فرنسا الحلقة الأضعف في اقتصاد أوروبا بعد تخفيض التصنيف من فيتش

تواجه فرنسا واحدة من أعقد لحظاتها الاقتصادية والسياسية منذ عقود، بعد أن خفّضت وكالة “فيتش” تصنيفها السيادي من (AA-) إلى (A+)، بحسب وكالة بلومبرغ، ورغم أنّ القرار لم يكن مفاجئاً للأسواق إلَّا أنّه شكّل جرس إنذار على حجم المخاطر التي تُحاصر ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.

الفكرة هي أنّ “فيتش” وضعت الإصبع على الجرح عندما أشارت إلى أنّ ارتفاع الدين العام وضعف قدرة الحكومات المتعاقبة على تمرير إصلاحات مالية جذرية، يجعلان البلاد أقل استعداداً لمواجهة الصدمات، وأكثر عرضة لفقدان ثقة المستثمرين. وبهذا التخفيض أصبحت فرنسا صاحبة أدنى تصنيف بين اقتصادات أوروبا الكبرى، وعلى بُعد ست درجات فقط من فئة السندات عالية المخاطر.

خلفية سياسية مرتبكة تزيد المخاطر

القرار جاء في ختام أسبوع مضطرب سياسياً، شهد انهيار حكومة جديدة هي الثالثة خلال عام واحد، بعد رفض البرلمان تمرير خطة لخفض العجز، حيث وجد رئيس الوزراء الجديد سيباستيان لوكورنو -المكلَّف من الرئيس إيمانويل ماكرون- نفسه منذ اليوم الأول محاصراً بين مطالب معارضة متشددة، وضغوط الأسواق المطالبة بمسار مالي أكثر وضوحاً، لكنه وعد بإطلاق أسلوب جديد للتفاوض وصياغة موازنة أكثر توافقية، لكن الشكوك تحيط بقدرته على خفض العجز من 5.4% من الناتج المحلي هذا العام إلى 4.6% في 2026، وهو الهدف الذي أسقط سلفه.

الجدير بالذكر أنّه منذ الانتخابات المبكرة، في منتصف 2024، تعاقبت ثلاث حكومات في باريس، ما يعكس هشاشة التوازنات داخل البرلمان، وهذا الانقسام -بحسب فيتش- يُضعف القدرة على تنفيذ إصلاحات مالية واسعة، ويجعل الوصول إلى هدف تقليص العجز إلى 3% بحلول 2029 أمراً غير مرجّح، وهكذا تحوّل العجز من قضية مالية إلى أزمة ثقة بنيوية تطال صورة فرنسا في الأسواق الدولية، حيث ينظر المستثمرون إلى كل مأزق سياسي باعتباره عاملاً مضافاً إلى تكلفة التمويل.

ردود رسمية ومحاولات للتهدئة

وزير المالية بالإنابة إريك لومبارد حاول امتصاص الصدمة مُقراً بقرار التخفيض، لكنه شدد على أنّ الحكومة الجديدة بدأت بالفعل مشاورات لإقرار الموازنة المقبلة، وقد ركّزت الرسالة الرسمية على أنَّ فرنسا ستواصل جهودها لضبط المالية العامة، إلا أن سجلها التاريخي في الالتزام بمسارات تقليص العجز ظل ضعيفاً مقارنة بجيرانها، وهو ما يزيد الضغوط على أي تعهدات جديدة.

التداعيات الاقتصادية لتخفيض تصنيف فرنسا

رغم أن خطوة “فيتش” لم تؤدِ إلى موجة بيع حادة، لأن المستثمرين كانوا قد سعّروا بالفعل المخاطر المرتبطة بفرنسا، فإن الخطر الأكبر يتمثل في فقدان شريحة من الصناديق العالمية التي تلتزم بالاستثمار فقط في سندات عالية التصنيف. وفي حال فشلت الحكومة بتمرير الموازنة قبل نهاية العام، قد تدخل البلاد في مرحلة “الخدمات المصوّت عليها”، حيث تُجمد التدابير المالية الجديدة وتقتصر النفقات على ما أقره البرلمان مسبقاً، وهو سيناريو يعكس جموداً مالياً قد يفاقم الشكوك.

المفارقة أن هذه الأزمة المالية تأتي في وقت تظهر فيه مؤشرات اقتصادية أكثر توازناً، حيث أشار بنك فرنسا مؤخراً إلى استمرار زخم النمو الذي بدأ في الربع الثاني، فيما تؤكد بيانات وكالة الإحصاء الوطنية “Insee” أنَّ الاقتصاد الفرنسي ما زال يتفوق نسبياً على بعض نظرائه في منطقة اليورو.

ومع ذلك، تتوقع “فيتش” أن يظل النمو محدوداً عند 0.6% في 2025، و0.9% في 2026، و1.2% في 2027، وهو مسار ضعيف لا يكفي لخفض الدين بشكل ملموس، وفي ظل تضخم منخفض، وارتفاع معدلات الادخار الأسري، إضافة إلى ميزانيات قوية للشركات، يظل الاستهلاك والاستثمار عناصر داعمة، لكنها غير قادرة على تعويض الخلل البنيوي في المالية العامة.

تحديات أمام “قلب أوروبا”

تكمن خطورة الوضع في أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد هامشي داخل منطقة اليورو، بل تمثل حلقة مركزية في استقرار العملة الموحدة، وأي اهتزاز في ثقة الأسواق تجاه باريس قد ينتشر بسرعة إلى شركائها، خصوصًا في جنوب أوروبا حيث لا تزال مستويات الدين مرتفعة.

ومع ذلك، أظهرت دول مثل إيطاليا واليونان والبرتغال وإسبانيا خلال السنوات الأخيرة تقدّمًا ملموسًا في ضبط العجز واستعادة النمو، في حين بدت فرنسا استثناءً سلبيًا. هذا التحول في الأدوار يعيد رسم خريطة المخاطر داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يُنظر اليوم إلى فرنسا باعتبارها “الحلقة الأضعف” الجديدة، على عكس مكانتها التقليدية كمركز اقتصادي موثوق.

اقرأ المزيد: صعود دول جنوب أوروبا على ألمانيا وفرنسا في تحول اقتصادي

اقتصاد مثقل بالديون

تشير أرقام وزارة المالية الفرنسية إلى أن الدين الحكومي بلغ 3.6 تريليون دولار حتى منتصف 2025، أي ما يعادل نحو 114% من الناتج المحلي الإجمالي، وعند إضافة الديون الخاصة والعامة معًا يصل الإجمالي إلى 8.6 تريليون دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد الفرنسي.

والأدهى أن الدين يتزايد بوتيرة تقارب 450 ألف دولار كل دقيقة، ما يجعل خدمة هذا الدين عبئًا هائلًا على المالية العامة، حيث من المتوقع أن تصل مدفوعات الفوائد وحدها إلى أكثر من 75 مليار يورو في 2026.

عجز مالي متفاقم

العجز في الموازنة العامة الفرنسية بلغ العام الماضي نحو 195 مليار دولار، وهو الأعلى في منطقة اليورو، ومن غير المتوقع أن ينخفض إلى أقل من 5% من الناتج المحلي خلال العامين المقبلين.

هذا العجز -الذي يعكس توازنًا مختلًا بين الإنفاق والإيرادات- جعل الأسواق أكثر تشددًا تجاه السندات الفرنسية، فقد ارتفعت عوائد السندات لأجل عشر سنوات إلى مستويات قاربت نظيراتها الإيطالية، بل تجاوزتها في بعض الفترات، وهو تطور تاريخي يعكس فقدان المستثمرين الثقة في ملاءة فرنسا المالية.

