فتح مضيق هرمز.. بين الحل السلمي والسيناريو العسكري

تتصاعد حدة التجاذبات الدولية حول خارطة التأمين في مضيق هرمز، وسط تباين لافت في المقاربات بين لغة “الحسم العسكري” ومنطق “الدبلوماسية الوقائية”. وفي هذا الصدد، عكس تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثقة واشنطن المطلقة في ذراعها العسكرية، مؤكداً قدرة بلاده على إعادة فتح المضيق والسيطرة على تدفقات النفط “بسهولة”، وهي رسالة تحمل في طياتها تلويحاً بالخيار الخشن كأداة لفرض الاستقرار وضمان أمن الطاقة العالمي.

وعلى النقيض من هذا الطرح، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا تعمل بالتعاون مع عدد من الدول على إعداد عملية ذات طابع سلمي تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز.

وفي الإطار ذاته، كشفت الحكومة البريطانية عن أن رئيس الوزراء كير ستارمر ناقش مع ولي عهد الكويت مسألة نشر منظومة دفاع جوي بريطانية في دول الخليج، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لحساسية الوضع الأمني في المنطقة، والاستعداد لتعزيز القدرات الدفاعية لدول الخليج في مواجهة أي تهديدات محتملة، خاصة تلك المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة.

لماذا تبدو إعادة فتح المضيق أصعب من إغلاقه؟

من جانبه، أكد الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، أن إغلاق مضيق هرمز يعد من الإجراءات السهلة نسبيًا من الناحية العملية، إلا أن إعادة فتحه تمثل تحديًا بالغ التعقيد، موضحًا أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق كفيل بإحداث تأثيرات اقتصادية فورية، أبرزها الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين على السفن، وهو ما يجعل المرور عبر المضيق غير مجدٍ اقتصاديًا حتى دون إغلاق فعلي.

وأشار جاب الله إلى أن التحركات الدولية، التي تضم نحو 40 دولة وعلى رأسها دول الاتحاد الأوروبي، لتشكيل قوة تهدف إلى تأمين وفتح المضيق، تثير العديد من التساؤلات حول آليات التنفيذ ومدى واقعيتها، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية.

كما تساءل عن آليات تعامل الإدارة الأمريكية مع هذه الأزمة، لاسيما في ظل السياسات التي تبناها ترامب ويرى البعض أنها ساهمت في تعقيد المشهد، وأشار إلى أن الأزمة قد لا تكون بالتعقيد الذي يتم الترويج له، مؤكداً أن وقف العمليات العسكرية يظل المفتاح الرئيس لإعادة فتح المضيق بشكل طبيعي، بعيداً عن التدخلات المعقدة أو التصعيد الإضافي.

وفيما يخص الطرح الإيراني بشأن فرض رسوم على مرور السفن، أوضح جاب الله وجود ازدواجية في التعاطي مع الخطاب السياسي؛ حيث يتم التعامل مع التصريحات الإيرانية كحقائق مسلم بها، في حين تُصنف التصريحات الأمريكية والإسرائيلية كمنارات سياسية، مما يعكس خللاً في قراءة المشهد.

وقف إطلاق النار.. الخطوة الأولى لحل الأزمة

أكّد أن جوهر المشكلة مع إيران يتجاوز مضيق هرمز ليشمل سياساتها الإقليمية وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العربي، مشيراً إلى أن غياب هذه التدخلات كان كفيلاً بفتح الباب أمام توافق أكبر، وربما صياغة أشكال متطورة من التكامل الإقليمي.

وشدد جاب الله على أن الخطوة الأولى نحو حل الأزمة يجب أن تبدأ بوقف إطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي لتهيئة بيئة مناسبة للتعاون، موضحًا أنه في حال عدم وجود مصالح مباشرة لبعض الأطراف في مرور النفط، يمكن ترك المجال لأصحاب المصالح الحقيقية للتفاوض مع إيران والوصول إلى حلول عملية تضمن استقرار الملاحة.

وفي ختام تصريحاته، أشار إلى أن إسرائيل لا تنظر إلى الصراعات التي تخوضها في المنطقة من منظور اقتصادي بحت، بل تسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل منظومة أمنها القومي، بما يٌمَكِّنها لاحقًا من توسيع نفوذها الاقتصادي في المنطقة دون أن ترى في ذلك تعارضًا مع مصالحها.

اقرأ أيضًا: اقتصاديات الخطر.. كيف تعيد إيران تسعير العبور في هرمز؟

تباين بين الرؤية الأمريكية والأوروبية

أكد الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، أن أزمة مضيق هرمز تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على إدارة الأزمات المعقدة، وضمان حرية الملاحة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، والذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.

وأشار عناني إلى أن الاجتماعات الدولية الأخيرة، التي شاركت فيها أكثر من 40 دولة، تعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة الوضع، وضرورة التحرك الجماعي لتجنب تفاقم الأزمة، مؤكدًا أن المواقف الأوروبية، خاصة الفرنسية والبريطانية، تميل بشكل واضح إلى الحلول الدبلوماسية القائمة على القانون الدولي.

وأوضح أن هناك تباينًا ملحوظًا بين الرؤية الأمريكية والأوروبية، حيث تميل الولايات المتحدة إلى طرح خيارات أكثر حدة، في حين تفضل أوروبا العمل عبر المؤسسات الدولية وتجنب التصعيد العسكري.

وأضاف أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا، لكنه يأتي في إطار محدود يهدف إلى تأمين الملاحة البحرية وحماية التجارة الدولية وشركات التأمين، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون لها تداعيات كارثية على المنطقة والعالم.

وفيما يتعلق بالموقف الخليجي، شدد عناني على أهمية إشراك دول مجلس التعاون الخليجي في أي مفاوضات مستقبلية مع إيران، نظرًا لدورها المحوري في سوق الطاقة العالمي، وتأثرها المباشر بأي تطورات في المضيق.

أهمية الدور الإقليمي في حماية الممرات الاستراتيجية

أكد عنابي أن دول الخليج تنظر إلى التحركات الإيرانية باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي، خاصة في ظل تصاعد الهجمات التي تستهدف البنية التحتية المدنية والملاحة البحرية، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق العالمية.

كما حذر من تكرار تجربة الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، الذي تم دون إشراك دول الخليج، ما أدى إلى تجاهل مخاوفها الأمنية، مشددًا على ضرورة أن تكون هذه الدول جزءًا أساسيًا من أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.

وأشار إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على مضيق هرمز، بل قد تمتد إلى ممرات استراتيجية أخرى مثل باب المندب، مما يهدد جزءًا كبيرًا من حركة التجارة العالمية، ويزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة.

واختتم الدكتور أحمد عناني تصريحاته بالتأكيد على أن الحل الأمثل للأزمة يكمن في الجمع بين الضغط الدولي الفعال والتحرك الدبلوماسي المنظم، مع تعزيز دور المنظمات الدولية والإقليمية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، لضمان حماية الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التصعيد.

قد يهمّك أيضًا: كيف يهدد غلق مضيق باب المندب التجارة العالمية؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة