في لحظةٍ بدت رمزية بقدر ما هي اقتصادية، فتح عُمّال الحقول النفطية في شمال العراق صمامات التصدير مجدداً، إيذاناً بعودة الخام الكردي إلى الأسواق العالمية بعد توقفٍ دام أكثر من عامين، بحسب بلومبرغ.
المشهد، الذي بثّه التلفزيون الكردي مباشرة، ترافق مع هتافات العاملين وابتسامات المسؤولين، في لحظةٍ تُعيد إلى الأذهان ثقل النفط في معادلة العراق الاقتصادية والسياسية على حدٍّ سواء.
وزارة النفط العراقية أعلنت، أن عمليات التصدير انطلقت عند السادسة صباحاً يوم السبت الماضي، بوتيرةٍ عاليةٍ وسلاسةٍ كاملة، ودون أي مشكلاتٍ فنية، لتبدأ البلاد مرحلةً جديدة من تصدير الخام من الشمال بعد أزمةٍ معقدةٍ عطّلت خط الأنابيب الرابط بين كردستان وتركيا منذ مارس 2023.
190 ألف برميل إضافي يومياً
وزير النفط العراقي، حيّان عبد الغني، كشف أن الاستئناف سيُضيف ما يصل إلى 190 ألف برميل يومياً في المرحلة الأولى، وهو ما يمثل دفعةً مهمة لإجمالي الإمدادات العالمية، لكنه في الوقت ذاته يثير مخاوف من تفاقم فائض المعروض المتوقع في 2026، بحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة (IEA).
الوكالة كانت قد حذرت من أن السوق النفطية تتجه نحو فائض قياسي في العام المقبل، في ظل استمرار تحالف “أوبك بلس” في زيادة الإنتاج تدريجياً، ما قد يُبقي الأسعار تحت ضغط، خاصة مع تباطؤ الطلب في آسيا وتزايد الإنتاج الأمريكي.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى محللون أن عودة الخام الكردي -رغم رمزيتها- تأتي في توقيت صعب للسوق، إذ تراجعت أسعار خام برنت بنحو 7% منذ بداية العام، لتتأرجح قرب مستويات 80 دولاراً للبرميل، وسط توازن هشّ بين ضغوط العرض وتوترات الجغرافيا السياسية.
جذور الأزمة وتعويضات المليار ونصف
القصة بدأت في مارس 2023، حين أوقفت تركيا التصدير عبر خط الأنابيب الذي ينقل النفط من كردستان إلى ميناء جيهان، وذلك بعد صدور حكم من محكمة التحكيم الدولية يلزم أنقرة بدفع 1.5 مليار دولار كتعويض للعراق، على خلفية سماحها للإقليم بتصدير النفط بشكل مستقل دون تنسيق مع بغداد.
منذ ذلك التاريخ، دخل الخط في حالة جمود تام، وسط مفاوضات ماراثونية بين الأطراف الثلاثة: الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وأنقرة، ومع تعقّد الملفات القانونية والمالية، تعاقبت جولات الوساطة دون أن يُعاد فتح الصمامات.
وزارة الخارجية العراقية قدّرت خسائر البلاد خلال فترة التوقف بنحو 22 مليار دولار من العائدات المهدرة، وهو رقم يعكس حجم الأثر الذي خلّفه الخلاف على اقتصاد يعتمد في أكثر من 90% من إيراداته على النفط.
الشركات الدولية بين الترحيب والتحفظ
العودة لم تكن لتتحقق من دون تفاهم مع الشركات الدولية العاملة في الإقليم، ووزارة النفط العراقية أوضحت أن ثماني شركاتٍ عالمية، تُنتج أكثر من 90% من خام الإقليم، وافقت على الاتفاق الجديد الذي ينص على تسليم النفط للحكومة العراقية مقابل ترتيبات مالية تضمن حقوق المستثمرين.
لكن شركة “DNO ASA” النرويجية -وهي من أبرز المشغلين في المنطقة عبر حقل “تاوكي”- امتنعت عن التوقيع، مطالبة بضمانات لسداد المستحقات السابقة وتأمين المدفوعات المستقبلية. وفي بيانٍ صدر عنها بتاريخ 26 سبتمبر، أكدت الشركة أنها ستُسلم حصة الحكومة من الإنتاج المخصص للتصدير، لكنها ستستمر ببيع حصتها داخل الإقليم بأسعار منخفضة تتراوح في “الثلاثينيات المنخفضة” للبرميل، أي نحو 30 دولاراً فقط.
أما الشركات الأخرى، فستحصل -بحسب الاتفاق- على 14 دولاراً للبرميل بعد خصم تكاليف النقل، على أن يُعاد تقييم آلية التعويض في عام 2026 بعد مراجعة النماذج التجارية من قِبل مستشار تعيّنه بغداد.
اقرأ أيضًا: منصة عائمة للغاز الطبيعي المسال لوقف أزمة الكهرباء في العراق
اتفاق سياسي يعيد ترتيب العلاقة بين بغداد وأربيل
وراء هذا التطور الاقتصادي، يكمن اتفاق سياسي بين بغداد وأربيل، ففي وقت سابقٍ من العام الجاري تمَّ التوصل إلى تفاهم يقضي بأن يُسلم الإقليم ملف تسويق نفطه إلى شركة (SOMO) الحكومية، مقابل أن تُحوّل الحكومة الاتحادية مخصصات مالية لتغطية رواتب موظفي الإقليم، في خطوة فُسّرت على أنها بداية لتطبيع العلاقات المالية بين الطرفين بعد سنواتٍ من التوتر.
هذه الصيغة من “النفط مقابل الرواتب” وُصفت في الأوساط العراقية بأنها “مقايضة واقعية”، تعيد لبغداد سيادتها القانونية على النفط، وفي الوقت نفسه تُنقذ الإقليم من أزمة مالية خانقة تسببت في تأخر صرف رواتب الموظفين لأشهر.
ويُتوقع أن يُشجع هذا التفاهم على عودة الشركات العالمية إلى الاستثمار في شمال البلاد، خاصة إذا ما تم تسوية الملفات العالقة المتعلقة بسداد الديون والمستحقات.
زيادة تدريجية في الإنتاج ودور أوبك بلس
المدير العام لشركة نفط الشمال، عامر المهيري، أكد أن حجم الصادرات سيرتفع تدريجياً خلال الأيام المقبلة، مشيراً إلى أن الكميات ستزداد “بشكل مستمر، ما سيحفز المنتجين ويشجع دخول أطراف جديدة إلى الاتفاق”.
هذه الزيادة المنتظرة تعطي دفعة إضافية للعراق الذي يُعد ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك بعد السعودية، بمتوسط إنتاجٍ يبلغ 4.2 ملايين برميل يومياً هذا العام، يُصدَّر أغلبه عبر ميناء البصرة في الجنوب إلى الأسواق الآسيوية.
ومع عودة الشمال إلى العمل، سيحصل العراق على فرصة لموازنة صادراته بين الجنوب والشمال، ما يعزز مرونته التشغيلية، ويدعم قدرته على تلبية حصص الإنتاج التي تُقرّها “أوبك بلس”.
في سياقٍ متصل، كان تحالف “أوبك بلس” قد أقرّ مطلع الشهر الجاري استمرار خطة رفع الإنتاج التدريجي، وهو ما يفتح المجال أمام دولٍ مثل العراق لزيادة مبيعاتها الخارجية. وبحسب موقع المنظمة، سيسمح لبغداد بضخ 4.237 ملايين برميل يومياً خلال أكتوبر، وهي زيادة طفيفة لكنها تُمثّل مؤشراً على مرونة الحصص، في وقتٍ تسعى فيه بعض الدول المنتجة لتعويض فترات التوقف السابقة.
هذه الزيادة تأتي في لحظةٍ تُحاول فيها “أوبك بلس” التوفيق بين هدفين متناقضين: دعم الأسعار عبر تقييد الإمدادات، ومنح الأعضاء مجالاً لتعزيز الإيرادات في ظل تراجع العوائد النفطية مقارنة بذروة 2022.
اقرأ أيضًا: العراق يراهن على النفط لتحقيق إيرادات قياسية في خطته الخمسية
أسعار النفط العالمية تحت ضغط وفائض متوقع
رغم التفاؤل الرسمي، تبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب حذر، فالمحللون يرون أن عودة النفط الكردي، إلى جانب الزيادات التدريجية من “أوبك بلس”، قد تفاقم التخمة المتوقعة في المعروض خلال النصف الأول من 2026، خاصة إذا ظل الطلب العالمي على وتيرته الحالية دون نمو يُذكر.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مشتري النفط الروسي، ما يُبقي بعض الأسواق -خاصة الأوروبية- في حالة ارتباك بشأن مصادر الإمداد البديلة، لكن العامل الجيوسياسي لا يزال يُقدم دعماً محدوداً للأسعار، إذ ساهمت التوترات في الشرق الأوسط والبحر الأسود في منع الأسعار من التراجع الحاد، رغم فائض المعروض في الأسواق الآسيوية.
بين السياسة والاقتصاد.. نفط كردستان يستعيد دوره
يجمع الخبراء على أن استئناف صادرات النفط من كردستان ليس مجرد خطوةٍ فنية، بل هو تسوية سياسية واقتصادية متكاملة تُنهي واحدةً من أعقد أزمات الطاقة في العراق الحديث، فمنذ عام 2014، حين بدأ الإقليم تصدير النفط بشكل مستقل، ظل الملف يثير توتراتٍ بين بغداد وأربيل، ويُعدّ من أبرز أسباب الخلافات المزمنة بين الجانبين.
اليوم، ومع عودة التصدير تحت إشراف الحكومة الاتحادية، يبدو أن العراق يسير نحو مرحلةٍ جديدةٍ من التكامل الطاقي، حيث يُعاد توحيد المنظومة النفطية تحت مظلةٍ واحدة، بما ينعكس على استقرار الإيرادات وتوزيعها بعدالةٍ أكبر.
ورغم أن طريق التسوية لا يزال طويلاً، فإن الاتفاق الحالي يُعد اختباراً لمدى قدرة بغداد وأربيل على بناء علاقةٍ مستدامة تقوم على الشفافية وتقاسم العائدات، فإذا نجح الطرفان في الحفاظ على هذا التوازن، قد يُمهد ذلك لمرحلة من الازدهار الاقتصادي المشترك، تفتح الباب أمام استثماراتٍ أوسع في البنية التحتية والطاقة.
أما على المستوى العالمي، فعودة الخام الكردي تضيف عاملًا جديدًا إلى معادلة سوق مضطربة بطبيعتها، بين وفرة المعروض وضبابية الطلب، في عالمٍ يزداد انقساماً بين اعتبارات السياسة والاقتصاد والطاقة.
اقرأ أيضًا: ملتقى العراق للاستثمار يطلق فرصًا بقيمة 450 مليار دولار