دخلت الأزمة بين إيران والمجتمع الدولي مرحلة أكثر حدة بعد أن أعادت الأمم المتحدة فرض العقوبات على طهران عبر الآلية المعروفة باسم “سناب باك”، المضمنة في الاتفاق النووي لعام 2015، وقد فجّر القرار ردود فعل غاضبة من القيادة الإيرانية وفتح الباب أمام جولة جديدة من الضغوط الاقتصادية والسياسية التي انعكست بشكل مباشر على الشارع الإيراني، حيث سجّل الريال أدنى مستوى تاريخي له، متجاوزًا 1.12 مليون ريال للدولار الواحد في السوق غير الرسمية.
في ردها الرسمي، اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية أن إعادة تفعيل قرارات سبق إلغاؤها يعد “إساءة واضحة للمسار القانوني”، مشددة على أن أي محاولة لإعادة فرض العقوبات تعتبر “باطلة ولاغية”، وأضافت أن الجمهورية الإسلامية ستدافع بحزم عن حقوقها ومصالحها الوطنية، وسترد على أي خطوة تستهدف المساس بالشعب الإيراني بـ “رد حازم ومناسب”.
كما دعت طهران الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى تجاهل العقوبات وعدم الالتزام بها، ووصفتها بأنها إجراءات غير قانونية لا تستند إلى أساس شرعي، معتبرة أن الهدف منها هو ممارسة ضغوط سياسية لإجبارها على تقديم تنازلات في الملف النووي.
تفاصيل عودة العقوبات على طهران
العقوبات على إيران التي دخلت حيز التنفيذ مرة أخرى تشمل تجميد الأصول الإيرانية في الخارج، وحظر صفقات الأسلحة، وفرض قيود صارمة على تطوير برنامج الصواريخ الباليستية، فضلًا عن إجراءات إضافية تستهدف قطاعات الطاقة والمال والنقل، فهذه العقوبات تعيد إيران إلى دائرة العزلة الدولية التي عاشتها قبل توقيع الاتفاق النووي، وتضاعف من أزماتها الاقتصادية.
وبعث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، نشرها كذلك على منصة “إكس”، قال فيها: “نحثكم على منع أي محاولة لإعادة تفعيل آليات العقوبات، بما في ذلك لجنة العقوبات وهيئة الخبراء”، وأكد أن إيران لن تعترف بأي تمديد أو إعادة فرض للعقوبات الأممية، مشددًا على أن أي خطوة من هذا النوع ستقابل بالرفض التام من جانب طهران.
الريال الإيراني ينهار
على المستوى الاقتصادي، أوضح الدكتور محمد الشوربجي الخبير الاقتصادي، أنه مع دخول العقوبات على طهران حيز التنفيذ فقد الريال الإيراني المزيد من قيمته مسجلًا مستوى قياسيًا جديدًا عند 1.12 مليون ريال مقابل الدولار، ما أثار قلقًا واسعًا في الداخل الإيراني، مؤكدًا أن هذا التدهور السريع يعكس هشاشة الاقتصاد في مواجهة الصدمات الخارجية، ويعيد إلى الأذهان سنوات الحصار المالي قبل عام 2015 حين بلغ التضخم مستويات خانقة.
وقال الخبير الاقتصادي إنَّ هبوط الريال بهذا الشكل ليس مجرد تذبذب في السوق الموازية، بل مؤشر هيكلي على عجز الاقتصاد عن توليد ما يكفي من النقد الأجنبي لتلبية الطلب المحلي، وأضاف أن الفجوة بين السعر الرسمي والسوق غير الرسمية تمثل انعكاسًا لفقدان الثقة، وأن استمرار اتساعها يشير إلى عمق الاضطراب الاقتصادي.
ولفت الخبير إلى أن هبوط العملة أدى إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة بشكل مباشر، خاصة المواد الغذائية والدواء”، وأشار الشوربجي إلى أن “الموجة التضخمية المقبلة قد تكون الأعنف منذ سنوات، وربما تصل إلى معدلات يصعب السيطرة عليها”.
ووفقًا للخبير، مع ارتفاع الأسعار بات ملايين الإيرانيين يواجهون تراجعًا في قدرتهم الشرائية، في الوقت الذي تتآكل فيه المدخرات بسرعة وترتفع معدلات الفقر، وبالتالي فإنّ الأسر الإيرانية اليوم تجد نفسها مضطرة للاختيار بين الأساسيات، وهو ما يضع الحكومة تحت ضغط اجتماعي غير مسبوق.
