قرار حظر السفر لأمريكا شمل 12 دولة وتقييدات على سبع دول أخرى
دخل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمنع دخول مواطني 12 دولة إلى الولايات المتحدة حيّز التنفيذ، وذلك وفقًا لما حدده الإعلان الرئاسي الذي نصّ على بدء تطبيق قرار حظر السفر لأمريكا الذي يشمل 12 دولة صباح الاثنين الماضي، 9 يونيو 2025. ووفقًا لما ورد في البيان الرئاسي، فإن الهدف من الحظر هو “حماية الولايات المتحدة من إرهابيين أجانب وتهديدات محتملة للأمن القومي”.
وبررت الإدارة الأمريكية قرارها بأن الدول المشمولة بالحظر تعاني من قصور في الأنظمة الإدارية المعنية بتدقيق هويات المسافرين، ما يصعّب على السلطات الأمريكية التحقق من خلفياتهم الأمنية، كما أشارت إلى وجود نمط متكرر من بقاء بعض مواطني هذه الدول في الولايات المتحدة بعد انتهاء مدة تأشيراتهم، ما يشكل خطرًا على النظام القانوني للهجرة.
قرار حظر السفر الأمريكي: تفاصيل وتبريرات الإدارة
لم يقتصر الأمر على قائمة الحظر الكامل، إذ فرضت الإدارة الأمريكية أيضًا قيودًا جزئية على إصدار التأشيرات لمواطني سبع دول أخرى، وفي هذه الحالات لا يُمنع السفر تمامًا، لكن تم تقييد أنواع معينة من التأشيرات، بحسب ما تحدده وزارة الأمن الداخلي الأمريكية بالتنسيق مع الخارجية.
ومن جانبها أكدت وزارة الخارجية الأمريكية، أن السفارات والقنصليات الأمريكية حول العالم تلقَّت تعليمات واضحة بعدم إلغاء التأشيرات التي سبق إصدارها لمواطني الدول المشمولة بالحظر، لكن شدَّدت في الوقت نفسه على أن الطلبات التي تمت الموافقة عليها ولم تُطبع بعد، سيتم رفضها تلقائيًا.
وأضافت أنَّ قائمة الدول قد تخضع للتحديث في أي وقت، سواء بالحذف أو الإضافة، وفقًا لتقييم مستمر للتهديدات العالمية ومدى التزام الدول بتحسين أنظمتها الأمنية والتعاون مع واشنطن. وأوضحت أن أي دولة تُجري “تحسينات حقيقية” في آليات التحقق من المسافرين وتبادل المعلومات الأمنية قد يتم النظر في رفع اسمها من قائمة الحظر.
اقرأ أيضًا: ترامب يفعّل “اليد الحديدية” وسط احتجاجات لوس أنجلوس
الفئات المستهدفة وأبعاد القرار السياسي
في تعليقه على القرار، صرّح محمد خيري، خبير العلاقات السياسية، أن قرار حظر السفر لأمريكا يُعد امتدادًا لنهج سياسي قائم على توظيف ملف الهجرة لاستهداف دول معينة تحت ذريعة حماية الأمن القومي، مشيرًا إلى أنَّ هذا القرار يعيد إلى الأذهان نسخًا سابقة من حظر السفر الإسلامي التي واجهت اعتراضات قضائية، لكن ترامب يبدو هذه المرة أكثر حرصًا على الصياغة القانونية تحسبًا لأي طعون.
وأوضح الخبير أن القرار يستهدف بشكل مباشر 12 دولة يُمنع مواطنوها من الحصول على تأشيرات جديدة لدخول الولايات المتحدة، وهي: أفغانستان وميانمار وتشاد والكونغو وغينيا الاستوائية وإريتريا وهايتي وإيران وليبيا والصومال والسودان واليمن، وتُعد الغالبية العظمى من هذه الدول إسلامية أو ذات تركيبة ديموغرافية يغلب عليها الطابع المسلم، مما يُعيد الجدل حول توصيف القرار كنسخة محدثة من “حظر السفر الإسلامي”.
وتابع أنَّ القرار لا يقتصر على الحظر التام، بل يشمل أيضًا قيودًا جزئية على إصدار تأشيرات من سبع دول أخرى، وهي: بروندي، كوبا، لاوس، سيراليون، توغو، تركمانستان، وفنزويلا، حيث لن يُمنع إصدار التأشيرات بشكل كامل، ولكن ستُفرض قيود صارمة على أنواع معينة منها، ما يُعد شكلاً آخر من أشكال التضييق غير المعلن.
كما أشار إلى أن الحظر لا ينطبق على حاملي التأشيرات الحالية أو المقيمين بشكل قانوني في الولايات المتحدة، بمن فيهم أصحاب البطاقة الخضراء، غير أنه يغلق الباب أمام منح تأشيرات جديدة لمواطني هذه الدول، باستثناء بعض الحالات المحدودة، مثل المتعاونين مع القوات الأمريكية في أفغانستان، رغم أنه حتى هؤلاء مهددون بالإقصاء بموجب القرار الجديد.
انتقادات واسعة: دوافع سياسية ومخاطر مجتمعية
لفت محمد خيري إلى أنَّ الإدارة الأمريكية تبرر قرارها بـ”الدواعي الأمنية”، حيث تعتبر أن الدول المشمولة لا تتعاون بالشكل الكافي في تبادل المعلومات الأمنية، وأن أنظمتها تعاني من ضعف في التحقق من هوية المسافرين، مما يساهم –بحسب الادعاء الرسمي– في دخول أفراد قد يُقيمون لاحقًا بشكل غير قانوني بعد انتهاء مدة تأشيراتهم.
وقد حذَّر الخبير بدوره من أنَّ هذا الخطاب الأمني لا ينفصل عن السياق السياسي، مشيرًا إلى أن القرار أثار موجة كبيرة من الانتقادات من قبل منظمات حقوقية أمريكية وأعضاء ديمقراطيين في الكونغرس، الذين وصفوه بأنَّه قرار عنصري وتمييزي يتعارض مع القيم الدستورية للولايات المتحدة.
ونقل خيري عن نائبة أمريكية من أصل إيراني قولها إن “القرار معادٍ للأجانب، ويهدد الاقتصاد الأمريكي، ويقصي العقول المهاجرة التي ساهمت لعقود في نهضة أمريكا العلمية والتكنولوجية”.
كما أنّه ربط القرار بتوقيت سياسي دقيق، لا سيما أنه جاء بعد حادثة في ولاية كولورادو ارتكبها مهاجر ضد مظاهرة مؤيدة لإسرائيل، ما يثير شكوكًا قوية حول استغلال ترامب لهذا الحدث لتبرير قرار تم الإعداد له مسبقًا.
وفي السياق ذاته، أكَّد الخبير أن مؤسسات، مثل منظمة العفو الدولية، وصفت القرار بأنه استغلال سياسي فاضح لمخاوف الرأي العام، ومحاولة لشيطنة مجتمعات تعاني أصلًا من أزمات داخلية خانقة، كما أبدت مفوضية الاتحاد الأفريقي قلقها من التأثير السلبي المحتمل لهذا القرار.
مستقبل سياسات الهجرة الأمريكية
على الصعيد الآخر، أشار خيري إلى تصاعد الانتقادات لسياسات ترامب الاقتصادية، لا سيما المتعلقة بالضرائب وتقليص برامج الرعاية الصحية، وهي انتقادات لم تقتصر على المعارضين، بل شملت أيضًا حلفاء سابقين له مثل الملياردير إيلون ماسك، الذي انسحب من دعم الإدارة الأمريكية بسبب ما وصفه بسياسات مالية تُفاقم الدين العام وتُضر بالفئات الفقيرة.
ورأى الخبير أنّ القرار الأخير ليس معزولًا، بل يأتي ضمن توجه أوسع لإدارة ترامب في شن حملة منهجية ضد الهجرة، سواء الشرعية أو غير الشرعية، متوقعًا خطوات تصعيدية مقبلة تشمل محاولات لإلغاء “حق الجنسية بالولادة”، وتعليق استقبال اللاجئين، والتدخل في استقلالية القضاء عبر الضغط لتسريع إجراءات الترحيل.
كما حذّر من أن القرار قد يواجه طعونًا قضائية كما حدث في نسخ سابقة، إلا أن ترامب يبدو هذه المرة أكثر استعدادًا للمواجهة القانونية، مستشهدًا بدعم المحكمة العليا لنسخة حظر السفر الثالثة عام 2018، وهو ما قد يُصعّب إلغاء القرار الحالي.
واختتم تصريحاته بالتساؤل حول مدى قدرة هذا القرار على الصمود أمام المراجعة القضائية والضغط السياسي، وما إذا كان سيُسهم فعليًا في تعزيز الأمن القومي أم أنه مجرد أداة سياسية.
وأشار إلى أن القرار، وإن كان لا ينطبق على حاملي التأشيرات الحاليين أو المقيمين بشكل قانوني، إلا أن تداعياته ستكون عميقة على آلاف الأسر التي تنتظر لمّ شملها، والطلاب المتميزين، واللاجئين الفارين من مناطق النزاع، الذين بات مستقبلهم معلقًا بين قرار سياسي قاسٍ وتشريعات هجرة معقدة.
قد يهمّك أيضاً: الأمريكيون يهاجرون إلى أوروبا رغم قيود الهجرة المتزايدة