في وقت تتصاعد فيه الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة على منشآت الطاقة داخل العمق الروسي، وتواصل إيرادات النفط والغاز في موسكو تراجعها إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، تتجه الأنظار إلى التأثيرات الاقتصادية المباشرة لهذه التطورات على قطاع الطاقة الروسي، وعلى قدرة روسيا على تمويل الحرب واستقرار اقتصادها.
وفي هذا الشأن، قال الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، إن التطورات الميدانية الأخيرة تكشف بوضوح أن الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة لم تعد مجرد أدوات عسكرية تكتيكية، بل تحولت إلى وسيلة ضغط اقتصادي مباشر تستهدف العمود الفقري لتمويل الحرب الروسية، والمتمثل في قطاع الطاقة، وأوضح أن كثافة الضربات ونطاقها الجغرافي يعكسان استراتيجية محسوبة تهدف إلى إنهاك الاقتصاد الروسي من الداخل، وليس فقط إرباكه عسكريًا.
وأضاف يوسف أن البيانات المتاحة تشير إلى تنفيذ أوكرانيا أكثر من 160 هجومًا خلال أحد عشر شهرًا باستخدام ما يزيد على 330 طائرة مسيّرة، قطعت مئات الكيلومترات لضرب منشآت نفطية داخل العمق الروسي، وهو ما يمثل تطورًا نوعيًا في طبيعة الصراع. ولفت إلى أن تكرار استهداف ميناء نوفوروسيسك، أكبر منفذ لتصدير النفط الروسي عبر البحر الأسود، يحمل دلالة اقتصادية واضحة، كونه نقطة اختناق رئيسة في حركة الصادرات.
كما أشار إلى أن الهجمات لم تقتصر على الموانئ، بل شملت مصافي تكرير، وخزانات وقود، ومستودعات، وشبكات أنابيب في عدة مناطق، في محاولة لضرب سلسلة القيمة الكاملة للطاقة من الإنتاج إلى التصدير.
كيف تأثر قطاع النفط الروسي بضربات أوكرانيا؟
وفقًا للتقديرات، طالت الضربات 21 مصفاة نفط روسية، ما أدى إلى فقدان نشاط التكرير أكثر من 20% من طاقته خلال شهر يوليو، وهو تراجع وصفه بـ”الحاد والخطير” لانعكاساته المباشرة على توافر الوقود وتوليد الكهرباء.
وقد أوضح يوسف أن هذا التراجع انعكس سريعًا على الأسواق، حيث هبطت صادرات الوقود الروسي إلى أدنى مستوياتها منذ اندلاع الحرب، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الروسي بشكل كبير على عائدات الطاقة، وأضاف أن المواجهة انتقلت أيضًا إلى مياه البحر الأسود، مع استهداف القوارب المسيّرة الأوكرانية لناقلات نفط روسية، في مسعى لتعطيل ما يعرف بـ”أسطول الظل” الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على العقوبات.
وبيّن أن التقديرات تشير إلى اعتماد روسيا على نحو 900 سفينة ضمن هذا الأسطول غير الرسمي، ما يجعل استهدافه ضربة مباشرة لقدرة موسكو على تسويق نفطها خارج الأطر الخاضعة للرقابة الدولية. واعتبر أن أوكرانيا تراهن على هذا المسار لاستنزاف الموارد المالية الروسية، خاصة أن النفط والغاز يمثلان الشريان الرئيسي للاقتصاد الروسي.
وأكد يوسف أن عائدات قطاع الطاقة الروسي قدرت بنحو 960 مليار يورو خلال سنوات الحرب الأربع، وهو رقم يفسر إصرار كييف على توجيه ضرباتها نحو هذا القطاع تحديدًا، ولفت إلى أن الخسائر لا تقتصر على تراجع الإنتاج والتصدير، بل تمتد إلى ارتفاع كلفة الحماية، بعد اضطرار موسكو إلى نشر منظومات دفاع جوي إضافية حول المنشآت الحيوية، ما يزيد من الأعباء المالية واللوجستية.
وختم أستاذ التشريعات الاقتصادية تصريحاته بالتأكيد على أن ما يجري يعكس انتقال الحرب إلى مرحلة استهداف البنية الاقتصادية العميقة، حيث أصبحت منشآت الطاقة ساحة مواجهة مركزية، في محاولة لإعادة صياغة موازين الصراع عبر الاقتصاد قبل السلاح، وهو مسار ستكون له تداعيات طويلة الأمد على الداخل الروسي وعلى أسواق الطاقة العالمية.
اقرأ أيضًا: روسيا تبحث عن عمّالها خارج الحدود
تأثير الهجمات على الدول المنتجة للطاقة
من جهته، أكد الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، أن التراجع المسجل في إيرادات الطاقة الروسية ووصولها إلى أدنى مستوياتها خلال نحو خمس سنوات، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق العالمي المضطرب الذي تمر به أسواق النفط والغاز، موضحًا أن هذا التراجع لا يقتصر على روسيا وحدها، وإنما يشمل غالبية الدول المنتجة للطاقة في ظل حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي التي يشهدها العالم.
وأوضح الشوربجي أن قوة الروبل الروسي كان لها تأثير مباشر على قيمة الإيرادات المحققة من قطاع الطاقة، إلا أن هذا التأثير يظل محدودًا على الأداء الكلي للاقتصاد الروسي، خاصة في ظل امتلاك موسكو أدوات متعددة لتكييف اقتصادها مع المتغيرات الدولية، وعلى رأسها السياسة المالية المنضبطة، وتنوع مصادر الدخل القومي، وعدم الاعتماد المفرط على قطاع النفط والغاز وحده.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الأسواق العالمية للنفط والغاز تمر حاليًا بحالة من الارتباك والحذر الشديدين، نتيجة المسارات الجيوسياسية المتشابكة، لافتًا إلى أن السياسات الأمريكية غير المستقرة أسهمت بشكل كبير في زيادة حالة عدم اليقين، سواء فيما يتعلق بأسعار الطاقة أو بمستقبل الإمدادات العالمية، وهو ما انعكس بدوره على إيرادات الدول المنتجة، بما فيها روسيا.
اقرأ أيضًا: هل يتغير مصير أوكرانيا بعد تراجع الدعم الأمريكي؟
هل نجحت روسيا في تخفيض خسارة السوق الأوروبية؟
شدد الدكتور محمد الشوربجي على أن الحديث المتكرر عن تراجع قدرة روسيا على تمويل التزاماتها، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا، يتجاهل حقيقة جوهرية تتمثل في أن الاقتصاد الروسي لا يعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط والغاز، إذ تمثل هذه العائدات أقل من 10% من الناتج المحلي الإجمالي الروسي، ما يعني أن أي انخفاض في الإيرادات النفطية لن يشكل تهديدًا حقيقيًا لاستقرار الاقتصاد الكلي.
وأضاف أن روسيا نجحت إلى حد كبير في تعويض خسارة السوق الأوروبية من خلال إعادة توجيه صادراتها من النفط والغاز نحو الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين ودول حوض المحيط الهادئ، وهي من أكبر أسواق الطاقة في العالم، مؤكدًا أن هذا التحول الاستراتيجي مكّن موسكو من الحفاظ على مستويات مرتفعة من الصادرات، رغم العقوبات الغربية.
وأوضح الشوربجي أن الضغوط التي يواجهها الاتحاد الأوروبي نتيجة الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، والذي يُباع بأسعار تتراوح بين خمسة إلى ستة أضعاف سعر الغاز الروسي، قد تدفع أوروبا مستقبلًا إلى إعادة النظر في سياساتها ورفع القيود المفروضة على استيراد الغاز الروسي، لا سيما في حال انتهاء الصراع في أوكرانيا، ما سيجعل السوق الأوروبية إضافة جديدة للأسواق التي فتحتها روسيا بالفعل.
وأكد الخبير الاقتصادي أن روسيا ستظل قوة عظمى في سوقي النفط والغاز عالميًا، مشيرًا إلى أن تأثر دخلها بتقلبات الأسعار يظل محدودًا مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، خاصة في ظل استمرار النمو الاقتصادي المتوقع لروسيا بنسبة تتراوح بين 3% و3.2%.
ميزانية روسيا تحت المجهر
تطرق الدكتور محمد الشوربجي كذلك إلى المقارنات التاريخية بين الوضع الحالي والظروف التي شهدها الاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي عند انهيار أسعار النفط، موضحًا أن هذه المقارنة غير دقيقة، نظرًا لاختلاف المعطيات التقنية والتكنولوجية، واتساع رقعة الاكتشافات الجديدة، والتقدم الكبير في تقنيات استخراج النفط والغاز، فضلًا عن الدور المتنامي لروسيا في قطاع الطاقة النووية.
وأشار في هذا السياق إلى أن روسيا لا تعتمد فقط على النفط والغاز، بل تمتلك مصادر طاقة أخرى مؤثرة، مثل الطاقة النووية، مستشهدًا بمشاركة موسكو في إنشاء مشروعات نووية كبرى في أوروبا، من بينها محطة “باكش 2” النووية في المجر، وهو ما يمثل مصدرًا إضافيًا للدخل ودعمًا للاقتصاد الروسي.
وبشأن الحديث عن تراجع الإنتاج الروسي، أوضح الشوربجي أن الإنتاج لم يشهد انخفاضًا حقيقيًا، والذي تراجع هو مستوى الإيرادات نتيجة انخفاض الأسعار العالمية، وهو أمر ينطبق على جميع الدول المنتجة للطاقة، مؤكدًا أن روسيا لا تستطيع بمفردها التحكم في الأسعار العالمية.
وأضاف أن الحديث عن وجود عجز في الميزانية الروسية يقدر بنحو 5.6 تريليون روبل لا يمثل خطرًا حقيقيًا، لافتًا إلى أن موسكو تمتلك بدائل متعددة لتعويض هذا العجز، من بينها الاحتياطيات الكبيرة من الذهب، والتي يمكن استخدامها في أي وقت دون الحاجة إلى فرض ضرائب إضافية على القطاعات غير النفطية.
الاستراتيجية المشتركة بين روسيا والصين
فيما يتعلق بالفرضيات الغربية التي تتحدث عن تحول روسيا إلى تابع اقتصادي للصين، شدد الدكتور محمد الشوربجي على أن هذه الطروحات ذات طابع سياسي وإعلامي أكثر منها اقتصادي، مؤكدًا أن العلاقة بين موسكو وبكين تقوم على شراكة استراتيجية متكافئة، وليست علاقة تبعية، وأن التبادل التجاري بين البلدين تجاوز حاجز 100 مليار دولار.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن الابتعاد التدريجي عن المنظومة الدولارية يمثل جزءًا من استراتيجية مشتركة بين روسيا والصين لحماية أمنهما الاقتصادي والقومي، وليس دليلاً على ضعف أي من الطرفين، مشيرًا إلى أن محاولات التشكيك في قدرة الاقتصاد الروسي تأتي في إطار ما وصفه بـ”الروسوفوبيا” السائدة في الخطاب الغربي.
واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن الاقتصاد الروسي يتمتع بدرجة عالية من الاكتفاء الذاتي، ولا يحتاج إلى الاقتراض الخارجي، كما أن حجم التجارة العالمية لروسيا يقترب من 600 مليار دولار، ما يمنحها مرونة كبيرة في التعامل مع الضغوط والعقوبات، ويعزز قدرتها على الصمود على المدى الطويل.
قد يهمّك أيضًا: قمة تيانجين.. الصين تجمع الهند وروسيا وترامب يعترف بالهزيمة