يدور حول شبهة التنسيق بين البنك والمستثمرين قبل عملية الطرح، وما إذا كانت الأطراف قد تعاونت بطريقة لم يتم الكشف عنها للأسواق أو للجهات الرقابية، وهذا النوع من التنسيق -لو ثبت- قد يشكل انتهاكًا مباشرًا لقواعد الشفافية، ويعرض الأطراف لعقوبات مالية وجنائية.

المستثمرون المعنيون والبنك نفوا بشكل قاطع وجود أي مخالفات، وأكدوا ثقتهم بأن المسار القضائي سينتهي إلى تبرئتهم، ولكن التحقيق بحد ذاته كافٍ لخلق موجات ارتداد داخل النظام المالي الإيطالي، خاصة وأن البنك سبق أن تعرض لعقود من الأزمات والاشتباهات.

وقد تعمقت الأزمة بعد ظهور مستند قضائي اطّلعت عليه رويترز، يفيد بأن المستثمرين (كالتاجيروني ودِلفين) أبلغا هيئة الأسواق المالية الإيطالية “Consob” بأن وزارة الخزانة تواصلت معهما مسبقًا قبل الطرح الأخير، بهدف تشكيل كتلة مساهمين محليين “مستقرة” داخل البنك، ولكن الخزانة الإيطالية أكدت لهيئة الأسواق أنه لم تكن هناك أي اتصالات مسبقة مع المستثمرين المشاركين في الطرح.

مسار هبوط ملكية الدولة يثير أسئلة جديدة

بحلول نهاية 2024 وبعد سلسلة الطروحات المتتالية تراجعت ملكية الدولة الإيطالية في البنك إلى أقل من 12%، ثم تضاءلت النسبة إلى أقل من 5% عقب صفقة استحواذه المثيرة للجدل على بنك ميديوبانكا.

هذا التحول السريع في هيكل الملكية أثار تساؤلات إضافية: هل استعجلت الخزانة في بيع حصصها؟ وهل حصل المستثمرون الرئيسيون على نفوذ أكبر مما خطط له؟ وهل سيمثل ذلك نقطة ضعف جديدة في حوكمة البنك؟ كل هذه الأسئلة أصبحت محورية في النقاشات الاقتصادية والسياسية داخل روما.

تعقد الملف القضائي وبحث عن خيط التنسيق الخفي

تتزايد حساسية التحقيقات المرتبطة ببنك “مونتي دي باشي” مع دخولها مرحلة جمع الأدلة التقنية، إذ يركز مدعو ميلانو على سؤال محوري: هل حصل تنسيق غير معلن بين البنك وكبار المستثمرين أثناء عمليات إعادة الخصخصة؟ هذا السؤال يدفع سلطات التحقيق إلى تمشيط الرسائل الإلكترونية، ومحاضر الاجتماعات، والاتصالات الداخلية، وتقارير هيئة الأسواق المالية الإيطالية (Consob) وهيئة المنافسة، بحثًا عن أي نمط عمل يشير إلى ترتيب مسبق، لا مجرد صدفة في تحركات المستثمرين.

ويقول أحد المدّعين، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الإيطالية، إن الهدف ليس العثور على دليل واحد قاطع، بل فهم سلسلة السلوكيات التي قد تكشف عن خطة محكمة لإعادة تشكيل هيكل الملكية بعيدًا عن أعين السوق، وهذا ما يجعل الملف أكثر خطورة، لأنه يطعن مباشرة في شفافية الحوكمة وفي مصداقية الدولة الإيطالية خلال إدارة عملية الخصخصة.

لماذا يعد التنسيق المسبق خطأً في القانون الأوروبي؟

أي اتفاق غير معلن بين مستثمرين كبار داخل شركة مدرجة يصنف في القانون المالي الأوروبي كخلل هيكلي قد يوجه حركة السهم بشكل غير عادل، ويضعف موقع المستثمرين الآخرين، ويؤثر في تقييم الكيان المصرفي، بل ويغير موازين السيطرة دون علم السوق.

وفي حالة “مونتي دي باشي”، تتضاعف حساسية الملف لأن الدولة كانت طرفًا رئيسًا في إدارة إعادة الخصخصة، ولأن البنك خرج حديثًا من عملية إنقاذ حكومية ضخمة، ولأن القطاع المصرفي الإيطالي يعيش أصلًا في ظل تاريخ ثقيل من أزمات الثقة، لذلك فإنَّ أي شبهة تنسيق -حتى لو لم تُثبت بعد- تحمل إمكانية إحداث سلسلة ارتدادات تمتد داخل النظام المالي الإيطالي وربما الأوروبي.

اقرأ أيضًا: من المسؤول عن خسارة أوروبا؟ عقود من الأخطاء لا ترامب

توتر يتصاعد وقلق يلامس البنوك النظامية

بمجرد تسريب تفاصيل التحقيق، ظهرت اضطرابات واضحة في الأسهم البنكية الإيطالية، رغم عدم صدور نتائج رسمية، والحساسية العالية للأسواق الإيطالية تجاه قضايا الحوكمة تجعل مجرد ذكر اسم “MPS” في سياق قضائي كافيًا لرفع درجة القلق.

