قانون الإيجار القديم.. توفير سكن بديل للمستأجرين

أشعل التصديق الرئاسي على تعديلات قانون الإيجار القديم نقاشًا واسعًا داخل الأوساط التشريعية والاجتماعية في مصر، بعد أن أنهى الرئيس عبد الفتاح السيسي جدلًا استمر لعقود، بصدور القانون رقم 164 لسنة 2025، إلى جانب القانون رقم 165 الخاص بتعديل أحكام القانون رقم 4 لسنة 1996، والذي ينظم العلاقة بين المالك والمستأجر في الأماكن التي لم يسبق تأجيرها أو انتهت عقود إيجارها دون أن يكون لأحد حق البقاء فيها.

وضع القرار التشريعي الحاسم إطارًا قانونيًا جديدًا يعيد هيكلة أحد أكثر الملفات العقارية حساسية في مصر، ويحمل في طياته مزيجًا من الحسم القانوني والبعد الإنساني.

خطة حكومية لحصر المتضررين وتوفير وحدات بديلة

استجابةً فورية لتطبيق القانون، أعلنت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية عن إطلاق خطة متكاملة تستهدف حصر المستأجرين المتأثرين بهذه التعديلات، مع العمل على توفير وحدات بديلة تتناسب مع قدراتهم المالية.

وأوضحت الوزارة أن عملية تسعير هذه الوحدات ستتم بناءً على الدخل الرسمي للمستأجر، مع التزام الدولة بسداد الفارق بين القيمة الإيجارية الجديدة وما يستطيع المواطن دفعه، دعمًا للفئات محدودة ومتوسطة الدخل.

كما أطلقت الوزارة موقعًا إلكترونيًا مخصصًا لتسجيل رغبات المتضررين من إنهاء العقود، وهو ما اعتُبر خطوة تنظيمية تهدف لحصر الأعداد المستحقة للدعم السكني خلال الفترة الانتقالية التي حددها القانون بسبع سنوات للوحدات السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية.

وزير الإسكان: بدائل متعددة لحماية الأسر وعدم المساس بأمنها السكني

من جانبه، أكَّد الدكتور شريف الشربيني، وزير الإسكان، أن الدولة لن تسمح بأن تتأثر أي أسرة بشكل سلبي نتيجة هذه التعديلات، مشددًا على أن جميع البدائل السكنية ستُقدَّم وفقًا لمستوى دخل الأسر المتضررة وقدرتها على الدفع، وأنه تم وضع خطة مرنة لتناسب شرائح المجتمع المختلفة، بما يضمن استقرارهم وعدم تهديد أمنهم السكني.

كما أشار الوزير إلى أنَّ الحلول المطروحة تتضمن صيغًا متنوعة مثل الإيجار المدعوم، ونظام الإيجار التمليكي الممتد لثلاثين عامًا، بالإضافة إلى التمويل العقاري بضمانات ميسرة، مع مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية لكل حالة على حدة.

وأضاف أن توزيع هذه الوحدات سيجري بمنتهى الشفافية، من خلال قاعدة بيانات مركزية مرتبطة ببرامج الحماية الاجتماعية المعتمدة مثل “تكافل وكرامة” وأنظمة المعاشات، لضمان توجيه الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

اقرأ التفاصيل الكاملة حول التمويل العقاري في مصر

تعديل القيمة الإيجارية للعقارات ورفع تدريجي للأسعار

دخل القانون الجديد حيز التنفيذ، حيث نص صراحةً على التزام المستأجر أو من ينوب عنه بإخلاء الوحدة في نهاية المدة المحددة، سواء كانت سكنية أو غير سكنية، وإعادتها إلى المالك، كما منح القانون القضاء سلطة إصدار أوامر بالطرد في حال الامتناع عن الإخلاء، دون الإخلال بحق المالك في المطالبة بالتعويض.

وقد أعاد القانون النظر في القيمة الإيجارية للعقارات الخاضعة له، حيث تمت مراجعتها لتواكب الواقع الاقتصادي، وتم تحديد نسب زيادة تراعي طبيعة المناطق، مع رفع الإيجار في المناطق المتميزة إلى عشرين ضعف القيمة الحالية، وفي المناطق المتوسطة والاقتصادية إلى عشرة أضعاف.

بينما تقرر رفع القيمة الإيجارية للوحدات غير السكنية إلى خمسة أضعاف، مع زيادة سنوية دورية بنسبة 15٪ خلال الفترة الانتقالية، بما يضمن تصحيح تدريجي للخلل التاريخي دون أن يُحدث صدمة اجتماعية أو اضطراب في منظومة السكن.

قد يهمّك أيضًا: علاوات تحسين ورسوم تنازل تُربك السوق العقاري المصري

القانون الجديد يجسّد مفهوم العدالة الاجتماعية

من جهته، وصف الخبير القانوني محمد حامد القانون بأنه نقلة نوعية في التشريع المصري، مشيرًا إلى أنه يمثل معالجة عادلة ومتكاملة لاختلالات هيكلية لطالما عطّلت تحقيق التوازن بين المالك والمستأجر، بل وتسببت في انهيار جزء كبير من سوق العقارات في مصر.

واعتبر أنَّ القانون جاء بعد سنوات من الحوار المجتمعي والنقاشات المطولة داخل البرلمان، والتي شارك فيها ممثلون عن أطراف العلاقة الإيجارية كافة، إلى جانب الخبراء القانونيين والاقتصاديين، وأكَّد حامد أنَّ ما يميز هذا القانون عن غيره أنه لا يقتصر على فرض التزامات على المستأجرين، بل يضع الدولة في قلب المعادلة، من خلال تقديم بدائل عملية تراعي البعد الإنساني، وتُجَسّد المفهوم الحقيقي للعدالة الاجتماعية في السياسات العامة.

حكم المحكمة الدستورية مهد الطريق للتعديل

ربط حامد القانون الجديد بالحكم التاريخي الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في نوفمبر من العام الماضي، والذي قضى بعدم دستورية بعض نصوص قانون الإيجار القديم رقم 136 لسنة 1981، حيث اعتبرت المحكمة أن تثبيت القيمة الإيجارية عند نسب لا تتجاوز 7٪ من قيمة الأرض، استنادًا لتكلفة البناء وقت الترخيص، هو اعتداء على مبدأ العدالة، ويؤدي إلى إهدار حق الملكية، خاصة في ظل التآكل المستمر للقيمة الشرائية وانخفاض عوائد الاستثمار العقاري، ما يجعل الإبقاء على تلك القيم المجمدة بمثابة مصادرة غير مباشرة لحقوق الملاك، دون تعويض أو مبرر مشروع.

اقرأ المزيد حول حكم الدستورية العليا لسوق العقارات في مصر، نوفمبر 2024

حملة توعية موسعة لتفسير بنود القانون للمواطنين

قال المستشار أحمد البحيري، المستشار القانوني لرابطة ملاك الإيجار القديم، إنَّ القانون لا يجب أن يتم فهمه على أنه انتصار لطرف على حساب طرف آخر، وإنما هو تصحيح لمسار تشريعي اختل لفترة طويلة، وكان على الدولة أن تتدخل لإعادة التوازن بعد أن تحمل الملاك أعباء غير منطقية لعقود.

وأضاف البحيري أن التصديق الرئاسي على تعديلات قانون الإيجار القديم ليس قرارًا إداريًا مفاجئًا، بل تتويجًا منطقيًا لخط تشريعي بدأ منذ سنوات، وكان للرئيس السيسي دور محوري في تحريكه، بعدما وضع هذا الملف على طاولة مؤسسات الدولة وحوّله من قضية مُهملة إلى أولوية وطنية.

وفي سياق متصل، أشار البحيري إلى أنّ وزارة الإسكان تستعد لإطلاق حملة إعلامية شاملة خلال الأيام القليلة المقبلة تهدف إلى توعية المواطنين بتفاصيل القانون الجديد، وشرح خطوات التسجيل الإلكتروني، وشروط الحصول على وحدة سكنية بديلة، وآليات تحديد الدعم المناسب لكل حالة.

كما تشمل الحملة تقديم نماذج عملية للتجارب الناجحة في الانتقال من وحدات الإيجار القديم إلى أخرى جديدة بنظام مدعوم، بهدف تعزيز الثقة في التوجه الحكومي الجديد وتبديد المخاوف لدى المواطنين.

وفي ختام تصريحاته، يقول محمد حامد: “رغم أنَّ القانون لا يزال في بدايات تطبيقه، إلا أنَّ ملامحه تشير إلى أنه سيفتح بابًا لتحديث شامل في سوق الإيجارات المصري، الذي عانى لسنوات طويلة من الجمود وفقدان الثقة بين الأطراف”. 

قد يهمّك أيضًا: قراءة تحليلية في موازنة مصر 2025/2026.. أرقام متضاربة وجدالات محتدمة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة