قمة بكين تعزز رواية التراجع الأمريكي.. فماذا تقول لغة المال؟

أعادت قمة بكين الأخيرة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جي بينغ الحديث عن “الغروب الإمبراطوري”، أو ما يُفترض أنه تراجع أمريكا عن عرش القوة العظمى لصالح الصين، لكن في مجال واحد على الأقل، هو المنافسة المالية، تبدو الصورة معاكسة تمامًا، فالصين تراوح مكانها، ما يسمح للولايات المتحدة بالهيمنة تلقائيًا.

لم تكن فجوة القوة المالية بين أكبر اقتصادين في العالم بهذا الاتساع من قبل، وإذا تتبعنا قائمة الإمبراطوريات، من الولايات المتحدة إلى بريطانيا وفرنسا وهولندا، وصولا إلى القرن الخامس عشر، نجد أن القوة الصاعدة كانت عادة تبني قدرات واسعة تمتد من الجيش إلى التجارة، والصين لا تختلف عن هذا النمط إلا في التمويل، فعلى خلاف العملات المنافسة قديمًا وحديثًا، لا يزال الرنمينبي بعيدًا عن التحويل الكامل، ولم يحقق تقدمًا كبيرًا كعملة دولية.

فجوة القوة المالية

عادة بعدما تكتسب إمبراطورية ما قوة اقتصادية تبدأ عملتها في الاستحواذ على حصة أكبر من احتياطيات البنوك المركزية، لكن الصين – التي تمثل 17% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي – لا تستحوذ عملتها إلا على 2% فقط من احتياطيات البنوك المركزية، ما يجعلها متأخرة بين 30 و40 عامًا عن قوى عظمى سابقة كانت في مرحلة صعود مشابهة.

وكذلك الحال في التجارة، فمع صعود قوة اقتصادية ناشئة يبدأ العالم في قبول مزيد من المدفوعات بعملتها، حتى عندما لا تكون تلك القوة طرفا مباشرًا في الصفقة، فقد كانت بريطانيا في ذروة نفوذها تمثل 40% من التجارة العالمية، بينما كانت 60% من مدفوعات التجارة تتم بالجنيه الإسترليني، أما الصين، فرغم امتلاكها حصة رائدة تبلغ 15% من التجارة العالمية، فإن 2% فقط من فواتير التجارة تُسعّر بالرنمينبي.

هُناك مؤشر صادر عن الاحتياطي الفيدرالي يقيس مدى استخدام العالم للعملات الرئيسة في التجارة، وأسواق الصرف، والديون، والصفقات الكبرى الأخرى، ومنذ عام 2000 ارتفعت حصة الرنمينبي في هذا المؤشر من صفر تقريبًا إلى 2.5% فقط.

يأتي ذلك في زمن أصبح فيه العالم أكثر اعتمادًا على الأسواق والأصول والأدوات المالية في النشاط الاقتصادي من أي وقت مضى، فقد نمت أسواق الأسهم، والقروض المصرفية، ومستويات الديون بقوة هائلة كنسبة من الاقتصاد العالمي، وخلال نصف القرن الماضي قفزت قيمة الأصول المالية أربعة أضعاف لتتجاوز 400% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

اقرأ أيضًا: الصين وأمريكا.. من وهم الشراكة إلى حرب النفوذ

الدولار.. قوة أمريكا

الحضور القوي للدولار يمنح الولايات المتحدة قدرة على إدارة اللعبة بأكثر من طريقة، فالطلب المرتفع على الدولار يخفض تكاليف الاقتراض الأمريكية، ويسمح لواشنطن بتسجيل عجز في الموازنة العامة وعجز في الحساب الجاري في الوقت نفسه، بشكل كبير ومزمن.

ولا تتمتع أي دولة أخرى بهذا الامتياز الإمبراطوري، ولا بالنفوذ الجيوسياسي الذي يشتريه، وبما أن الولايات المتحدة تتحكم في النظام المالي المهيمن عليه بالدولار، فقد استخدمت هذه القدرة مرارًا للضغط على دول عبر قطع وصولها إلى الشبكة المالية، ومن هنا تحولت العملة الأمريكية إلى أداة تسليح مالي.

اقرأ المزيد حول: سر هيمنة الدولار.. النفط والجيش ومعادلة البترودولار

الصين.. نظام مالي مغلق

ستظل الصين قوة عظمى غير مكتملة إلى أن تستطيع مضاهاة هذه القوة المالية، فعلى مدى عقود أبقت بكين نظامها المالي مغلقًا بإحكام أكبر من أي اقتصاد رئيس آخر، وهي الآن تقع ضمن الخُمس الأدنى من الدول في مؤشر وضع الاستثمار الدولي الذي يرصد مستوى الملكية الأجنبية داخل السوق المحلية، ولا يمتلك الأجانب سوى أقل من 5% من الأسهم والسندات في الصين، أي خُمس المستوى المسجل في الولايات المتحدة.

وبذلك فإنّ السوق المحلية الصينية تبدو أشبه بسجن داخلي، فقد ولّدت بكين النمو الاقتصادي عبر ضخ كثيف للأموال الحكومية، جرى إبقاؤها داخل البلاد بفعل قيود حكومية على دخول وخروج الأموال من الاقتصاد، وتضاعف عرض النقود لديها 6 مرات منذ عام 1980، ليصل إلى 230% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو من بين أعلى المستويات عالميًا.

لكن هذه السيولة تتحرك داخل اقتصاد مغلق تقريبًا، يذهب جزء كبير منها إلى سوق الدين المحلية، التي تعرضت مؤخرًا لضربة قوية بفعل أزمة العقارات، وفي الوقت نفسه تخشى بكين تخفيف القيود حتى لا تطلق موجة هروب رؤوس الأموال، ومع بقاء القيود يضطر الصينيون إلى البحث عن مسارات بديلة غالبًا ما تكون غامضة لإخراج أموالهم من البلاد، ما يضر بصورة الصين كمركز مالي،

هذا الواقع يحرم الصين من أن تكون ملاذاً استثمارياً آمناً أو خياراً بديلاً، ولن يتغير هذا المنظور ما لم تتبنَّ بكين عملة حرة التداول، وفي المقابل تمنح هذه المزية الولايات المتحدة رفاهية شن الحروب التجارية وفرض الرسوم الجمركية، دون أن تفقد مكانتها باعتبارها السوق المفضلة عالمياً.

تدويل الرنمينبي لتقليل هروب رؤوس الأموال

اتخذ القادة الصينيون خطوات صغيرة لتدويل “الرنمينبي” حتى أنّ أحدهم وصف اللحظة الحالية مؤخرًا بأنها “ذهبية” لمزيد من الانفتاح، كما يبدو أنّ المستثمرين المحليين أقل يأسًا من نقل أموالهم إلى الخارج مقارنة بما كانوا عليه قبل عقد، وتحقق الصين حاليًا فائضًا تجاريًا كبيرًا بما يكفي لمعادلة أثر هروب رؤوس الأموال.

تجارب الماضي تقدم بعض الأسباب للتشكيك في أن فتح حساب رأس المال سيؤدي بالضرورة إلى تدفقات خارجة ضخمة، وذلك على الرغم من أنّ الأسواق المفتوحة تزيد الثقة عادة، وتُظهر دراسات أن تخفيف القيود قد يرفع التدفقات الداخلة أكثر من الخارجة، ويدعم النمو الاقتصادي وعوائد سوق الأسهم.

لكن وضع الصين مختلف، بالنظر إلى المستويات الهشة للديون والسيولة المتدفقة داخل البلاد، ومع ذلك لن تستطيع الصين تحدي الهيمنة المالية الأمريكية دون انفتاح أكثر جرأة، ولن تحقق بالكامل طموحها كقوة عظمى.

قد يهمّك أيضًا: كيف ربحت الصين من حرب إيران؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة