شهد مجلس النواب المصري جلسة برلمانية استثنائية اتسمت بالسخونة والتوتر خلال مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2025/2026، في ظل تصاعد الانتقادات لنهج الحكومة في إدارة ملفي الدين العام والإنفاق، ووسط غياب لافت لعدد من الوزراء المعنيين عن بداية الجلسة، مما أثار موجة غضب بين النواب.
وقد افتتح الجلسة رئيس البرلمان المستشار حنفي جبالي بتوجيه انتقادات حادة لتأخر كل من وزير المالية، أحمد كجوك، ووزيرة التخطيط، رانيا المشاط، عن الحضور، معتبراً ذلك تجاوزاً غير مقبول في ظل أهمية الجلسة، كما رفض جبالي تدخل وزير الشؤون النيابية لتبرير الغياب.
موازنة دون خطة حقيقية لمعالجة الدين العام
سرعان ما تحولت الجلسة إلى ساحة نقاش سياسي واقتصادي محتدم، حيث عبّر عدد من النواب عن رفضهم لمشروع الموازنة، معتبرين أنه يعكس استمرار الحكومة في تبني سياسة الاقتراض المفرط دون خطة حقيقية لمعالجة الدين العام المتصاعد، بينما حاول نواب آخرون تبرير النهج الحكومي بظروف دولية استثنائية تتطلب تماسكاً وطنياً في مواجهة التحديات.
وفي هذا السياق، وصفت النائبة مها عبد الناصر، عن الحزب المصري الديمقراطي، بدء الجلسة دون حضور الوزيرين المعنيين بأنه “إساءة للمجلس”، كما أعلنت رفضها لمشروع الموازنة بسبب ما وصفته “بتغول فوائد الدين”، مشيرة إلى أن 65% من الاستخدامات المدرجة بالموازنة موجهة لسداد الفوائد وخدمة الدين.
وفي أرقام الموازنة، قدرت الحكومة الإيرادات العامة بحوالي 3.1 تريليون جنيه (61 مليار دولار) بنمو 19%، بينما بلغت المصروفات 4.6 تريليون جنيه (91.1 مليار دولار) بزيادة 18%، ما يترجم إلى عجز كلي قدره 1.5 تريليون جنيه (29.6 مليار دولار)، مما يثير تساؤلات حول كيفية تمويل هذا العجز في ظل ارتفاع أسعار الفائدة داخليًا وخارجيًا.
أما النائب ضياء الدين داود، فقد اعتبر أنَّ الموازنة “لا تسعى إلى تقليص الدين بل لإدارة صفقات لا يشعر المواطن بنتائجها”، فيما انتقد النائب محمد عبد العزيز ارتفاع فوائد الدين بنسبة 25%، وعلَّق قائلاً: “الطفل المصري الذي يولد اليوم مدين بـ41 ألف جنيه”، في إشارة رمزية لحجم الاقتراض العام.
ومن جهته، أكَّد النائب محمد بدراوي أن الدولة تُنفق 80 قرشاً من كل جنيه تحصل عليه في صورة فوائد للديون، مضيفاً أنَّ ما يتبقى لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، مما يضطر الحكومة إلى العودة مجدداً إلى الاستدانة من أجل تمويل مشروعات مثل المدارس والمستشفيات.
التعليم والصحة خارج أولويات الموازنة؟
تطرقت النقاشات إلى مسألة الالتزام الدستوري بالإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم، حيث أشار عدد من النواب إلى عدم التزام الحكومة بالنسبة المنصوص عليها في الدستور، وهي 3% من الناتج القومي لقطاع الصحة، و4% للتعليم قبل الجامعي، و2% للتعليم الجامعي والبحث العلمي.
وعلى الرغم من إعلان الحكومة عن تخصيص ما يقرب من 1.043 تريليون جنيه للتعليم، فإن نحو نصف هذا الرقم يذهب لسداد فوائد الدين، ما دفع النائب أحمد فرغلي إلى اتهام الحكومة بالتحايل على النصوص الدستورية من خلال إدراج أرقام غير دقيقة ضمن مخصصات القطاعات الاجتماعية.
نواب دافعوا عن مشروع الموازنة الجديد
في المقابل، تولّى نواب الأغلبية البرلمانية الدفاع عن مشروع الموازنة، معتبرين أن الدولة تمر بمرحلة دقيقة تفرض التضامن بدلاً من الانتقاد، حيث قال الدكتور عبد الهادي القصبي، زعيم الأغلبية، إنَّ الشعب المصري “يزداد صلابة في مواجهة الأزمات”، وأشاد بتعاون الحكومة مع البرلمان، مشيراً إلى استجابة الحكومة لبعض المطالب البرلمانية، ومنها تخصيص 5 مليارات جنيه للعلاج على نفقة الدولة و3 مليارات للمستشفيات.
وبدوره، دعا النائب سليمان وهدان إلى تمرير الموازنة، قائلاً: “المواطن يحتاج إلى رسالة طمأنة أكثر من حاجته للأرقام”، بينما رأى النائب عمرو درويش أن الظرف السياسي والاقتصادي يفرض الموافقة على الموازنة، رغم التحفظات، حفاظًا على الاستقرار العام.
تضخم متزايد وضغوط على الجنيه
تأتي هذه المناقشات في وقت تشهد فيه مصر تحديات اقتصادية مضاعفة بفعل ارتفاع معدلات التضخم، واستمرار الضغوط على الجنيه المصري، وضعف الاستثمار الأجنبي المباشر، وسط مساعٍ حكومية لإعادة هيكلة الاقتصاد وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي، وهي أهداف لا يزال طريق تحقيقها محفوفاً بالانتقادات والعقبات.
وفي تعليقه على مشروع الموازنة الجديدة، أكد الدكتور ناصر عبد المهيمن، الخبير الاقتصادي، أن الموازنة العامة للدولة تُعد أداة رئيسية تعكس برنامج الحكومة المالي والاقتصادي للسنة المالية المقبلة، موضحاً أنها تمثل بياناً تقديرياً تفصيلياً للإيرادات العامة المتوقعة، والمصروفات المقررة التي يجب إنفاقها، في إطار تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
واعتبر أن الموازنة لا تقتصر على كونها خطة مالية، بل إنها تمثل أيضًا مرآة للسياسات العامة، وأداة للمساءلة والمراجعة تجاه مدى التزام الدولة بتحقيق أولويات المواطنين.
اقرأ المزيد: ضغوط الشرق الأوسط تلهب سعر الدولار في مصر
قراءة تفصيلية في موازنة مصر 2026
أشار عبد المهيمن إلى أن مشروع موازنة مصر للعام المالي 2025/2026، والذي أقره مجلس الوزراء وتمت إحالته إلى البرلمان، يُظهر توازنًا صعبًا تسعى الدولة لتحقيقه بين الإيرادات والمصروفات وسط تحديات إقليمية ودولية ضاغطة، وقال: “الإيرادات المتوقعة بلغت نحو 3.1 تريليون جنيه، بزيادة قدرها 19% عن موازنة العام الماضي، في حين وصلت المصروفات إلى 4.6 تريليون جنيه، بزيادة 18%، وهو ما يترتب عليه عجز كلي متوقع بنحو 1.49 تريليون جنيه”.
كما أوضح عبد المهيمن أنَّ الجزء الأكبر من الإيرادات، وتحديدًا ما نسبته 84% منها، سيأتي من الضرائب التي تستهدف الحكومة تحصيل نحو 2.6 تريليون جنيه منها، دون فرض أعباء ضريبية جديدة، لكن من خلال توسيع القاعدة الضريبية وإدخال الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة، بجانب تفعيل أدوات التحصيل الإلكتروني وتحديث آليات التفتيش.
وعن مكونات الإنفاق، أكَّد عبد المهيمن أن الموازنة الجديدة منحت أولوية واضحة لبند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، والذي بلغت مخصصاته نحو 733 مليار جنيه، بزيادة 15% عن العام السابق. وتابع: “تم تخصيص 160 مليار جنيه لدعم رغيف الخبز والسلع التموينية، بزيادة 20%، كما ارتفعت مخصصات برنامج تكافل وكرامة إلى 54 مليار جنيه، بزيادة 15%، إلى جانب 75 مليار جنيه لدعم المواد البترولية، و75 ملياراً أخرى لدعم الكهرباء، فضلاً عن 3.5 مليار جنيه لدعم توصيل الغاز الطبيعي للمنازل”.
وفيما يتعلق بأجور العاملين بالجهاز الإداري للدولة، أشار الخبير الاقتصادي إلى أنَّها استحوذت على نحو 680 مليار جنيه، بزيادة 18% عن العام الجاري، في حين بلغ بند خدمة الدين (فوائد وأقساط) نحو 1.8 تريليون جنيه، أي ما يعادل تقريباً 47% من إجمالي المصروفات.
وأضاف: “هذه النسبة الكبيرة المخصصة لسداد الديون تؤكد حجم التحدي الذي تواجهه الدولة في إدارة المديونية العامة، لا سيما في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً، وتأثير ذلك على تكلفة الاقتراض داخليًا وخارجيًا”.
اقرأ آخر التقارير حول أسباب خفض أسعار الفائدة في مصر 2025
أهداف الموازنة المصرية 2025
أشار الخبير الاقتصادي إلى أن الحكومة وضعت مجموعة من الأهداف الرئيسية التي تسعى لتحقيقها من خلال هذه الموازنة، تشمل: تحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز معدلات الإنتاج، وتحسين جودة الخدمات العامة، ودعم البنية التحتية في قطاعات استراتيجية لجذب الاستثمارات، مع التركيز على دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها ركيزة أساسية لخلق فرص العمل وتحقيق تنمية مستدامة.
وشدد على أنَّ إعداد موازنة بهذا الحجم وسط هذه الظروف ليس بالأمر الهيّن، قائلاً: “العالم يمر بحالة من الاضطراب الاقتصادي بسبب الأزمات الجيوسياسية وتباطؤ حركة التجارة العالمية، وتأثر مصر المباشر بما يحدث في الإقليم، سواء على مستوى حركة الملاحة في قناة السويس أو على صعيد السياحة”.
واختتم عبد المهيمن تصريحاته بالتأكيد على أن موازنة 2025/2026 تُعد الأكبر في تاريخ مصر من حيث الحجم الكلي، وتعكس في الوقت ذاته رغبة واضحة لدى الدولة في الاستمرار في مسار الإصلاح المالي والاقتصادي، رغم التحديات الداخلية والخارجية، معتبراً أن التوازن بين تحقيق الحماية الاجتماعية والحفاظ على الاستقرار المالي يظل أحد أكبر الرهانات أمام الحكومة في العام المقبل.
اقرأ أيضًا: التصعيد الإيراني الإسرائيلي يضع الاقتصاد المصري أمام اختبارات قاسية