مع تراجع أعداد العمال الروس وضغط الحرب على الاقتصاد، تتجه موسكو إلى استقدام عمال هنود لسد جزء من فجوة تتسع في سوق العمل.
برز هذا المشهد في أحد أحياء سانت بطرسبرغ عندما ظهر فريق من العمال الهنود بملابس برتقالية عاكسة للضوء، يعملون في تنظيف الشوارع وصيانة الطرق، كان المشهد غير مألوف في البداية، لكنه بدأ يتحول إلى صورة أكثر تكراراً داخل روسيا، بحسب صحيفة “تليغراف”.
موكيش ماندال، أحد العمال الهنود الجدد في شركة روسية لصيانة الطرق، قال لموقع إخباري محلي، إنه يبحث عن معابد هندوسية في سانت بطرسبرغ، لكنه لا يجد كثيراً منها، علمًا أنّه ينتمي ماندال إلى مجموعة تضم 17 مهاجراً هندياً بدأت العمل في حي بريمورسكي منذ الخريف الماضي.
هذه القصة الصغيرة تعكس تحولاً أوسع، فروسيا التي تواجه نقصاً حاداً في اليد العاملة مع استمرار الحرب في أوكرانيا بدأت تستقدم عمالاً من الهند بمستويات غير مسبوقة.
%56 زيادة في تصاريح العمل الروسية للهنود
يواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أزمة ديموغرافية كبيرة، زادت حدتها مع استمرار نزيف الرجال الروس في ساحات القتال، كما يعاني الاقتصاد الروسي نقصاً في العمالة قد يصل إلى 2.6 مليون عامل.
ومع دفع الكرملين مزيداً من القوات إلى جبهة الحرب، تتجه روسيا إلى مناطق أبعد بحثاً عن عمال لملء الوظائف الشاغرة، ومن هنا برزت الهند كمصدر متزايد للعمالة.
ارتفع عدد تصاريح العمل الروسية الصادرة للمواطنين الهنود في عام 2025 بنسبة 56% مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى 56,534 تصريحاً، وفق تحليل أجراه أليكسي زاخاروف، الزميل في مؤسسة “أوبزرفر ريسيرش فاونديشن”. يمثل هذا الرقم قفزة بأكثر من 10 مرات منذ بدء الحرب في أوكرانيا، ففي عام 2021 لم يتجاوز عدد التصاريح 5480 تصريحًا.
يقول راجان كومار، الخبير في الشؤون الروسية بجامعة جواهر لال نهرو في دلهي، إن الأرقام الفعلية خلال السنوات القليلة الماضية قد تكون أعلى بكثير، مشيراً إلى أن الهجرة من الهند إلى روسيا خلال عامي 2025 و2026 قد تكون بلغت 250 ألف شخص.
قد يهمّك أيضًا: روسيا تُمهِّد الطريق لعودة الشركات الغربية بعد إعادة ملكية “أريستون” الإيطالية
اتفاق جديد يفتح الباب أمام العمالة الهندية
من المتوقع أن يرتفع عدد الراغبين في الانتقال إلى روسيا بعد الاتفاق الذي وقعه بوتين في ديسمبر مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بشأن تنقل العمالة، والذي يتضمن حصة تقارب 72 ألف تأشيرة عمل للهنود في عام 2026، أي ما يناهز ثلث التأشيرات التي تعتزم روسيا إصدارها.
بالتوازي، ظهرت بسرعة منظومة موسعة من شركات التوظيف بين الهند وروسيا، ويقول زاخاروف إن هذه الشركات تنظم دورات في اللغة الروسية وتدريباً أولياً لبعض العمال قبل سفرهم.
تقول شركة “ساف غروب”، التي يتوزع مؤسسوها بين الهند وروسيا، إنها تتعامل مع أكثر من 150 عميلاً من الشركات الروسية، وإنها أرسلت 2550 عاملاً من الهند إلى روسيا في عام 2025 وحده.
كما أعلنت شركة “فيكتوريا إنترناشونال”، ومقرها مومباي، عن تقديم “مساعدة كاملة للعمل في روسيا”، مع وظائف في البناء والمصانع وتصنيع الأغذية، تشمل وجبات وراتباً جيداً.
وقال ألكسندر فيدياخين، النائب الأول للرئيس التنفيذي لـ”سبيربنك”، إن أكبر بنك روسي يساعد الشركات على جلب العمالة من الهند.
وفي هذا الإطار، سهّلت روسيا في الصيف الماضي على الشركات التوظيف من خارج آسيا الوسطى، من خلال تخفيف متطلبات اختبار المهارات اللغوية للعمال الجدد أولاً.
وتستقدم الشركات الروسية أساساً عمالاً غير مهرة من المناطق الريفية النائية في الهند، لشغل وظائف منخفضة الأجر في المصانع والنظافة والزراعة، حيث لا يملك هؤلاء العمال تعليماً أو موارد كبيرة، ولذلك فإن الانتقال بالنسبة إليهم يتعلق بالراتب قبل أي شيء آخر.
جاء توقيت روسيا مناسباً من هذه الزاوية، فالهند لديها فائض كبير من العمالة، وعادة ما تدفع لزيادة فرص انتقال عمالها إلى دول مختلفة.
الحرب تغيّر مسار الهجرة الهندية
تاريخياً، هاجر عدد كبير من الهنود للعمل في دول الخليج، حيث يبلغ عدد الجالية الهندية في الشرق الأوسط نحو 10 ملايين شخص، وهو رقم يوازي تقريباً إجمالي سكان إسرائيل، لكن الحرب في إيران قلبت هذا المسار، فبحلول أواخر أبريل عاد قرابة مليون عامل هندي جواً من الإمارات وحدها.
يقول أندريه ياكوفليف، الزميل البحثي الزائر في جامعة برلين الحرة، إن صناع القرار في الكرملين يحاولون محاكاة نهج الإمارات في الاعتماد على العمالة المهاجرة، وهو يرى أن الفكرة داخل الكرملين تقوم على استقدام عمال من دول ذات ثقافات مختلفة، ودون عائلاتهم، حتى لا يندمجوا في المجتمع الروسي.
حتى الآن، يقتصر التدفق من الهند على العمال المؤقتين، وعادة يوفر أصحاب العمل السكن والطعام لهؤلاء العمال، بينما تميل الشركات الروسية إلى توظيف فرق كاملة من العمال الهنود دفعة واحدة.
وتوظف الشركات عادة شخصاً يعرف اللغتين مقابل كل 25 هندياً لا يتحدثون الروسية، لينقل التعليمات من المدير الروسي إلى العمال بلغتهم، بحسب الصحيفة البريطانية.
اقرأ أيضًا: قمة تيانجين.. الصين تجمع الهند وروسيا وترامب يعترف
جذور أعمق للأزمة الديموغرافية
يمثل جذب العمال الجدد مسألة حاسمة لبوتين، فروسيا تواجه واحدة من أشد الأزمات الديموغرافية بين الدول الكبرى، نتيجة انخفاض معدل المواليد والأنماط السكانية التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي، بالإضافة إلى ارتفاع معدل الوفيات.
وفق حسابات سلافات أبيلكاليكوف، زميل “فيليب شوارتز” في جامعة ريغنسبورغ، شهدت روسيا بين عامي 1992 و2023 وفاة 16.8 مليون شخص أكثر من عدد المواليد، وخلال الفترة نفسها عوض صافي الهجرة، البالغ 12.3 مليون شخص، ما يقرب من ثلاثة أرباع الانخفاض الطبيعي في عدد السكان.
لكن هذا التدفق تراجع، فقد استُنفد تدفق الروس العرقيين الذين كانوا يعيشون في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، كما أدى تصاعد كراهية الأجانب، خاصة بعد هجوم لتنظيم “الدولة الإسلامية” في موسكو عام 2024، إلى إبطاء الهجرة من دول آسيا الوسطى التي تمثل معظم قوة العمل المهاجرة في روسيا.
وزادت حرب روسيا في أوكرانيا الضغوط على سوق العمل، فقد أدى الغزو إلى نزوح ما لا يقل عن 800 ألف مواطن روسي، إما لمعارضتهم الحرب أو لرغبتهم في تجنب التجنيد الإجباري. كما جرى تحويل كثير من العمال الذين بقوا داخل روسيا إلى مجهود الحرب، وقُتل أو أُصيب ما يصل إلى 1.5 مليون جندي روسي.
انخفض عدد سكان روسيا -باستثناء القرم- في عام 2024 إلى 143.7 مليون نسمة، وذلك يمثل تراجعًا قدره 1.3 مليون شخص مقارنة بعام 2021، كما أنه أدنى مستوى مسجل منذ عام 2013.
وبناء على تقديرات الأمم المتحدة، قد ينخفض عدد سكان روسيا إلى 126.4 مليون نسمة بحلول عام 2100، أي بتراجع يقارب 20 مليون شخص مقارنة بعام 2024.
وتظهر آثار تقلص قوة العمل بالفعل في الاقتصاد، فقد انخفض معدل البطالة في روسيا إلى النصف منذ بدء الحرب، ويبلغ الآن 2.2% فقط، وهو مستوى غير مسبوق تقريباً باستثناء القاع القياسي البالغ 2.1% في فبراير.
من ناحية أخرى، بلغ نقص العمالة مستوى دفع الحكومة الروسية إلى التخطيط لتخفيف القيود على توظيف المراهقين في وظائف صناعية عالية المخاطر، كما بدأت المدارس تستدعي مدرسين من التقاعد على نحو متزايد، كما أقر الكريملين في الربيع الحالي قانوناً ضاعف الحد المسموح به لساعات العمل الإضافية من 120 إلى 240 ساعة سنوياً.
حسابات سياسية وتجارية مع الهند
لدى بوتين أسباب أخرى تدفعه إلى التوجه نحو الهند، فبعد العقوبات الغربية أصبحت الهند ثاني أكبر مشترٍ لصادرات النفط الروسية بعد الصين؛ حيث تبلغ صادرات روسيا إلى الهند حالياً نحو 65 مليار دولار، بينما لا تشتري روسيا من الهند سوى سلع بنحو 5 مليارات دولار. هذا العجز التجاري الضخم يعني أن روسيا راكمت حجماً كبيراً من العملة الهندية، وهذه الكمية يمكن استخدامها لدفع أجور العمال القادمين من الهند.
ويوضح اتفاق تنقل العمالة، الذي وُقع خلال أول زيارة لبوتين إلى الهند منذ غزوه أوكرانيا، أن التنسيق بين البلدين جرى على أعلى مستوى، كما أن لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي دوافع جيوسياسية للحفاظ على علاقات جيدة مع بوتين، فالهند محاطة بباكستان والصين، وهناك شعور دائم بأن تراجع العلاقة مع روسيا قد يفتح الباب أمام تقارب روسي أكبر مع باكستان والصين.
ورغم زيادة تدفق العمال من الهند إلى روسيا، فإن هذه القناة لا تزال بعيدة عن سد الفجوة الكبيرة في سوق العمل الروسية، حيث إن نقص العمالة في روسيا يُقاس بالملايين، بينما لا تزال القناة الهندية تُقاس بعشرات الآلاف، وترتبط بحصص وتكاليف مرتفعة ومشكلات في الاحتفاظ بالعمال.
اقرأ أيضًا: مصادرة أسطول الظل تضرب شريان نفط روسيا