ويقول خبير مصرفي في ميلانو إن “الذاكرة السوقية لا تنسى بسهولة واسم مونتي دي باشي يرتبط تلقائيًا بسنوات من الفضائح والأزمات”. وفي الخلفية، يراقب البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية هذه التطورات من كثب، لأن أي ارتباك جديد في البنك قد يؤثر في قدرة القطاع على الحفاظ على جودة رأس المال، وتنفيذ اندماجات مستقبلية، وضبط الاستقرار المالي في ثالث أكبر سوق مصرفي في أوروبا.

الخزانة الإيطالية في مأزق

رغم التأكيد الرسمي المتكرر بأن وزارة الخزانة التزمت بشكل صارم بالقواعد التنظيمية خلال عملية طرح الأسهم، تجد الوزارة نفسها اليوم محاصرة بين ضغط قانوني من جهة، وضغط الأسواق والبرلمان من جهة أخرى، فهي مطالبة بإثبات أن عملية الخصخصة تمت بالسوق المفتوحة دون أي اتصالات مسبقة، في حين أن الوثائق المتداولة في التحقيق تشير إلى ادعاءات معاكسة من جانب بعض المستثمرين.

وتستعد الوزارة -بحسب مصادر حكومية- لإرسال ملفات مفصلة إلى “Consob” وإلى النيابة العامة لدحض رواية الاتصالات المسبقة، غير أن تعزيز الأدلة -مهما كانت قوية- لن يلغي الضرر الذي حدث بالفعل على مستوى الثقة، في سوق شديدة الحساسية لأي إشارة إلى خلل في الشفافية.

غير أنّ إدراج أسماء بحجم كالتاجيروني وشركة دلفين ضمن نطاق التحقيق لا يخص بنكًا واحدًا، بل يفتح بابًا واسعا للتساؤل حول النفوذ الاقتصادي والاستثماري في إيطاليا، فكلا الطرفين يمتلكان حضورًا واسعًا في الإعلام والصناعة والعقار، إضافة إلى تمثيل قوي في مجالس إدارات شركات كبرى، وبالتالي فإن التحقيق يفحص طبيعة حصصهما داخل البنك، وشبكة تأثيرهما المتداخلة التي قد تمنح أي تحالف غير معلن قوة إضافية داخل أهم المؤسسات المالية الإيطالية. وفي هذا الصدد، يقول محلل مالي في روما: “إذا ثبت وجود تنسيق، فالأمر سيتجاوز بنك مونتي دي باشي ليطال بنية السلطة المالية في إيطاليا بأكملها”.

ميديوبانكا.. العقدة المركزية في تفجر الأزمة

التحقيقات الحالية لا يمكن فهمها بمعزل عن صفقة الاستحواذ على “ميديوبانكا”، التي مثلت نقطة التحول الأساسية، فالصفقة أعادت رسم خريطة النفوذ داخل القطاع البنكي، ودفعت السلطات الرقابية إلى مراقبة التكتلات غير الرسمية التي يمكن أن تنشأ بصورة غير معلنة، والمدعون يبحثون الآن في ما إذا كانت مراحل شراء الحصص، وتعيين مساهمين جدد، واندماجات لاحقة قد جاءت ضمن خطة أكبر لمنح أطراف محددة قدرة على التأثير داخل القطاع عبر مدخل مونتي دي باشي، وفي حال تأكيد هذا السيناريو فإن تأثيره لن يقتصر على البنكين المعنيين، بل سيطال البنية الكاملة للحوكمة المصرفية في البلاد.

هبوط ملكية الدولة.. خطوة صحيحة أم استعجال مكلف؟

الهبوط السريع لملكية الدولة في البنك إلى أقل من 5% أثار جدلًا واسعًا بين الاقتصاديين الإيطاليين، فمن جهة، ينظر إلى تخارج الدولة كجزء من التزامها الأوروبي بتقليص دعمها المباشر للبنك، لكن من جهة أخرى يرى خبراء أن خروج الدولة في لحظة لم يعد فيها السوق إلى استقرار مؤسسي كامل قد يكون قد فتح الباب أمام تغييرات سريعة في توازنات الملكية، دون منح السوق وقتًا كافيًا لاستيعاب اللاعبين الجدد، ويشير اقتصاديون إلى أن الحكومة ربما كانت تبحث عن إنجاز مالي وسياسي سريع، دون حساب كامل لحساسية التوقيت والظروف السوقية.

تصعيد سياسي.. والمعارضة تستثمر التحقيق كورقة ضغط

لم يكن من المفاجئ أن تتحول القضية سريعًا إلى ملف سياسي ساخن داخل البرلمان الإيطالي، حيث بدأت المعارضة تطالب بجلسات استجواب عاجلة، وفتح تحقيق برلماني موازٍ، ونشر جميع المستندات المتعلقة باتصالات الخزانة مع المستثمرين قبل الطرح؛ حيث ترى المعارضة في التحقيق فرصة لانتقاد الحكومة، والتشكيك في إدارتها لملف خصخصة يعد من أهم الملفات المالية في إيطاليا خلال العقد الأخير، وفي المقابل تسعى الحكومة إلى تجنب تمدد الملف سياسيًا، لأن ذلك سيحول أزمة خاصة بالبنك إلى اختبار شامل لأداء وزارة الاقتصاد بأكملها، وربما لثقة البرلمان بالحكومة نفسها.

القطاع المصرفي الإيطالي يدخل “منطقة الانكشاف”

مع توسع التحقيقات القضائية، تحول القلق من نطاق ضيق يخص بنك مونتي دي باشي إلى موجة تمتد داخل القطاع المصرفي الإيطالي بأكمله، فالنظام المالي الإيطالي قائم على شبكة مترابطة من البنوك الإقليمية، وأي خلل يصيب أحد البنوك النظامية يشبه سقوط حجر ضخم في بحيرة راكدة، إذ يرسل موجات اضطراب في كل اتجاه.

وتشير تقارير اتحاد البنوك الإيطالية ABI إلى أن عدة بنوك متوسطة طلبت إيضاحات رسمية من وزارة الخزانة وبنك إيطاليا المركزي بشأن آلية خصخصة MPS، وما إذا كانت قد استوفت قواعد موحدة، وما إذا كانت الحكومة قد لعبت دورًا في تنسيق غير معلن مع مستثمرين كبار، وتعكس هذه التساؤلات حقيقة واحدة، وهي أن الثقة تعرضت لجرح عميق، ولن يلتئم ما لم تقدم الحكومة رواية واضحة تغلق الملف بشكل حاسم.

رقابة أوروبية قلقة

في بروكسل، يتعامل مسؤولو المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي مع القضية باعتبارها حدثًا ذا حساسية فائقة، لأنها تمس صميم معايير الحوكمة التي سعى الاتحاد إلى تعزيزها منذ أزمة الديون السيادية، وتخشى المؤسسات الأوروبية من أن يتحول الملف إلى سابقة مزعجة: دولة كبرى في منطقة اليورو تخصخص بنكًا متعثرًا، ثم تظهر مؤشرات على احتمال تنسيق بين مستثمرين كبار، بينما تختلف الروايات الرسمية حول الاتصالات المسبقة.

ويصف خبير الحوكمة الأوروبي بيير لامبيتي هذا المشهد بأنه “سؤال وجودي” للاتحاد: كيف يمكن إقناع الدول الأخرى بالالتزام بمعايير الشفافية إذا لم تستطع إيطاليا -ثالث أكبر اقتصاد في اليورو- حماية قواعد الإفصاح في أهم صفقة مصرفية لديها؟

مستقبل الاندماجات البنكية في مهب الريح

كان بنك مونتي دي باشي ينظر إليه كمرشح محتمل لعمليات اندماج كبرى قد تشمل Banco BPM أو UniCredit أو حتى اندماج ثلاثي يعيد رسم خريطة القطاع المصرفي الإيطالي، ولكن هذا المستقبل أصبح اليوم مهددًا، إذ باتت البنوك التي تدرس الاندماج أو الاستحواذ مضطرة إلى تقييم المخاطر القانونية والتنظيمية التي قد تجمد أي صفقة في لحظة، ويقول مسؤول مصرفي كبير: “ملف الاندماجات تجمد بالكامل ولا أحد يريد الاقتراب من بنك يخضع لتحقيق مفتوح”.

ومنذ إنقاذ MPS عام 2017، حاول البنك إعادة بناء سمعته التي شوهتها صفقات مشتقات مالية معقدة، وخسائر بمليارات اليورو، واتهامات بإخلال قواعد الإفصاح، فضلًا عن إدارة مضطربة تعاقبت عليها الأزمات، وقد شكلت عملية الخصخصة في 2023 – 2024 محاولة لإغلاق صفحة الماضي، لكن التحقيق الجديد أعاد فتح دفاتر الأشباح التي حاول البنك طيها، ويعبر خبير مصرفي عن ذلك بقوله: “مونتي دي باشي يحتاج عقدًا من الهدوء ليستعيد الثقة ولكنه يحصل دائما على مزيد من العواصف”.

ورغم أنّ مدعو ميلانو يتسمون بالصرامة في ملفات الحوكمة إلا أنّهم يدركون حساسية القطاع المصرفي، لهذا فإنّ التحقيق يسير بوتيرة محسوبة لتجنب هز الأسواق أو التأثير على خطط التمويل الحكومية. وتقول خبيرة القانون المالي لوتشيا دارمون إن “المدّعين يتحركون بثبات، وإذا ثبت وجود أي اتفاق مسبق بين المستثمرين فإن القضية ستتمدد لتشمل ملفات تداول وإفصاح لا تقل خطورة”، وفي هذه الحالة لن يتأثر البنك وحده، بل البيئة التنظيمية بأكملها.

قد يهمّك أيضًا: صعود دول جنوب أوروبا على ألمانيا وفرنسا في تحول اقتصادي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة