قمة شرم الشيخ.. غزة تُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط 

توافد قادة العالم من أكثر من 20 دولة إلى مصر، للمشاركة في قمة شرم الشيخ للسلام لمناقشة مستقبل قطاع غزة، وسط آمال واسعة في أن تفتح القمة صفحة جديدة في مسار السلام بالشرق الأوسط، بعد شهور من الحرب المدمرة على القطاع.

يترأس القمة  الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن المتوقع أن تتوّج بحفل توقيع اتفاق سلام بشأن غزة، في خطوة تُعد الأهم منذ سنوات على طريق إنهاء الحرب الإسرائيلية على فلسطين.

وأكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في منشور عبر منصة “إكس”، مساء الأحد، أنه وصل إلى مصر للمشاركة في القمة الدولية بشرم الشيخ، مشيرًا إلى أنها تمثل “الخطوة الأولى الحاسمة نحو السلام في الشرق الأوسط”، وأضاف أن المملكة المتحدة ستلعب دورًا قياديًا في المرحلة التالية من خطة السلام، معلنًا تقديم 20 مليون جنيه إسترليني، كمساعدات إنسانية عاجلة لغزة لدعم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار.

كما وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى مصر صباح الاثنين، للمشاركة في القمة التي يحضرها أيضًا عدد كبير من القادة والزعماء العالميين، من بينهم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، إلى جانب ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وعدد من المنظمات الإقليمية.

القاهرة تقود جهود السلام

يرى مراقبون أن انعقاد القمة في مصر يحمل دلالات قوية على استعادة القاهرة لدورها المحوري في قيادة جهود السلام في الشرق الأوسط، بعد أن لعبت الدور الأبرز في تثبيت الهدنة وإدارة المفاوضات غير المباشرة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل خلال الأشهر الماضية.

ووفقًا لمصادر دبلوماسية، قد تشهد القمة إعلانًا مشتركًا يعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967، وبدء مرحلة سياسية جديدة تتولى فيها الأمم المتحدة والولايات المتحدة ومصر الإشراف على إعادة الإعمار وضمان استقرار الوضع الأمني في القطاع، بما يمهد لإنهاء أحد أطول الصراعات في العصر الحديث.

وأكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية، أن قمة شرم الشيخ المرتقبة اليوم الاثنين تمثل بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، وليست نهاية الأزمة كما يتصور البعض، مشيرًا إلى أنها قمة إقليمية ودولية كبرى وليست مخصصة لملف غزة فقط، بل تتناول القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بالمنطقة.

قمة شرم الشيخ للسلام.. خريطة طريق تدريجية

أوضح فهمي  أن ما سيتم الاتفاق عليه خلال القمة سيكون خريطة طريق تدريجية تشمل إجراءات عاجلة وأخرى تحتاج إلى وقت للتنفيذ، وأشار إلى أن المبعوث الأمريكي وفريقًا من الخارجية الأمريكية موجودون حاليًا في القاهرة لعقد اجتماعات مكثفة مع الجانب المصري لترتيب التفاصيل النهائية للاتفاق.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أن القمة ستناقش عدة محاور رئيسية:

  • أولها: الملف الأمني والسياسي في غزة، بما في ذلك ترتيبات الإفراج عن المحتجزين وتثبيت الهدنة، وقد تم بالفعل الإفراج عن عدد من الأسرى تمهيدًا لتنفيذ باقي مراحل الاتفاق.
  • ثانيها: اتفاق السلام المنتظر توقيعه في شرم الشيخ، والذي سيشكل بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، وأوضح فهمي أن التوقيع سيتم بشكل رمزي من قبل الرئيس الأمريكي بصفته الطرف الراعي، دون توقيع مباشر من الجانب الإسرائيلي أو حركة حماس، وذلك وفقًا لترتيب مشابه لما جرى في اتفاقات سابقة تخص حروب غزة.

وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يحضر القمة، بينما قد توقع بعض الفصائل الفلسطينية على الاتفاق قبيل لحظة الإعلان الرسمي. وأوضح أن الولايات المتحدة ستكون الطرف الضامن لتنفيذ الاتفاق إلى جانب مصر التي ستتولى المتابعة الميدانية والتقنية عبر لجنة خاصة تضم ممثلين عن الجهات الأمنية والخارجية المصرية، لضمان الالتزام ببنود الاتفاق ومنع أي خروقات من أي طرف.

جهود دولية لتحصين الاتفاق

كشف الدكتور طارق فهمي أن القاهرة تعمل حاليًا بالتنسيق مع مجلس الأمن الدولي والدول العربية على تحصين الاتفاق دوليًا لضمان استمراره وعدم تعطيله من أي طرف، في ظل مخاوف حقيقية من محاولات إسرائيلية لإفشاله، وأكد أنّ هناك تحركًا مصريًا دبلوماسيًا مكثفًا بالتعاون مع فرنسا، التي سيحضر رئيسها القمة، لطرح مبادرة دولية لإحياء حل الدولتين وبداية تنفيذ رؤية سياسية أوسع لتسوية شاملة.

وفي سياق متصل، أعلن فهمي أن مصر ستدعو خلال القمة إلى مؤتمر دولي لإعادة إعمار قطاع غزة، مشددًا على أهمية إغلاق الباب أمام أي مشروعات خارجية بديلة تهدف لتفكيك القطاع أو إعادة هندسة واقعه الجغرافي والسياسي، وقال إن القاهرة تتحرك لإقناع جميع الأطراف العربية والدولية بأن الإعمار لا بد أن يتم تحت مظلة الشرعية الفلسطينية وبإشراف مباشر من الدولة المصرية، منعًا لأي تدخلات مشبوهة أو أجندات موازية.

وأوضح أنّ المؤتمر المزمع سيجمع الحكومات العربية والمؤسسات الدولية ورجال الأعمال، وسيكون منصة لإعادة بناء البنية التحتية المدمّرة في غزة ووضع خطة اقتصادية شاملة للمرحلة المقبلة، مؤكدًا أن هذا التحرك يعكس رؤية مصرية واضحة لإدارة ما بعد الحرب، تقوم على تثبيت الأمن أولًا، ثم الإعمار، وأخيرا إطلاق المسار السياسي.

واختتم الدكتور طارق فهمي تصريحاته بالتأكيد على أن القمة تمثل نقطة تحول محورية في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأن مصر تعمل على أن تكون الضامن الإقليمي لاستدامة السلام، مضيفًا أن القاهرة تسعى لأن تتحول قمة شرم الشيخ من مجرد اتفاق ظرفي إلى منصة دائمة لإطلاق عملية سلام شاملة تعيد الاستقرار للمنطقة بأسرها.

قمة شرم الشيخ للسلام.. نقطة تحول تاريخة

من جانبه، قال منير أديب، خبير العلاقات السياسية والاستراتيجية، إنّ قمة شرم الشيخ للسلام تمثل نقطة تحول تاريخية في مسار القضية الفلسطينية، معتبرًا أن الحرب على غزة انتهت فعليًا ولن تعود آلة الحرب الإسرائيلية إلى القطاع مرة أخرى، مهما حاولت الأطراف المتشددة داخل إسرائيل جرّ الأوضاع إلى الميدان من جديد.

وأوضح أديب أن المرحلة الحالية تشهد تحولًا من مرحلة الحرب إلى مرحلة بناء السلام، وأن هذا السلام –رغم هشاشته في بدايته– قد يكون بداية حقيقية لتأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة، أو على الأقل للدفع في مسار سياسي جاد نحو إنهاء الصراع الممتد منذ عقود، في ظل تعاطف دولي ورغبة إقليمية واضحة لإغلاق هذا الملف نهائيًا.

وأضاف أن قمة شرم الشيخ ليست مجرد اجتماع دبلوماسي، بل خطوة عملية تقودها مصر لدفع العالم نحو حل الدولتين، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تشارك القاهرة هذه الرؤية، وأن دونالد ترامب بات يدرك أن أمن إسرائيل لن يتحقق إلا بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأراضي المحتلة بعد عام 1967.

وأكد الخبير السياسي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول افتعال مبررات للعودة إلى الحرب أو عرقلة مسار المفاوضات، لكنه يواجه رفضًا أمريكيًا حاسمًا، لأن واشنطن لم تعد ترى في استمرار الصراع أي مكسب استراتيجي، خاصة بعد أن تراجعت شعبية نتنياهو داخليًا إلى أدنى مستوياتها، وباتت حكومته على حافة الانهيار، وسط تصاعد الدعوات الإسرائيلية لمحاكمته والمطالبة بانتخابات مبكرة.

واقع جديد في المنطقة

أشار أديب إلى أن قمة شرم الشيخ ستكرّس واقعًا جديدًا في المنطقة، إذ من المتوقع أن يعلن خلالها عن إرساء دعائم الدولة الفلسطينية بحضور الرئيس الأمريكي، الذي سيكون له – بحسب أديب – تأثير مباشر في اختيار رئيس الوزراء الإسرائيلي القادم، مستفيدًا من شعبيته المتزايدة داخل إسرائيل بعد دوره في الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، في مقابل تعنّت حكومة نتنياهو السابقة.

ولفت إلى أن القاهرة تواصل أداء دورها التاريخي كوسيط ضامن للاستقرار، وتضع “حجرًا جديدًا” في بناء الدولة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الفترة المقبلة ستشهد تحركات مكثفة لرأب الصدع بين الفصائل الفلسطينية والدفع نحو مصالحة طال انتظارها لأكثر من 17 عامًا، معتبرًا أن هذه الخطوة شرط أساسي لإنجاح أي تسوية سياسية.

واختتم منير أديب تصريحاته بالتأكيد على أن قمة شرم الشيخ للسلام ليست نهاية الحرب على غزة فقط، بل بداية لإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وأن مصر تقود المشهد الإقليمي بثبات لتثبيت السلام العادل والشامل، في لحظة فارقة قد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود قادمة.

اقرأ أيضًا: بعد عامين من الحرب على غزة.. هل يقترب الاقتصاد الإسرائيلي من الانهيار؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة