قمة ألاسكا.. سباق دبلوماسي بين موسكو وواشنطن وسط هواجس أوروبية

 تتجه أنظار العالم هذا الأسبوع نحو ولاية ألاسكا الأمريكية في أجواء مشحونة بالترقب، فمن المقرر أن يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الروسي فلاديمير بوتين يوم الجمعة المقبل، في قمة قد تعيد رسم معالم التوازنات الدولية لعقود قادمة.

تأتي قمة ألاسكا في ظل استمرار الحرب الأوكرانية للعام الرابع، مع سيطرة روسيا على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية، واستمرار العمليات العسكرية بوتيرة متفاوتة على مختلف الجبهات، ورغم العقوبات الغربية غير المسبوقة على موسكو لم تنجح حتى الآن في إجبار الكرملين على تغيير أهدافه المعلنة.

وفي الوقت نفسه، يعيش الغرب –وخاصة الاتحاد الأوروبي– هاجس أن تتحول القمة إلى منصة لإبرام صفقة ثنائية أمريكية–روسية تستبعد كييف، بما قد يفرض عليها تسوية مجحفة تمس بسيادتها ووحدة أراضيها.

تحركات أوروبية استباقية

في بروكسل، لم تنتظر العواصم الأوروبية حتى بدء القمة، بل سارعت إلى التحرك السياسي والدبلوماسي، فقد أعلنت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، عن عقد اجتماع طارئ عبر الفيديو لوزراء خارجية دول التكتل قبل القمة، مؤكدة أن “المصالح الجوهرية لأوروبا على المحك”، وحذرت كالاس من أن غياب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن الطاولة قد يفتح الباب أمام تنازلات إقليمية لصالح روسيا، وهو ما يرفضه الاتحاد بشكل قاطع.

زيلينسكي نفسه أكد بلهجة حازمة أن أوكرانيا لن تقبل بأي اتفاق سلام يقوم على التخلي عن أراضٍ سيادية، مشددًا على أن أي نهاية للحرب يجب أن تكون عادلة وتستند إلى القانون الدولي، ورغم عدم توجيه دعوة رسمية له، ألمح السفير الأمريكي لدى الناتو إلى إمكانية مشاركته، لكن مسؤولًا في البيت الأبيض أوضح أن التحضيرات الجارية تركز على قمة ثنائية بين ترامب وبوتين فقط.

وفي بيان مشترك، شدد قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وبريطانيا وفنلندا، إضافة إلى رئاسة المفوضية الأوروبية، على أن “السلام في أوكرانيا لا يمكن تقريره من دون أوكرانيا”، كما دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى حضور زيلينسكي القمة، معتبرًا أن غيابه سيضعف شرعية أي اتفاق يتم التوصل إليه.

سيناريوهات محتملة على الطاولة

السيناريو الأسوأ بالنسبة لكييف يتمثل في اتفاق يقوم على “تبادل الأراضي”، بحيث يمنح روسيا سيطرة دائمة على أجزاء واسعة من أوكرانيا مقابل وقف إطلاق النار، ويُرجح أن يسعى بوتين أولًا إلى إبرام اتفاق مع ترامب، ثم فرضه على أوكرانيا كأمر واقع، مما يجعلها غير قابلة للدفاع، وغير جاذبة للاستثمار، وعلى طريق الانهيار الاقتصادي”.

أما السيناريو الأكثر تفاؤلًا فيتضمن التوصل إلى وقف إطلاق نار مشروط، مع فرض عقوبات إضافية على روسيا إذا عادت إلى التصعيد، وتأجيل النقاش حول ملف الأراضي إلى مرحلة لاحقة، لكن غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى كييف وأوروبا، إلى جانب خسائر أوكرانيا الميدانية ونقص القوى البشرية على الجبهات، قد يجعل هذا السيناريو هشًا أو قصير الأمد.

أوراق أوروبا للضغط

ترى الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، أن القمة لا تمثل فقط منعطفًا في مسار الحرب، بل قد تؤسس لإعادة صياغة النظام الدولي بأسره، كما أنّها تحذر من أن أي اتفاق يتم خارج الإطار متعدد الأطراف ودون مشاركة أوكرانيا سيكون بمثابة “صفقة سيئة” تهدد الأمن الأوروبي على المدى البعيد.

وأضافت أن أوروبا تمتلك أوراق ضغط حقيقية على واشنطن، من أبرزها العقوبات الاقتصادية الواسعة ضد روسيا، ودورها كممول رئيسي ماليًا وعسكريًا لأوكرانيا، مشيرةً إلى أن الاجتماعات الأوروبية المكثفة قبل القمة تهدف لإيصال رسالة واضحة لترامب بأن أمن أوكرانيا جزء لا يتجزأ من أمن القارة، وأن تجاهل هذه الحقيقة سيقابل برفض جماعي من العواصم الأوروبية.

وكشفت الشافعي أيضًا عن مساعٍ لترتيب لقاء يجمع ترامب بزعماء أوروبيين قبل القمة، وربما بحضور زيلينسكي، لتنسيق المواقف ومنع انفراد واشنطن وموسكو برسم مستقبل الصراع.

موضوع ذو صلة: خفض سقف النفط الروسي.. أوروبا تشدد الخناق الاقتصادي على موسكو

الأبعاد الاستراتيجية لمواقف موسكو وواشنطن

“يدخل بوتين قمة ألاسكا وفي جعبته أهداف استراتيجية واضحة؛ منها كسر العزلة الغربية، والحصول على اعتراف غير مباشر بنفوذه في أوكرانيا، وإعادة ضبط ميزان الردع النووي مع الولايات المتحدة، ومن المرجح أن يقدم تنازلات محدودة في ملفات غير أساسية مقابل مكاسب استراتيجية تُرضي الداخل الروسي وتُضعف قدرة الغرب على فرض شروطه.

أما ترامب، فيسعى لاستغلال القمة لتعزيز صورته داخليًا كرجل صفقات قادر على إنهاء نزاع دولي معقد، وقد يلوّح بتجميد الدعم العسكري لكييف مقابل وقف التصعيد الروسي، كما قد يطرح تفاهمات حول أسعار الطاقة، أو يبحث في فرص إبعاد موسكو عن بكين ضمن المواجهة الأمريكية–الصينية”، وفقًا للشافعي.

اقرأ المزيد: ماذا يريد بوتين من ترامب في قمة ألاسكا؟

الانعكاسات الاقتصادية والأمنية

حذرت الشافعي من أن أي صفقة بلا آليات متابعة وضمانات دولية قد تتحول إلى هدنة هشة، لافتةً إلى أنَّ تخفيف العقوبات أو إعادة دمج روسيا في النظام المالي العالمي، عبر رفع الحظر عن نظام “سويفت” أو إعادة فتح خطوط الطيران، يجب أن يقابله التزام روسي صارم بإنهاء العمليات العسكرية وضمان سيادة أوكرانيا.

وأضافت أن أي تقارب روسي–أمريكي لا يراعي التوازنات الأوروبية قد يضعف حلف الناتو، ويدفع أوروبا إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، وتعزيز استقلاليتها في مجالي الطاقة والقدرات العسكرية.

لحظة فارقة في السياسة والاقتصاد

أكَّد أبو بكر الديب، الخبير الاقتصادي، أنَّ القمة تمثل لحظة فارقة قد تؤثر مباشرة في مسار الحرب وترسم ملامح توازنات جديدة في النظامين السياسي والاقتصادي الدوليين، خاصة في ظل التلويح الروسي باستخدام السلاح النووي، والتباين الملحوظ بين المواقف الأمريكية والأوروبية حول آلية التسوية.

وأشار إلى أن انعقاد القمة على الأراضي الأمريكية –بخلاف الأعراف السابقة– يعكس رغبة بوتين في الحفاظ على قنوات الاتصال مع واشنطن، ومحاولة استثمار أي انفتاح من جانب ترامب لتعزيز النفوذ الروسي إقليميًا ودوليًا، وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى توظيف أوراق الضغط الاقتصادية والعسكرية لانتزاع تنازلات من موسكو.

وشرح الديب أن ترامب يدخل القمة وفي يده ورقة العقوبات الاقتصادية القاسية، والدعم العسكري الغربي المستمر لكييف، إضافة إلى التفوق الأمريكي في سباق التسلح، بينما يعتمد بوتين على التفوق الميداني في شرق أوكرانيا، وتحالفاته الاقتصادية مع الصين وإيران، وقدراته النووية التي تشكل عامل ردع استراتيجي.

وأضاف أن الخطة الأوروبية الأخيرة –التي تشترط وقف إطلاق النار أولًا وتبادل الأراضي بشكل متكافئ، مع ضمانات أمنية قد تشمل انضمام أوكرانيا للناتو– تمثل مقترحًا مضادًا للخطة الروسية التي تعرض تسليم كييف أجزاء من دونيتسك مقابل وقف الحرب.

اقرأ أيضًا: استراتيجية أمريكا تجاه روسيا.. بين التصعيد العسكري وإعادة التقييم

3 مسارات لمخرجات القمة

حذّر ذيب من أن استمرار الخلافات بين أوروبا والولايات المتحدة حول تفاصيل التسوية قد يضعف وحدة الموقف الغربي، ويمنح موسكو هامشًا أوسع للمناورة، مؤكدًا أن مخرجات القمة قد تتراوح بين ثلاثة مسارات؛ إما إعادة فتح قنوات الاتصال العسكرية لتجنب التصعيد، أو توسيع المفاوضات بمشاركة أطراف دولية لرسم تسوية شاملة، أو فشل كامل يؤدي إلى زيادة حدة الخطاب وتفاقم الصراع، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية تشمل استمرار اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.

واختتم الخبير بالقول إن قمة ألاسكا ليست مجرد حدث سياسي، بل هي اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة صراع متعدد الأبعاد، يجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن، وأن نتائجها ستحدد بدرجة كبيرة ملامح المرحلة المقبلة من العلاقات الدولية.

اقرأ أيضًا: روسيا أمام اختبار علاقة بوتين مع ترامب

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة