كيف تعيد قمة بكين وموسكو رسم خارطة التمويل والطاقة العالمية؟

بدأت ملامح إعادة تشكيل النظام العالمي تتسارع بوضوح بعد قمة بكين التي جمعت الرئيسين الروسي والصيني، والتي حملت رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز حدود التعاون الثنائي التقليدي، لتؤكد اتجاه موسكو وبكين نحو بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد تستهدف تقليل الاعتماد على الغرب، وإعادة صياغة موازين القوى الاقتصادية والطاقة العالمية.

وقد أكد الجانبان، في بيان مشترك صدر عقب القمة، أهمية تعزيز التعاون الاستراتيجي بعد مرور 25 عامًا على اتفاقية الصداقة والتعاون بين البلدين، مع التشديد على مواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية بشكل مشترك، في وقت يشهد فيه العالم تصاعدًا غير مسبوق في التوترات الدولية واضطرابات سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.

وتناول البيان تطورات الحرب في إيران وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي، حيث شدد الطرفان على ضرورة وقف التصعيد العسكري حفاظًا على استقرار أسواق الطاقة العالمية، معتبرين أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران تسهم في زيادة حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وتفرض ضغوطًا إضافية على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.

كما أشار البيان إلى التأثيرات السلبية للإجراءات الأحادية التي تتخذها بعض الدول على حركة الملاحة البحرية والتجارة العالمية، مع التأكيد على أن معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية تمثل المدخل الأساسي للوصول إلى تسوية دائمة ومستدامة للصراع.

قمة بكين.. اتفاقيات تجارية هامة

شهدت القمة توقيع عشرات الوثائق والاتفاقيات التي شملت مجالات التجارة المفتوحة، والتعاون العلمي والتكنولوجي، والتنمية الصناعية، والتخطيط الحضري، إلى جانب التعاون في المعادن الحيوية والطاقة والبنية التحتية، بما يعكس رغبة البلدين في بناء شبكة مصالح اقتصادية واستراتيجية متكاملة بعيدة المدى.

وتبرز الطاقة باعتبارها المحرك الرئيس للشراكة الروسية الصينية، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 234 مليار دولار خلال عام 2025، مع تزايد الاعتماد على اليوان والروبل في المعاملات التجارية، ضمن توجه واضح لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي وتعزيز الاستقلال المالي للطرفين.

كما عززت القمة التعاون في قطاع الغاز الطبيعي عبر مشروع “سايبيريا 2” الذي يستهدف نقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويًا إلى الصين عبر الأراضي المنغولية، في خطوة تمنح بكين ضمانات إضافية لأمن الطاقة، وتوفر لموسكو منفذًا استراتيجيًا ضخمًا للأسواق الآسيوية في ظل العقوبات الغربية.

وتشير البيانات إلى أن روسيا تمثل حاليًا نحو 20% من واردات النفط الصينية، بينما ارتفعت صادرات النفط الروسية إلى الصين بنسبة تقارب 35% خلال العام الماضي، وهو ما يعكس التحول المتزايد في خريطة تجارة الطاقة العالمية شرقًا بعيدًا عن الأسواق الأوروبية التقليدية.

هل يتشكل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب؟

في هذا السياق، قال الدكتور أحمد فارس إن التحركات الروسية الصينية الحالية تعكس بوضوح بداية تشكل نظام عالمي متعدد المراكز، تسعى فيه موسكو وبكين إلى تقليص النفوذ الأمريكي على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والنظام المالي الدولي. وأوضح، أن توقيع هذا العدد الكبير من الاتفاقيات والوثائق يؤكد وجود تنسيق عميق يتجاوز الجوانب التجارية، ليشمل التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والتعاون العلمي، بما يمنح البلدين قدرة أكبر على صياغة سياسات اقتصادية وجيوسياسية مستقلة.

وأضاف فارس أن الشراكة الحالية لا تقوم فقط على المصالح الاقتصادية المباشرة، بل ترتبط أيضًا باعتبارات استراتيجية طويلة الأمد، تشمل حماية الأمن الطاقي، وتأمين سلاسل الإمداد، وتقليل التأثر بالعقوبات الغربية والضغوط الجيوسياسية المتصاعدة.

وأشار إلى أن الصين، رغم حرصها على تجنب الدخول في تحالفات صدامية مباشرة مع الغرب، تدرك أهمية الحفاظ على روسيا كشريك استراتيجي رئيس في ملفات الطاقة والأمن والتوازن الدولي، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة.

عقبات التخلي عن الدولار

رغم الزخم الكبير الذي تحمله هذه الشراكة، يرى فارس أن الطريق نحو بناء نظام مالي عالمي بديل للدولار لا يزال يواجه تحديات معقدة، أبرزها استمرار هيمنة العملة الأمريكية على التجارة العالمية، وارتباط الاقتصاد الصيني بشكل عميق بالأسواق الغربية، إلى جانب الضغوط الناتجة عن العقوبات المفروضة على موسكو.

كما تواجه الصين تحديات اقتصادية داخلية تتعلق بتباطؤ النمو وأزمات القطاع العقاري، وهو ما قد يفرض حدودًا على قدرتها في قيادة تحول اقتصادي عالمي سريع بعيدًا عن النظام المالي الغربي التقليدي.

ومع ذلك، أكد الخبير أن استمرار التعاون الروسي الصيني في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة والبنية التحتية يعكس توجهًا طويل الأمد لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي عالميًا، خاصة مع تنامي استخدام العملات المحلية، وتوسيع شبكات النقل والطاقة، وتعزيز التعاون الصناعي والتكنولوجي بين الجانبين.

وأكد الدكتور أحمد فارس أن المشاريع المشتركة طويلة الأجل، مثل خطوط الغاز والسكك الحديدية والطاقة المتجددة، لا تستهدف فقط تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة، وإنما تهدف إلى خلق تكامل استراتيجي مستدام يسمح للطرفين بمواجهة الضغوط الخارجية وبناء منظومة تعاون أكثر استقلالية ومرونة.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن القمة الروسية الصينية الأخيرة تمثل محطة مهمة في مسار التحول نحو عالم متعدد الأقطاب، موضحًا أن الشراكة بين موسكو وبكين باتت عنصرًا مؤثرًا في معادلات الطاقة والتجارة والتمويل العالمي، وأن السنوات المقبلة قد تشهد تسارعًا أكبر في محاولات إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي وتقليص الهيمنة الغربية التقليدية.

قد يهمّك أيضًا: كيف ربحت الصين من حرب إيران؟

أزمة الديون المتراكمة وارتفاع تكلفة الفائدة

من جهته، أكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن القمة الأخيرة بين واشنطن وبكين تمثل محطة بالغة الأهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي، خاصة في ظل تصاعد الأزمات الجيوسياسية والحروب التجارية التي ألقت بظلالها على الأسواق الدولية خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن العالم لم يشهد حالة استقرار حقيقية منذ جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى التوترات في الشرق الأوسط والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

وقال العسيلي، إن الاقتصاد العالمي يواجه ضغوطًا متراكمة نتيجة ارتفاع مستويات الديون العالمية التي تجاوزت 354 تريليون دولار، إلى جانب أزمات الطاقة والغذاء وارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، وهو ما جعل الأسواق الدولية أكثر هشاشة أمام أي توترات سياسية أو عسكرية جديدة.

وأوضح أن الولايات المتحدة، باعتبارها أكبر اقتصاد عالمي، تعاني من مستويات مرتفعة من الدين العام تجاوزت 38 تريليون دولار، مشيرًا إلى أن استمرار فرض الرسوم الجمركية والحروب التجارية لم يحقق التوازن الاقتصادي المطلوب، بل ساهم في زيادة الضغوط التضخمية ورفع تكاليف الإنتاج عالميًا.

وأضاف أن العالم أصبح بحاجة إلى التعاون الاقتصادي بدلاً من الصراع التجاري، خاصة أن الولايات المتحدة والصين تمثلان معًا نحو 45% من حجم الإنتاج الصناعي العالمي، حيث تستحوذ الصين وحدها على نحو 30% من الإنتاج الصناعي العالمي، مقابل نحو 15% للولايات المتحدة الأمريكية.

وأشار العسيلي إلى أن الاقتصاد الصيني حقق طفرة هائلة خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، حيث تضاعف أكثر من 10 مرات، مقابل تضاعف الاقتصاد الأمريكي بنحو مرتين فقط، وهو ما يعكس التحول التدريجي في موازين القوة الاقتصادية العالمية لصالح بكين.

مخاطر استمرار الحرب التجارية

أكد العسيلي أنّ استمرار الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل استمرار اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، موضحًا أن الأسواق الدولية أصبحت أكثر حساسية لأي توتر بين واشنطن وبكين.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن الرسوم الجمركية الأمريكية لم تكن أداة فعالة لإحداث توازن تجاري حقيقي، بل إنّها أثرت سلبًا على الاقتصاد الأمريكي نفسه، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الواردات الصينية لسد احتياجات السوق المحلي.

وأضاف أن حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة يبلغ نحو 582 مليار دولار، وأن نحو 75% من هذا الرقم يمثل صادرات صينية إلى السوق الأمريكية، وهو ما يعكس عمق الترابط الاقتصادي بين البلدين رغم الخلافات السياسية والتجارية.

وأشار العسيلي إلى أن الميزان التجاري الأمريكي لا يزال يعاني من عجز هيكلي يقدر بنحو 1.2 تريليون دولار، بينما تسجل الميزانية العمومية الأمريكية عجزًا إضافيًا يقترب من 1.4 تريليون دولار، معتبرًا أن هذه المؤشرات توضح أن السياسات الحمائية وحدها غير قادرة على معالجة الاختلالات الاقتصادية الأمريكية.

وأكد أن الولايات المتحدة ما زالت تعتمد على ثلاث دول رئيسة لتغطية فجوات السوق المحلي، وهي الصين وكندا والمكسيك، وهي الدول التي كانت أيضًا الأكثر تأثرًا بقرارات الرسوم الجمركية الأمريكية خلال السنوات الماضية.

اقرأ أيضًا: الصين توسع فائضها التجاري مع أمريكا

حدود التفاهم بين واشنطن وبكين في الملفات الساخنة

فيما يتعلق بالقمة بين الرئيس الأمريكي والرئيس الصيني، أوضح العسيلي أن نجاحها يعتمد بشكل أساسي على وجود إرادة سياسية حقيقية، خاصة من الجانب الأمريكي، للوصول إلى تفاهمات اقتصادية تقلل من حدة التوترات التجارية وتعيد قدرًا من الاستقرار للأسواق العالمية.

وأشار إلى أن الملفات المطروحة خلال القمة لم تقتصر فقط على التجارة والاقتصاد، وإنما شملت أيضًا ملفات جيوسياسية شديدة الحساسية، مثل قضية تايوان، والصراع على النفوذ في آسيا، والمنافسة التكنولوجية، إضافة إلى الملف الإيراني وتأثيره على استقرار أسواق الطاقة العالمية.

وأضاف أن أي تقارب اقتصادي بين واشنطن وبكين من شأنه أن ينعكس إيجابيًا على حركة التجارة الدولية وأسعار السلع والطاقة وسلاسل الإمداد، خاصة في ظل المخاوف العالمية من تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم.

وأكد العسيلي أن الأسواق العالمية تترقب مخرجات هذه القمة باعتبارها قد تمثل بداية مرحلة جديدة من التهدئة الاقتصادية بين القوتين الأكبر عالميًا، موضحًا أن استمرار التصعيد التجاري والسياسي سيؤدي إلى زيادة حالة القلق وعدم اليقين داخل الأسواق الدولية.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن العالم لم يعد يحتمل المزيد من الحروب التجارية أو الاقتصادية، خاصة في ظل الأزمات المتراكمة التي تواجه الاقتصاد العالمي، مشددًا على أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز التعاون الدولي والشراكات الاقتصادية الكبرى للحفاظ على استقرار الأسواق ودعم معدلات النمو العالمي.

اقرأ المزيد: قمة بكين تعزز رواية التراجع الأمريكي.. فماذا تقول لغة المال؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة