قراءة في تقرير صندوق النقد الدولي لخريف 2025
في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي اضطرابات متتالية بسبب النزاعات التجارية وتزايد التوترات الجيوسياسية، طرح صندوق النقد الدولي رؤيته الجديدة حول واقع وآفاق اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مؤكدًا أن المنطقة أظهرت قدرة لافتة على الصمود في وجه الأزمات العالمية، لكنها ما زالت تواجه اختبارات قاسية تتعلق بالاستدامة والإصلاح الهيكلي.
التقرير الصادر في أكتوبر 2025 تحت عنوان (المرونة وسط حالة عدم اليقين: هل ستستمر؟) يعرض الوضع الاقتصادي، وسط احتمالات التفاؤل الحذر والمخاطر المحتملة، ويكشف عن اتجاهات مقلقة في موازين التجارة، ومستقبل الطاقة، والسياسات المالية والنقدية في المنطقة.
صندوق النقد الدولي: مرونة غير متوقعة في عام مليء بالعواصف
أكَّد التقرير أنَّ اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان (MENAP)، إضافة إلى دول القوقاز وآسيا الوسطى (CCA)، حافظت على أداء قوي خلال عام 2025، رغم بيئة دولية معقدة اتسمت بتشديد السياسات النقدية عالميًا وعودة التوترات في الشرق الأوسط، بما في ذلك الاشتباك القصير بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي.
وأشار الصندوق إلى أن المنطقة نجحت في تفادي الصدمات المباشرة الناجمة عن ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، مستفيدة من ديناميكيات داخلية قوية ومصادر دعم متنوعة؛ فالدول المصدّرة للنفط، خاصة في الخليج، حققت مكاسب من تسريع وتيرة إنهاء تخفيضات “أوبك+”، بينما استفادت الدول المستوردة للنفط من انخفاض الأسعار، وارتفاع التحويلات المالية، وانتعاش السياحة، وتحسن الاستثمارات في قطاعات البنية التحتية والزراعة.
في آسيا الوسطى، واصل النمو مفاجأته الإيجابية مدفوعًا بالطلب المحلي، والتوسع الائتماني، وصادرات الطاقة، وهو ما جعل المنطقة ضمن الأسرع نموًا عالميًا. ورغم تشدُّد السياسات النقدية للحد من التضخم، بقيت الأوضاع المالية مواتية نسبيًا، إذ تراجعت فروق العائد على السندات السيادية وارتفعت الثقة في الأسواق، ما أتاح لعدد من الدول الوصول إلى التمويل الدولي بسهولة أكبر.
تحولات النفط والتجارة.. صعود إنتاجي وضغوط سعرية
رصد التقرير تطورات مهمة في قطاع الطاقة، أبرزها تسارع إنتاج النفط بعد أن قررت دول “أوبك+” إنهاء التخفيضات الطوعية التي كانت قد فرضت عام 2023، وخلال النصف الأول من عام 2025 ارتفع إنتاج دول مجلس التعاون الخليجي بنحو مليون برميل يوميًا، بينما بقي إنتاج الدول غير الخليجية ثابتًا بسبب العقوبات والقيود الفنية. ورغم التوتر الإيراني الإسرائيلي في منتصف العام، بقيت أسعار النفط في نطاق 60 إلى 70 دولارًا للبرميل، وهو ما ساعد على استقرار أسواق الطاقة دون موجات تضخمية حادة.
أما في التجارة، فقد أدى انتهاء فترة تجميد الرسوم الأمريكية إلى رفع متوسط التعرفة الجمركية على واردات المنطقة إلى ما بين 10 و15 في المئة، لكن تأثير ذلك بقي محدودًا، حيث لا تمثل السوق الأمريكية أكثر من 4.5% من تجارة المنطقة الإجمالية، وفي المقابل شهدت الصادرات إلى الصين والاتحاد الأوروبي نموًا قويًا، كما توسعت التجارة البينية العربية والآسيوية، خصوصًا بين دول الخليج ومصر والمغرب.
وفيما يتعلّق بحركة التجارة عبر قناة السويس فإنّها تُعاني من آثار الانكماش الحاد الذي شهده عام 2024 بسبب التحويلات الملاحية المرتبطة بالحرب في غزة والبحر الأحمر.
اقرأ أيضًا: كيف ينعكس وقف الحرب على غزة على الاقتصاد المصري؟
تحويلات قوية وسياحة تنتعش من جديد
أحد أبرز العوامل التي ساعدت الاقتصادات المستوردة للنفط هو الارتفاع الملحوظ في تحويلات العاملين بالخارج، وخاصة في مصر وباكستان، حيث سجلت التدفقات المالية زيادات كبيرة ساهمت في تحسين موازين المدفوعات ودعم استقرار العملة المحلية.
وفي المقابل، شهدت وجهات سياحية رئيسية مثل مصر والمغرب وتونس تعافيًا قويًا في أعداد الزائرين، ما أعاد إنعاش قطاعي الخدمات والفندقة بعد سنوات من الاضطراب.
وفي آسيا الوسطى، ارتفعت التحويلات إلى قرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان بشكل لافت منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، نتيجة انتقال جزء من الأنشطة الاقتصادية الروسية إلى هذه الدول، بينما استقرت التدفقات في أرمينيا وجورجيا عند مستويات مرتفعة.
الأسواق المالية تستعيد الثقة
أشار التقرير إلى أن عام 2025 شهد تحسنًا في تدفقات رؤوس الأموال إلى المنطقة، حيث تجاوزت إصدارات السندات السيادية 36 مليار دولار حتى سبتمبر، وهو رقم قريب من إجمالي العام السابق، كما انخفضت فروق العائد على الديون السيادية إلى ما دون مستويات ما قبل الجائحة في بعض الحالات، ما يعكس ثقة متزايدة في استقرار السياسات.
وقد ساعد ضعف سعر الصرف في عدد من الدول على تعزيز القدرة التنافسية للصادرات، فيما واصل القطاع الخاص الحصول على التمويل بوتيرة قوية لدعم مشروعات التنويع الاقتصادي والبنية التحتية.
نمو متفاوت وتضخم متباين
على الرغم من بيئة عدم اليقين، تسارع نمو الناتج المحلي في أغلب اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى خلال النصف الأول من 2025، وقد جاء النمو في الخليج مدعومًا بالطلب المحلي والمشروعات غير النفطية، بينما استفادت الدول المستوردة للنفط مثل مصر والأردن والمغرب من الانتعاش السياحي وتحسن الزراعة والاستثمار. وفي آسيا الوسطى، واصلت كازاخستان وأوزبكستان النمو القوي بفضل التوسع الائتماني، بينما تباطأ النمو قليلًا في أذربيجان وأرمينيا نتيجة تباطؤ الاستثمار العام.
أما التضخم، فشهد اتجاهات متباينة؛ إذ انخفض في معظم دول الشرق الأوسط إلى مستويات قريبة من المستهدفات بفضل تراجع أسعار الغذاء والطاقة، في حين ارتفع في آسيا الوسطى بسبب إصلاحات التعرفة الكهربائية وضغوط الأسعار المستوردة من روسيا. ويظل معدل التضخم في إيران الأعلى في المنطقة متأثرًا بانخفاض العملة والعقوبات وضعف الانضباط المالي، بينما استقرت الأسعار في دول الخليج بمتوسط لا يتجاوز 2% سنويًا.
نقاط الضوء في خريطة الصراعات
رغم الخلفية الجيوسياسية المضطربة، أشار التقرير إلى بعض المؤشرات الإيجابية في مناطق النزاع؛ حيث شهد لبنان هدنة نسبية منذ نوفمبر 2024 أعادت بعض الأمل بإعادة الإعمار، فيما بدأت سوريا مرحلة انتقال سياسي أعادت فتح آفاق اقتصادية بعد سنوات من الحرب، وفي اليمن ما يزال اتفاق الهدنة مع الولايات المتحدة صامدًا منذ مايو 2025، بينما يظل الوضع الإنساني في السودان وغزة مأساويًا مع ارتفاع أعداد المتضررين وتدمير البنى التحتية.
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو في المنطقة إلى 3.2% خلال عام 2025 مقارنة بـ2.1% في العام السابق، بفضل زيادة إنتاج النفط واستمرار الإصلاحات وتحسن الثقة الاستثمارية، كما تم رفع توقعات آسيا الوسطى إلى 5.6% بفضل الطلب المحلي القوي والإنتاج الهيدروكربوني.
ويتوقع أن تواصل اقتصادات الخليج تسارعها لتصل إلى نحو 4.1% في 2026-2027 مدفوعة بالنمو غير النفطي ومشروعات التنويع، ثم تعود إلى وتيرة أكثر اعتدالًا مع استقرار أسعار النفط، أما الدول غير الخليجية المصدّرة للنفط، مثل العراق والجزائر، فستظل رهينة لإيقاع السوق النفطية وضعف التنويع الاقتصادي. في المقابل، من المتوقع أن تستفيد الدول المستوردة للنفط مثل مصر والأردن والمغرب من ثمار الإصلاحات الهيكلية واستقرار السياسات النقدية، فيما سيواجه السودان والصومال تحديات تمويلية وإنسانية حادة.
على صعيد الحسابات الجارية، رجّح التقرير أن تتقلص فوائض دول الخليج تدريجيًا من 7.1% من الناتج المحلي في 2024 إلى نحو 3.7% بحلول 2030، نتيجة تراجع عائدات النفط وزيادة الواردات المرتبطة بمشروعات التنويع، أما مصر والأردن فمن المتوقع أن تتحسن أوضاعهما الخارجية تدريجيًا بفضل تعافي السياحة والصادرات، بينما قد تتسع العجوزات في تونس والمغرب بسبب ارتفاع الاستيراد استعدادًا لتنظيم مونديال 2030.
تراجع التضخم واستقرار السياسات
رجّح الصندوق أن يتراجع التضخم في أغلب دول المنطقة خلال 2025/2026، مع استمرار تشديد السياسة النقدية وتراجع أسعار الغذاء والطاقة، حيث يتوقع التقرير أن تنخفض معدلات التضخم في مصر تدريجيًا مع تراجع أثر خفض العملة وإصلاحات أسعار الطاقة، فيما ستواجه تونس ضغوطًا تضخمية محدودة نتيجة استمرار تمويل العجز عبر أدوات نقدية.
أما في باكستان فمن المرجح أن يعود التضخم إلى الارتفاع في 2026،وذلك بعد انتهاء الدعم المؤقت للكهرباء، وفي آسيا الوسطى سيبدأ التضخم بالانخفاض مجددًا في 2026 مع تباطؤ الطلب، باستثناء تركمانستان وطاجيكستان حيث قد يظل مرتفعًا نسبيًا بسبب زيادة الإنفاق الحكومي وارتفاع الأجور.
إصلاحات أعمق لمرونة أطول
حذَّر التقرير من أنَّ المرونة الحالية ليست مضمونة إذا لم تواصل الحكومات سياساتها الحصيفة؛ فالمخاطر العالمية ما زالت قائمة، من تباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع تكاليف التمويل إلى مخاطر المناخ والنزاعات المتكررة. ويرى الصندوق أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتقوية “الوسائد المالية” وبناء احتياطيات إضافية في مواجهة الأزمات المستقبلية، كما يشدد على ضرورة تعزيز استقلالية البنوك المركزية لتحسين كفاءة السياسة النقدية ورفع ثقة المستثمرين.
أما على المدى الطويل، فيوصي التقرير بتسريع برامج تنويع الاقتصاد وتطوير القطاع الخاص، معتبرًا أن المستقبل الاقتصادي للمنطقة يعتمد على قدرتها في الانتقال من الاقتصادات الريعية إلى منظومات إنتاجية مبتكرة قادرة على خلق وظائف مستدامة.
ولخص صندوق النقد الدولي موقفه بسؤال واحد محوري: هل ستستمر هذه المرونة؟ الإجابة، كما يعرضها التقرير، تعتمد على قدرة الدول على تحويل الاستقرار الحالي إلى نمو مستدام قائم على الإصلاح المؤسسي والانضباط المالي والانفتاح الاقتصادي.
ووفقًا للتقرير، لم يعد الشرق الأوسط ساحة للاستهلاك والتقلبات فحسب، بل بات إحدى الركائز الحيوية في الاقتصاد العالمي، بما يملكه من موارد بشرية وطبيعية واستثمارات عابرة للحدود، لكن بقاء هذه المكانة يتطلب شجاعة سياسية في الإصلاح وواقعية اقتصادية في مواجهة الأزمات.
اقرأ أيضًا: صندوق النقد يحذر من انفجار قنبلة الديون العالمية رغم النمو الاقتصادي
