بعد مرور عام على حرب غزة، يبدو أن الصراع لم ينتهِ بعد، وحتى إن توقفت العمليات العسكرية، فإن إزالة آثارها الاقتصادية على كل من قطاع غزة والاقتصاد الإسرائيلي ستستغرق سنوات طويلة، فقد أصبح القطاع غارقًا في أطنان من الأنقاض المتراكمة، بينما يواصل الاقتصاد الإسرائيلي انهياره، خاصة بعد أن تخلَّت وكالات التصنيف الائتماني عنه.
الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر من العام الماضي دمرت غزة، وقد قدر المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع الخسائر المالية الأولية المباشرة بنحو 33 مليار دولار، بينما قدرت الأمم المتحدة حجم الركام بأكثر من 42 مليون طن، بما في ذلك المباني المدمرة والمتضررة بشكل كبير، هذه الكمية تعادل 14 ضعف الأنقاض التي تراكمت في غزة بين عام 2008 وبداية الحرب قبل عام، وأكثر من خمسة أمثال الكمية التي خلفتها معركة الموصل في العراق بين عامي 2016 و2017.
عام على حرب غزة
كشف ثلاثة مسؤولين في الأمم المتحدة عن أن المنظمة الدولية تحاول تقديم المساعدة في الوقت الذي تجري فيه سلطات القطاع دراسات حول كيفية التعامل مع الأنقاض المتراكمة، كما تخطط مجموعة عمل تقودها الأمم المتحدة لبدء مشروع تجريبي بالتعاون مع السلطات الفلسطينية في خان يونس ومدينة دير البلح في وسط القطاع، بهدف إزالة الحطام من جوانب الطرق خلال هذا الشهر.
تتراكم الأنقاض في غزة على الأرض فوق مستوى المشاة، ووفقًا لبيانات الأقمار الصناعية للأمم المتحدة فإن ثلثي مباني غزة التي بُنيت قبل الحرب، أي ما يزيد على 163 ألف مبنى، تضررت أو سُويت بالأرض، ونحو ثلث هذه المباني كانت من البنايات متعددة الطوابق.
وقد أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عملية إزالة الأنقاض ستستغرق 14 عامًا، وهو ما يبرز حجم التحدي الذي تواجهه غزة في إعادة الإعمار والتخلص من آثار الحرب المدمرة.
ومن جانبه، يوضح الدكتور مازن إرشيد الباحث في الشأن الاقتصادي أن الحرب على غزة تسببت في خسائر اقتصادية كبيرة لإسرائيل، حيث تضررت البنية التحتية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وزادت معدلات البطالة، بالإضافة إلى تراجع الاستثمارات وزيادة الإنفاق العسكري. كما أنّ الحكومة الإسرائيلية تواجه تحديات كبيرة متعلقة بإعادة بناء الاقتصاد وتعويض المتضررين، وهو ما يتطلب استراتيجيات فعالة وسياسات اقتصادية مناسبة للتعامل مع الخسائر وتخفيف آثارها على الاقتصاد والمجتمع.
أصعب المراحل منذ عقود
في هذا الصدد، أضاف الدكتور مازن إرشيد: “يبدو أن الاقتصاد الإسرائيلي يواجه واحدة من أصعب المراحل منذ عقود، في ظل استمرار الحرب على غزة وتصاعد التوترات الإقليمية، وهو ما ينذر بمزيد من الضغوط الاقتصادية في المستقبل القريب”.
كما أنّه لفت إلى أن المكتب المركزي للإحصاء ذكر في تقريره الأخير تراجع معدل نمو الاقتصاد الإسرائيلي خلال الربع الثاني من العام الجاري إلى 0.7% على أساس سنوي، مقارنة بالتقدير الأولي الذي أصدره في أغسطس عند 1.2%، كما شهد الربع الأول تعديلًا طفيفًا على نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 17.2% من 17.3%، مع بداية تعافي الاقتصاد من الانكماش الحاد الذي شهده الربع الأخير من عام 2023، حين اندلعت الحرب على غزة.
بالإضافة إلى ذلك قررت وزارة المالية الإسرائيلية تخفيض توقعاتها للنمو الاقتصادي للعام الحالي، لتؤكد بذلك على الضغوط المتزايدة التي فرضتها الحرب الدائرة منذ نحو عام، وحسب الأرقام المحدَّثة على موقع الوزارة، من المتوقع أن يرتفع الناتج المحلي بنسبة 1.1% فقط، نزولًا من 1.9%. كما تراجعت التوقعات لنمو عام 2025 من 4.6% إلى 4.4%.
أبطأ وتيرة نمو
وفي إطار الحديث عن وتيرة النمو الاقتصادي أوضح إرشيد: “بذلك ينتظر الاقتصاد الإسرائيلي أن يسجل هذا العام أبطأ وتيرة نمو منذ عام 2009، باستثناء عام 2020 الذي كان يشهد ذروة جائحة كورونا.
بالتزامن مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وافق الكنيست على زيادة إضافية في الميزانية للسنة المالية 2024 لتصل إلى 727.4 مليار شيكل (192 مليار دولار)، وتضمنت الزيادة مبلغًا إضافيًا بقيمة 3.4 مليارات شيكل (924 مليون دولار) للمساعدة في تمويل عمليات إجلاء المدنيين وتغطية نفقات جنود الاحتياط حتى نهاية العام.
فضلًا عن ذلك، ذكر إرشيد أن الاقتصاد الإسرائيلي قد شهد انكماشًا بنسبة 21% خلال الربع الأخير من العام الماضي -وهو الربع الذي بدأت فيه الحرب على غزة- مقارنة بالربع الذي سبقه، حسبما ورد عن المكتب المركزي للإحصاء. ومن جانبها، أوضحت وزارة المالية أن حجم الديون بلغ 160 مليار شيكل (43 مليار دولار) في عام 2023، منها 81 مليار شيكل (21.6 مليار دولار) تراكمت بعد اندلاع الحرب.
أما فيما يتعلق بعجز الميزانية، فقد أفادت وزارة المالية في أغسطس أن العجز بلغ 12.1 مليار شيكل (3.24 مليارات دولار)، كما ارتفعت نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 8.3% حتى أغسطس مقارنة بـ 8% في يوليو، مع بقاء الهدف السنوي لعام 2024 عند 6.6%. كما بلغ الإنفاق العسكري منذ بدء الحرب نحو 97 مليار شيكل (26 مليار دولار)، وهو ما يتوقع أن يُسهم في ارتفاع العجز خلال الربع الثالث من العام.
التصنيف الائتماني
على مستوى التصنيف الائتماني، خفضت وكالة موديز التصنيف الائتماني لإسرائيل درجتين بسبب تفاقم المخاطر الجيوسياسية الناجمة عن تصاعد الصراع مع حزب الله، وأبقت الوكالة على توقعاتها السلبية إثر مخاوف من اندلاع حرب طويلة الأمد. وأصدرت فيتش أيضًا قرارًا بخفض تصنيف إسرائيل في أغسطس، وأشارت إلى قلقها من تأثير تداعيات الحرب على غزة في الدين العام.
من ناحية أخرى، كان لقطاع السياحة ضربة قاسية، حيث تراجعت الإيرادات السياحية بأكثر من 5 مليارات دولار خلال فترة الحرب، حيث إنّ العديد من شركات الطيران العالمية أوقفت رحلاتها إلى إسرائيل، وفضّل السائحون وجهات سياحية أخرى أكثر استقرارًا، وبذلك فإنّ قطاع السياحة الذي يمثل جزءًا كبيرًا من الدخل القومي الإسرائيلي تأثر بشكل كبير، مما زاد من الضغط على الحكومة لتعويض هذا العجز من خلال تدابير اقتصادية أخرى.
من ناحية أخرى، ارتفع معدل التضخم في إسرائيل إلى 3.6% في أغسطس، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر الماضي. وسجل مؤشر أسعار المستهلك زيادة بنسبة 0.9% مقارنة بيوليو، مدفوعًا بارتفاع تكاليف المنتجات الطازجة والإسكان والنقل.
هروب رؤوس الأموال إلى الخارج
كما تواجه إسرائيل تحديات مالية إضافية تمثلت في هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، حيث تضاعفت تدفقات الأموال من البنوك الإسرائيلية إلى المؤسسات الأجنبية خلال الفترة من مايو إلى يوليو الماضيين، مع تزايد الشكوك حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على التعافي.
وعلى مستوى سوق العمل، رفضت السلطات الإسرائيلية منح تصاريح العمل لنحو 80 ألف عامل فلسطيني منذ أكتوبر 2023، مما أدى إلى تراجع صناعة البناء بنسبة 40% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وهو ما أثر بشكل كبير في بناء المساكن وإصلاحها.
علاوةً على ذلك، أدى الإنفاق العسكري المتزايد إلى تفاقم العجز في الموازنة العامة للدولة، حيث قُدِّر الإنفاق العسكري بأكثر من 42 مليارات دولار، مما دفع بالعجز إلى مستويات قياسية من الناتج المحلي الإجمالي، هذا العجز أجبر الحكومة على زيادة الضرائب وفرض تدابير تقشفية.
واستطرد إرشيد: “التأثير على القطاع العقاري كان واضحًا أيضًا، حيث شهدت أسعار العقارات تراجعًا بنسبة 30% في المناطق المتضررة من الصواريخ والهجمات المباشرة، حيث نتج هذا التراجع عن هجرة العديد من السكان من هذه المناطق بحثًا عن أمان أكبر، مما أدى إلى انخفاض الطلب وارتفاع عدد العقارات غير المباعة”.
اقرأ أيضا: غزة تتحول إلى 42 مليون طن من الركام.. ماذا يتطلب إعادة البناء؟
خسائر اقتصادية كبيرة لإسرائيل
من جهته، قال الدكتور هاني حافظ الخبير الاقتصادي إن “الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023 على قطاع غزة تسببت في خسائر اقتصادية كبيرة لإسرائيل؛ حيث تأثرت العديد من القطاعات الرئيسة نتيجة للصراع المستمر، وتراوحت خسائرها بين الأضرار المباشرة في البنية التحتية، وتوقف النشاط الاقتصادي، وتراجع الاستثمارات، وزيادة الإنفاق العسكري”.
إضافةً إلى ذلك، قام الدكتور هاني بتسليط الضوء على أكثر القطاعات الاقتصادية تضررًا في إسرائيل، فكانت كما يأتي:
الأضرار المباشرة في البنية التحتية
تعرضت إسرائيل لأضرار كبيرة في بنيتها التحتية نتيجةً للهجمات الصاروخية التي أُطلقت من قطاع غزة؛ حيث تأثرت المرافق العامة والمنازل والمباني التجارية، فضلًا عن الطرق وخطوط الكهرباء والمياه، وقد قدرت تكلفة هذه الأضرار بمليارات الدولارات، الأمر الذي استدعى تدخلًا سريعًا من الحكومة الإسرائيلية لإصلاح الأضرار واستعادة الخدمات الأساسية للمواطنين.
توقف النشاط الاقتصادي
أثرت الحرب بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي في إسرائيل، خاصةً في المناطق الجنوبية والقريبة من الحدود مع قطاع غزة؛ فقد توقفت العديد من الشركات والمصانع عن العمل لفترات طويلة، مما أدى إلى تراجع الإنتاج وتكبد خسائر اقتصادية كبيرة. كما تأثرت قطاعات مثل السياحة والتجارة؛ حيث تراجع عدد الزوار القادمين إلى إسرائيل، وزادت حدة تراجع النشاط التجاري بين إسرائيل والدول المجاورة.
تراجع الاستثمارات
مثّلت الحرب عاملًا رئيسًا في زيادة المخاوف لدى المستثمرين المحليين والدوليين، الأمر الذي أدى إلى تراجع حجم الاستثمارات في السوق الإسرائيلية، وبالتالي إلى إحداث تأثير سلبي في النمو الاقتصادي؛ حيث شهدت الأسواق المالية اضطرابًا وانخفاضًا ملموسًا في قيمة الأسهم، كما أن بعض المستثمرين فضلوا تحويل أموالهم إلى أسواق أكثر استقرارًا وأمانًا، ما أدى إلى تراجع التدفقات الاستثمارية الواردة.
زيادة الإنفاق العسكري
في ظل استمرار الحرب، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل كبير، وذلك لتغطية تكاليف العمليات العسكرية وتوفير الحماية للسكان المدنيين؛ حيث تشمل هذه التكاليف مخصصات تشغيل أنظمة الدفاع الجوي، وتحريك القوات، وتزويدها بالمعدات والموارد اللازمة. وقد بات الإنفاق العسكري المتزايد يُشَكِّل عبئًا كبيرًا على الميزانية العامة، إذ إنّ تمويل هذه العمليات يتم على حساب برامج التنمية والخدمات العامة.
تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي
تأثرت القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والصناعة، من الحرب على غزة بشكل ملموس، فقد أدت الهجمات الصاروخية إلى تدمير بعض المزارع والمناطق الزراعية، كما أدت إلى تراجع النشاط في المناطق الصناعية القريبة من الحدود بسبب توقف العمل وصعوبة الوصول إلى المواد الخام والموارد، مما أثّر سلبًا على الإنتاج المحلي وأدى إلى زيادة الاعتماد على الواردات.
تكاليف التعويض وإعادة الإعمار
تواجه الحكومة الإسرائيلية تحديات كبيرة في دفع تعويضات للأفراد والشركات التي تضررت من الحرب، وكذلك في إعادة إعمار المناطق المتضررة؛ حيث إن هذه العملية تتطلب نفقات عالية لإعادة البناء وترميم البنية التحتية، فضلًا عن تقديم الدعم المالي للشركات التي تعرضت لخسائر مادية، ما يضيف عبئًا ماليًا جديدًا إلى الاقتصاد الإسرائيلي.
التأثير على سوق العمل
تسببت الحرب في زيادة نسبة البطالة في عدد من المناطق، حيث توقفت بعض الشركات عن العمل، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتمّ تسريح العمال مؤقتًا أو بشكل دائم، مما أدى إلى فقدان العديد من فرص العمل وتراجع الدخل للأسر المتضررة، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.
وقد أوضح الدكتور أحمد شوقي الخبير الاقتصادي إن “قطاع غزة تعرض إلى خسائر فادحة جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023، مما أثّر على مختلف جوانب الحياة فيها، إذ لم تقتصر الخسائر على الأرواح والممتلكات فحسب، بل طالت الاقتصاد والبنية التحتية الأساسية، مهددةً سبل العيش اليومية لسكان القطاع.
البنية التحتية لقطاع غزة
فيما يخص البنية التحتية في قطاع غزة، قال الدكتور أحمد شوقي: “تعرضت البنية التحتية لقطاع غزة لضربات كبيرة؛ حيث استهدفت الغارات الإسرائيلية شبكات الكهرباء والمياه، مما أدى إلى انقطاع مستمر للكهرباء ومياه الشرب، كما تعرضت محطات معالجة الصرف الصحي للضرر، الأمر الذي نتج عنه تدهور الوضع البيئي وزيادة المخاطر الصحية. فضلًا عن ذلك، تضررت الطرق والجسور بشكل يُعيق الحركة ويزيد من صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
اقرأ أيضا: غزة.. معاناة تحت الركام
كما لفت شوقي إلى انهيار سبل العيش في قطاع غزة الذي يعاني أصلًا من الحصار المستمر منذ سنوات، ومع تعطل المصانع وورش العمل تعطل الإنتاج وفقد آلاف العمال وظائفهم، كما تم تدمير الأراضي الزراعية بشكل كبير، سواء بسبب الغارات أو نتيجة تجريف القوات الإسرائيلية للأراضي على طول الحدود، مما أثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي للقطاع.
واستطرد الخبير في بيان التقديرات التي تشير إلى أن الخسائر الاقتصادية في غزة تقدر بمليارات الدولارات، حيث دُمّرت الكثير من المنشآت التجارية، وأصبح من الصعب على السكان تأمين سبل عيشهم، وكل ذلك انعكس في ارتفاع معدلات البطالة والفقر، حيث يواجه أكثر من 80% من سكان غزة اليوم صعوبة في تأمين احتياجاتهم الأساسية.
بالإضافة إلى انهيار الخدمات الصحية التي تواجه نقصًا حادًا في الأدوية والمعدات الطبية، وذلك في ظل تزايد أعداد المصابين والجرحى، كما تعرضت العديد من المستشفيات والمراكز الصحية للقصف، مما أضعف قدرة القطاع الصحي على تقديم الرعاية اللازمة. من ناحية أخرى، تأثرت العملية التعليمية بشكل كبير، حيث تضررت المدارس وتوقف التعليم في العديد من المناطق، الأمر الذي بات يهدد مستقبل جيل كامل من الأطفال والشباب.
