تعرض الاقتصاد الصيني لصفعة جديدة على صعيد القطاع العقاري، بعد أن أعلنت عملاقة التطوير “كانتري غاردن” وشركة تابعة لها تعليق التداول على 12 سندًا من سنداتها، وكشفت عن خسائر متوقعة تصل إلى نحو 7.5 مليار دولار خلال ستة أشهر.
الأزمة التي تواجه سادس أكبر مطور عقاري في الصين، والذي تتجاوز التزاماته 190 مليار دولار، تعيد إلى الأذهان أزمة إيفرغراند، وتسلط الضوء على المعاناة المستمرة للشركات العقارية في ثاني أكبر اقتصاد عالمي بسبب نقص السيولة وتراجع الطلب على العقارات.
أصداء إعلان الشركة عن احتمال التخلف عن سداد الديون والخسائر الضخمة انعكست سريعًا في بورصتي شانغهاي وهونغ كونغ، حيث تكبدت المؤشرات خسائر كبيرة نتيجة عمليات بيع واسعة على أسهم القطاع العقاري.
تأثير أزمة العقارات على الاقتصاد الصيني والعالمي
يمثل القطاع العقاري نحو 25% من حجم الاقتصاد الصيني، ما يجعل الاضطرابات التي يشهدها تهدد مستهدفات النمو التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها، ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن بكين بحاجة لبذل جهود كبيرة لإصلاح مشاكل القطاع العقاري.
وتأتي الصدمات المتلاحقة نتيجة تراجع الطلب بشكل حاد وارتفاع المعروض، مما فاقم أزمة السيولة لدى الشركات العقارية التي أصبحت غير قادرة على استكمال مشاريعها أو سداد ديونها في مواعيد الاستحقاق، علمًا أنّ هذه الديون تشكل نصف الديون المتعثرة المقومة بالدولار في العالم.
الأزمة لا تقتصر على الصين وحدها، فالقطاع العقاري الصيني يتجاوز حجمه أربعة تريليونات دولار، بينما يتخطى حجم سوق الإسكان 52 تريليون دولار، وقيمة ديون القطاع تتجاوز ثمانية تريليونات دولار. وتعد هذه الديون جزءًا من محافظ واسعة للبنوك والشركات العالمية، ما يجعل أي تعثر فيها له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الصيني، المحرك الأساسي للنمو العالمي، وعلى الأسواق والاقتصادات في مختلف أنحاء العالم.
كانتري جاردن تواجه التخلف عن سداد ديونها
فشلت شركة “كانتري جاردن” في سداد فوائد مستحقة يوم الإثنين الماضي، على سندين بالدولار، حيث بلغت المدفوعات المتأخرة 22.5 مليون دولار في السادس من أغسطس الجاري، 2023، ما أثار مخاوف جديدة بشأن وضع القطاع العقاري في الصين. وستدخل الشركة رسميًا في حالة تخلف عن السداد إذا لم تتمكن من دفع فوائد السندات خلال 30 يومًا من تاريخ الاستحقاق.
وفي خطوة متوقعة، خفضت وكالة “موديز” التصنيف الائتماني للشركة ثلاث درجات إلى “CCC1” من “B1”، بعد التخلف عن سداد مدفوعات سنداتها الدولارية، وبررت القرار بتراجع السيولة النقدية، وارتفاع مخاطر القدرة على السداد، وضعف المرونة المالية، بالإضافة إلى انخفاض قدرة الشركة على الحصول على تمويلات جديدة. وأبقت موديز على النظرة المستقبلية للشركة عند سلبية، ما يعكس استمرار عدم اليقين بشأن قدرتها على الوفاء بالتزامات الديون خلال الأشهر الـ6 إلى الـ12 المقبلة.
على صعيد الأداء التشغيلي، تراجعت المبيعات التعاقدية لشركة كانتري جاردن بنسبة 60% لتصل إلى 12 مليار يوان في يوليو الماضي، كما انخفضت بنسبة 30% لتصل إلى 128.8 مليار يوان خلال النصف الأول من العام الحالي 2023. وترافق ذلك مع هبوط حاد في سعر سهم الشركة في بورصة هونغ كونغ، الذي فقد نحو 65% من قيمته منذ بداية العام الجاري، واستمر في التراجع يوم الإثنين بخسائر تجاوزت 16%، كما هبطت السندات الدولارية المستحقة في يناير إلى 8.7 سنت الأسبوع الماضي مقابل 75 سنتًا في ديسمبر الماضي.
وأوضحت الشركة أنها تتوقع تسجيل صافي خسارة تتراوح بين 45 و55 مليار يوان (6.2 إلى 7.6 مليار دولار) خلال النصف الأول من العام، مقابل ربح 1.91 مليار يوان في نفس الفترة من العام الماضي. وأرجعت الخسائر المتوقعة إلى انخفاض هامش الربح للأعمال العقارية وتراجع قيمة المشروعات العقارية نتيجة هبوط المبيعات. كما ألقت كانتري جاردن باللوم في ضغوط السيولة الحالية على انخفاض المبيعات وبيئة إعادة التمويل الصعبة، ما أدى إلى تقلص الأموال المتاحة لديها بشكل مستمر.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن الشركة تخطط لإعادة هيكلة ديونها، حيث تم تعيين مستشار مالي متخصص لإدارة هذه العملية، في خطوة تهدف إلى تحسين قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية وتخفيف حدة الأزمة المالية.
اريخ وتطور أكبر مطور عقاري خاص في الصين
شركة “كانتري جاردن” الصينية للتطوير العقاري، التي يقع مقرها الرئيسي في مدينة فوشان بمقاطعة قوانغدونغ جنوب الصين، كانت تصنف لأعوام طويلة كأكبر مطور عقاري ضمن القطاع الخاص في الصين من حيث حجم المبيعات التعاقدية خلال الفترة بين 2017 و2022. ومع ذلك، شهدت الشركة هذا العام تراجعًا في ترتيبها إلى المرتبة السادسة بين شركات العقارات الصينية الكبرى، نتيجة هبوط المبيعات التعاقدية.
بلغت التزامات كانتري جاردن نحو 1.4 تريليون يوان (ما يعادل 199 مليار دولار) بنهاية العام الماضي، وتمتلك الشركة أكبر حجم سندات مصدرة بالدولار الأمريكي بين شركات العقارات الصينية الكبرى، باستثناء الكيانات المتعثرة عن السداد، حيث تصل قيمتها إلى 9.9 مليار دولار.
تركز الشركة على بناء مشاريع سكنية في مدن الطبقة الدنيا، والتي شهدت تأثيرًا أكبر من التباطؤ في سوق العقارات مقارنة بالمدن الكبرى من الدرجة الأولى مثل بكين وشنغهاي.
تترأس الشركة يانج هويان، التي شهدت ثروتها هبوطًا حادًا بنحو 29 مليار دولار منذ أعلى مستوى سجلته في يونيو 2021، لتصل حاليًا إلى 5.3 مليار دولار. وتجدر الإشارة إلى أن يانج تولت قيادة الشركة في عام 2005 بعد أن انتقلت من والدها، مؤسس الشركة في عام 1992، حيث بدأت مسيرتها كمساعدة شخصية له داخل المؤسسة.
اقرأ أيضًا: لغز تراجع الاستثمارات في الصين
استمرارية أزمات ديون شركات العقارات الصينية
تعكس مشكلة “كانتري جاردن” أحدث الأزمات التي يشهدها قطاع العقارات في الصين منذ نهاية عام 2021، حيث واجهت العديد من شركات العقارات الكبرى أزمات ديون ناجمة عن تراجع المبيعات وارتفاع الالتزامات المالية.
وكانت شركة “إيفرجراند” من أبرز الشركات التي تعثرت عن سداد ديونها، فيما واجهت شركة “سنترال تشاينا ريل إستيت” صعوبات متكررة قبل أن تتوقف في النهاية عن السداد. وعادت مخاوف العدوى في سوق العقارات الصيني الشهر الماضي، بعد أن حذرت أربع شركات كبرى من ضغوط على السيولة وسط تراجع مبيعات المنازل.
وقد شهد شهر يوليو الماضي أكبر تراجع في مبيعات المنازل خلال العام، ما حد من قدرة الشركات على الحصول على السيولة اللازمة لسداد التزاماتها، وظهرت المشكلات حتى بين المطورين المدعومين من الدولة، رغم سهولة وصولهم إلى التمويل الرخيص والدعم الحكومي. على سبيل المثال، سعت شركة “سينو أوشن جروب” إلى تمديد أجل سداد مدفوعات بعض سنداتها الخارجية، بينما تخلفت “جرينلاند هولدنجز” ووحدة تابعة لـ”داليان واندا جروب” عن السداد، قبل أن تتمكنا لاحقًا من السداد خلال فترة السماح.
وحذرت كريستي هونغ، المحللة في “بلومبرج إنتيلجنس”، من أن أي تعثر محتمل من “كانتري جاردن” قد يكون له تأثير أكبر على سوق العقارات مقارنة بتداعيات انهيار “إيفرجراند”، نظرًا لأن حجم مشروعات “كانتري” يعادل أربعة أضعاف مشروعات الأخيرة. وأشارت إلى أن أزمة الديون لدى “كانتري” ستؤثر بشكل مباشر على المعنويات في السوق، وقد تضعف ثقة المشترين في الملاءة المالية للمطورين من القطاع الخاص.
وأكدت وكالة “موديز” أن اضطرابات الديون لدى “كانتري” من المرجح أن تلقي بآثار سلبية على قطاع العقارات والأسواق المالية في الصين، مما قد يضعف المعنويات ويؤخر تعافي السوق. وفي المقابل، يرى محللو “جيه بي مورجان” أن تأثير انتشار أزمة “كانتري” لن يكون بنفس حدة أزمة “إيفرجراند”، لأن حوالي 40% من شركات السوق من حيث المبيعات في عام 2021 قد شهدت بالفعل تعثرًا عن سداد الالتزامات.
جهود بكين لدعم القطاع العقاري في مواجهة الأزمة
تسعى السلطات التنظيمية في الصين إلى تعزيز الطلب في قطاع العقارات، الذي يمثل أكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي للصين. وفي هذا السياق، تعهد بنك الشعب الصيني مؤخرًا بزيادة دعم التمويل للقطاع الخاص، في ظل إشارات من الحزب الشيوعي نحو تخفيف السياسات العقارية لتحفيز السوق.
ويعتقد محللون أن فشل “كانتري جاردن” في سداد ديونها في الموعد المحدد قد يدفع السلطات إلى اتخاذ تدابير دعم قوية، إلا أنهم أشاروا إلى أن قدرة هذه الإجراءات على إحداث تحول سريع في وضع القطاع العقاري تبقى محدودة. وحذر محللون في “إتش إس بي سي” من أن الموجة البيعية الأخيرة لأسهم وسندات قطاع العقارات الصينية بعد أزمة “كانتري جاردن” قد تدفع السلطات إلى تسريع طرح إجراءات لدعم سوق المنازل.
في هذا الإطار، عقدت لجنة الرقابة المالية في الصين اجتماعًا مع عدد من ممثلي شركات التطوير العقاري ومؤسسات التمويل لمناقشة سبل التعامل مع الأزمة الراهنة، وتركز النقاش على وضع المبيعات والديون، والاحتياجات التمويلية، ورؤية المطورين للقطاع. ومن اللافت أن شركة “كانتري جاردن” لم تُدعى للاجتماع، على الرغم من المخاطر الكبيرة التي تواجهها من احتمال الإفلاس.
وترى إيريس تشين، المحللة في “نومورا”، أن السلطات الصينية ستركز على حماية الخط الفاصل بين الشركات الخاصة وتلك المملوكة للدولة لتجنب آثار غير مباشرة على الاقتصاد. وأشارت إلى أن السلطات لن تتدخل مباشرة لدعم الشركات الخاصة، وأن آجال الاستحقاق المقبلة للديون ستكون عاملاً حاسماً لتقييم مدى قدرة هذه الشركات على البقاء في السوق.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر تباطؤ الاقتصاد الصيني على العالم؟