شهدت أسواق المال العالمية حالة من الانفراجة المفاجئة والتفاعل السريع عقب إعلان إيران فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما أعاد قدراً من الاستقرار إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية وتأثيراً على الاقتصاد العالمي.
فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المضيق أصبح مفتوحاً أمام جميع السفن التجارية خلال الفترة المتبقية من الهدنة، موضحاً أن القرار يأتي ضمن مسار منسق مع منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية، بهدف استعادة حركة التجارة العالمية بشكل طبيعي. وتزامن هذا الإعلان مع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة 10 أيام، وهو ما عزز من مؤشرات التهدئة الإقليمية وخلق حالة من الطمأنينة في الأسواق الدولية.
انتعاش في الأسواق العالمية والمحلية
هذا التطور انعكس فوراً على حركة الأصول المالية، فقد أكدت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن فتح المضيق كان له تأثير إيجابي مباشر على الأسواق العالمية والإقليمية، مشيرة إلى أن تراجع أسعار النفط واستقرار أسعار الذهب والدولار نسبياً دفع المستثمرين إلى إعادة توجيه استثماراتهم نحو أسواق الأسهم، موضحة أن هذه التحركات تعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المستثمرين، حيث بدأوا في استغلال فرص النمو بدلاً من التركيز فقط على التحوط.
وأضافت أن الأنظار تتركز حاليًا على أداء الأسواق الأمريكية، باعتبارها المحرك الرئيس لبقية الأسواق العالمية، موضحة أن أي صعود قوي في مؤشرات مثل “S&P 500” و”ناسداك” سينعكس إيجاباً على الأسواق الأخرى، خاصة في المنطقة العربية، كما لفتت إلى أن توقيت إعلان فتح المضيق، الذي جاء بعد انتهاء جلسات التداول في بعض الأسواق، يعني أن التأثير الكامل سيظهر خلال الجلسات المقبلة، مع توقعات بموجة صعود جديدة.
وعلى مستوى الأسواق الناشئة، أشارت رمسيس إلى أن البورصة المصرية أظهرت بالفعل مؤشرات إيجابية منذ قرار وقف إطلاق النار، حيث اقترب المؤشر الرئيسي من مستوى 50,500 نقطة، مع توقعات باستهداف مستوى 51,750 نقطة، وهو ما يعكس حالة تفاؤل قوية بين المستثمرين، كما أكدت أن هناك نشاطاً ملحوظاً في بعض القطاعات، خاصة قطاع الأسمدة الذي استفاد من ارتفاع أسعار اليوريا، إلى جانب القطاعات المرتبطة بإعادة الإعمار، والتي يُتوقع أن تشهد نمواً كبيراً في حال استمرار التهدئة الإقليمية.
اقرأ أيضًا: صناعة الأسمدة في مصر.. إلى أين؟
تراجع فوري في أسعار النفط
من جانبه، أكد الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادي والمالي الدولي، أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل تحولاً اقتصادياً بالغ الأهمية، نظراً لما يحمله المضيق من أهمية استراتيجية في حركة تجارة النفط العالمية، وأوضح أن الأسواق استجابت بشكل فوري لهذا القرار، حيث تراجعت أسعار النفط بنحو 10%، لينخفض سعر البرميل من 100 دولار إلى 90 دولاراً، مع توقعات بمزيد من الانخفاضات خلال الفترة المقبلة، قد تصل إلى مستويات بين 80 و70 دولاراً في حال استمرار الاستقرار.
وأشار إلى أن هذه التراجعات تعكس تحسناً واضحاً في توقعات السوق، خاصة بعد أن وصلت أسعار النفط خلال فترة التصعيد إلى نحو 150 دولاراً للبرميل، قبل أن تبدأ في التراجع مع بدء المفاوضات والهدنة، وأكد أن هذا التحسن من شأنه أن ينعكس إيجاباً على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي العالمي، حيث يؤدي انخفاض أسعار الطاقة إلى تقليل تكاليف الإنتاج والنقل.
وأضاف أن إعادة فتح المضيق ستعيد النشاط الكامل إلى قطاع الطاقة في دول الخليج، حيث ستستأنف عمليات الإنتاج والتكرير والتصدير بكفاءة، بعد أن تأثرت بشكل كبير خلال فترة الحرب، وهذا التطور سيدعم استقرار أسواق الطاقة العالمية ويحد من التقلبات الحادة التي شهدتها خلال الأشهر الماضية.
بالأرقام.. تفاعلات الأسواق العالمية
من جهته، أوضح الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن الأسواق المالية العالمية أظهرت تفاعلاً فورياً مع هذه التطورات، حيث سجلت أسعار النفط تراجعات حادة، إذ انخفض خام برنت إلى 89 دولاراً للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس إلى نحو 81 دولاراً، مسجلاً انخفاضاً أكبر بلغ حوالي 12%، مشيرًا إلى أن هذه التراجعات جاءت نتيجة تغير توقعات العرض والطلب، إلى جانب انحسار المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالمضيق.
وفي المقابل، لفت إلى أن المعادن النفيسة شهدت ارتفاعات ملحوظة، حيث ارتفع الذهب بنحو 2% ليصل إلى 4866 دولاراً للأونصة، كما ارتفعت الفضة بنسبة 4% لتقترب من 82 دولاراً، وهو ما يعكس استمرار توجه بعض المستثمرين نحو الأصول الآمنة، رغم تحسن شهية المخاطرة في الأسواق.
أما على صعيد أسواق الأسهم، فقد شهدت البورصات العالمية، خاصة الأمريكية، حالة من الانتعاش، حيث ارتفع مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بنسبة 1.5%، وصعد مؤشر “ناسداك” بنسبة 2%، فيما سجل “داو جونز” مكاسب أكبر بلغت 3.5%.
وأوضح أن تحسن الأوضاع انعكس أيضاً على تكاليف التأمين البحري، حيث تراجعت أقساط التأمين على ناقلات النفط بعد أن كانت قد ارتفعت بنسبة تتراوح بين 200% و400% خلال ذروة التصعيد، وهو ما يعزز انخفاض التكلفة الفعلية للإمدادات.
كما توقع عبد الهادي أن تمتد هذه الموجة الإيجابية إلى الأسواق العربية والخليجية مع بداية الأسبوع الجديد، مدعومة بتحسن المؤشرات العالمية واستقرار أسعار الطاقة نسبياً، وهو ما قد ينعكس في صورة ارتفاعات ملحوظة في مؤشرات تلك الأسواق.
وأجمع الخبراء على أن هذه التطورات تمثل نقطة تحول مهمة، حيث تشير إلى انتقال الاقتصاد العالمي من مرحلة التوتر والتصعيد إلى مرحلة أكثر استقراراً، وهو ما يدعم تدفقات الاستثمارات ويعزز من أداء الأسواق المالية، لكنّهم شددوا في الوقت ذاته على ضرورة متابعة التطورات الجيوسياسية من كثب، نظراً لحساسية الأسواق لأي متغيرات قد تطرأ مستقبلاً.
قد يهمّك أيضًا: كيف عززت أزمة هرمز صعود النقل البري في الخليج؟