ملامح الأزمة الاقتصادية في إيران
شدد الشوربجي على أن الأزمة الاقتصادية في إيران لا تقتصر على التضخم وانهيار العملة، بل تمتد لتشمل ارتفاع معدلات البطالة وتكرار موجات الغلاء التي أشعلت احتجاجات واسعة في السابق، ففي عام 2017 اندلعت مظاهرات في عشرات المدن الإيرانية احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوقود والمواد الأساسية، وفي عام 2019 شهدت البلاد أكبر احتجاجات منذ الثورة الإسلامية بعد قرار رفع أسعار البنزين.
وتابع الشوربجي، اليوم ومع انهيار الريال وارتفاع الأسعار، يلوح في الأفق سيناريو مشابه، فالشباب الإيراني يعاني بالفعل من صعوبة في الحصول على فرص عمل، ومع تعطل الاستثمارات الأجنبية وتراجع القدرة الإنتاجية بفعل العقوبات فإن البطالة مرشحة للارتفاع، ما قد يدفع إلى احتجاجات اجتماعية جديدة.
وحذر الشوربجي من أن “الضغط الاقتصادي سيتحول حتمًا إلى ضغط اجتماعي، ومع استمرار تآكل الدخول وغياب الحلول قد تجد الحكومة نفسها أمام انفجار شعبي أكبر من سابقاته”.
الاستثمار والإنتاج في مأزق
العقوبات الجديدة تعني حرمان إيران من التكنولوجيا الحديثة ورؤوس الأموال الأجنبية؛ فقطاع الطاقة الذي يمثل شريان الاقتصاد سيواجه صعوبات في تسويق النفط والحصول على عائداته، ورغم أن إيران لا تزال قادرة على تصدير جزء من نفطها إلى شركاء مثل الصين عبر قنوات غير رسمية، إلا أن تحويل العائدات إلى الداخل يظل معقدًا ومكلفًا.
وقال الشوربجي إنَّ “المعضلة الحقيقية ليست في التصدير فقط، بل في الاستفادة من العائدات؛ إذ إنّ القيود المفروضة على النظام المالي الإيراني تحرم الحكومة من توظيف هذه الأموال في التنمية أو سداد التزاماتها”، وأكَّد أن هذا الخلل قد يدفع الاقتصاد إلى مرحلة ركود تضخمي، وهي حالة خطيرة تجمع بين ضعف النمو وارتفاع الأسعار.
الأبعاد السياسية والدبلوماسية
القرار الأممي بإعادة فرض العقوبات جاء بعد فشل المحادثات النووية، ليعيد العلاقة بين طهران والغرب إلى مربع المواجهة، حيث تصر إيران على أن برنامجها النووي مخصص للأغراض المدنية، بينما ترى القوى الغربية -ومعها إسرائيل- أنه غطاء لجهود تسعى لامتلاك قدرات عسكرية.
وفي هذا الصدد، علَّق الشوربجي قائلًا: “الضغط الاقتصادي سينعكس سياسيًا؛ ففي الداخل سيزيد الاستياء الشعبي، وفي الخارج قد تضطر إيران لتقديم تنازلات إذا أرادت إنقاذ اقتصادها من الانهيار الكامل”.
رغم أن إيران ليست في موقع السعودية أو روسيا من حيث التأثير على أسواق النفط، إلا أن أي اضطرابات إضافية في صادراتها تضيف عنصر قلق للأسواق، وأشار الشوربجي إلى أن الأثر العالمي المباشر سيكون محدودًا نسبيًا، لكن إذا ترافق ذلك مع توترات في الخليج أو مضيق هرمز فإن تداعياته على أسعار النفط العالمية قد تكون كبيرة.
سيناريوهات المستقبل
- قصيرة الأجل: استمرار الضغوط على الريال، وتقلبات حادة في السوق الموازية، وارتفاع متسارع في أسعار السلع.
- متوسطة الأجل: محاولات طهران تعزيز تعاونها مع الصين وروسيا لتخفيف أثر العقوبات، لكنها ستظل محدودة ومكلفة.
- طويلة الأجل: بقاء الاقتصاد في دائرة الركود التضخمي، ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية ودبلوماسية تعيد إيران إلى النظام المالي والتجاري الدولي.
وأكد الشوربجي، أن إعادة فرض العقوبات على إيران فجرت أزمة شاملة تتجاوز حدود الاقتصاد إلى عمق المجتمع والسياسة، ومع انهيار الريال إلى مستوى قياسي، وارتفاع التضخم، وتزايد البطالة، يقف الإيرانيون أمام تحديات معيشية قاسية قد تفتح الباب أمام موجة احتجاجات جديدة كتلك التي شهدتها البلاد في 2017 و2019.
واختتم الخبير قائلاً: “ما لم يحدث انفراج سياسي ودبلوماسي، فإن الريال سيواصل الهبوط، والتضخم سيظل ينهش الاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي سيكون على المحك”.
قد يهمّك أيضًا: الأوضاع في إيران تتفاقم.. أزمة اقتصادية واستقالات تعصف بالحكومة