ضغوط اجتماعية

لا تنحصر الأزمة الفرنسية في الأرقام الاقتصادية فقط، بل تتجلى يوميا في الشارع؛ فبحسب بيانات رسمية، يعيش أكثر من 10.5 مليون فرنسي تحت خط الفقر، أي نحو 15% من السكان، فيما يعاني الاقتصاد من بطالة تطال أكثر من 3.5 مليون شخص.

والقطاع الخاص بدوره يمر بمرحلة ركود ممتد للشهر الحادي عشر على التوالي، ما يعكس ضعف الاستثمارات وتراجع ثقة الشركات، ومع شيخوخة السكان -إذ تجاوز عدد من هم فوق 65 عامًا 14 مليون شخص- يتعاظم الضغط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، ما يفاقم الضغوط على الموازنة.

خطط إنعاش تصطدم بالانقسام

الحكومة الفرنسية وضعت خطة إنعاش تستهدف توفير 48 مليار دولار في موازنة 2026 وخفض العجز إلى 4.6% من الناتج المحلي، غير أن تنفيذ هذه الخطة يصطدم بواقع سياسي منقسم بشدة داخل البرلمان، فالمعارضة اليمينية ترفض أي زيادات ضريبية، فيما ترى الأحزاب اليسارية أن إجراءات التقشف ستؤدي إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي.

وبين هذا وذاك، يجد ماكرون نفسه عاجزًا عن تمرير سياسات مالية متماسكة، ما يعزز مخاوف وكالات التصنيف والمستثمرين من “شلل سياسي” دائم.

اقرأ أيضًا: الانهيار المالي في فرنسا يثير الرعب في أوروبا بأكملها

تداعيات أوروبية واسعة

فرنسا ليست اقتصادًا هامشيًا يمكن عزله، إنها ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، وصاحبة أكبر سوق سندات بعد ألمانيا، وأي اهتزاز في ثقة المستثمرين تجاه باريس ينعكس تلقائيًا على شركائها في الجنوب الأوروبي مثل إسبانيا وإيطاليا والبرتغال.

كما أن التاريخ القريب يذكرنا بأزمة الديون السيادية 2010-2012، حين تحولت اليونان إلى بؤرة عدوى امتدت سريعًا إلى بقية التكتل، واليوم يخشى المستثمرون من أن تتحول باريس إلى “أثينا جديدة”، لكن مع وزن اقتصادي أكبر بكثير.

دور البنك المركزي الأوروبي

يقف البنك المركزي الأوروبي أمام معضلة حقيقية، فهل يستمر في سياسة التشديد النقدي لمكافحة التضخم، أم يتدخل لإنقاذ سوق السندات الفرنسية، كما فعل مع إيطاليا واليونان سابقًا؟ أي تدخل واسع لدعم باريس سيُقابل بمقاومة سياسية من دول الشمال الداعية للانضباط المالي، لكنه في الوقت ذاته ضروري لحماية استقرار اليورو.

ومن المرجح أن يعتمد البنك في المدى القريب على رسائل توجيهية قوية وضبط توقعات السوق، مع استعداد تقني لتفعيل أدوات التدخل المستهدف إذا استدعت الضرورة.

المشهد الفرنسي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات، الأول أن تنجح الحكومة الجديدة في تمرير موازنة مقبولة عبر تسويات سياسية، ما يمنح الأسواق بعض الاطمئنان، والثاني أن يستمر الجمود البرلماني، فتدخل البلاد في مرحلة “الخدمات المصوّت عليها”، حيث تُجمّد التدابير المالية الجديدة، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من خفض التصنيف، أما السيناريو الثالث والأخطر فهو انفجار أزمة ثقة واسعة تدفع المستثمرين إلى بيع السندات الفرنسية بكثافة، ما يهدد استقرار منطقة اليورو بأكملها.

اقرأ أيضًا: صعود دول جنوب أوروبا على ألمانيا وفرنسا في تحول اقتصادي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة