قناة السويس تدفع فاتورة الصراع في الشرق الأوسط 

  • فخري الفقي: 3.5مليار دولار خسائر القناة بسبب التوترات الجيوسياسية
  • رمزي الجرم: انخفاض المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري بسبب خسائر القناة

نهال أحمد

لاتزال هيئة قناة السويس تعاني ويلات التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وخسرت لتخسر 30 في المئة من الدخل المُتوقع لها في نهاية العام المالي 2023 /2024، والذي من المفترض استخدامه لسد الفجوة التمويلية في مصر من النقد الأجنبي البالغة 28.5 مليار دولار بعد احتساب التدفقات الواردة من صفقة رأس الحكمة وتعزيز الاحتياطي النقدي.

كشف رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب الدكتور فخري الفقي، تكبد هيئة قناة السويس  خسائر تقدر بنحو 3.5 مليار دولار منذ اندلاع التوترات بالمنطقة، لافتًا إلى أن حصيلة دخل القناة العام المالي الماضي 2022/2023 بلغت تسعة مليارات دولار، ما يمثل ربع قيمة احتياطي النقد الأجنبي لمصر لدى البنك المركزي، فيما كان متوسط دخلها في السابق قبل عام 2015 يتراوح بين أربعة وخمسة ونصف مليار دولار، ولكن بعد حفر قناة السويس الجديدة جذبت المزيد من شركات الشحن العملاقة خاصةً في ظل الأزمات التي تواجه قناة بنما المهددة بالجفاف وطريق ورأس الرجاء الصالح غير المؤهل لمرور السفن الصغيرة. 

ويقول الفقي فى تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia”، لولا التوترات الحالية كان من المتوقع ارتفاع دخل قناة السويس إلى 10.5 مليار دولار، وتوقع أن تسجل القناة إيرادات بقيمة سبع مليارات دولار بنهاية العام المالي الجاري.

وشدد الفقي على أن قناة السويس مازالت أكثر جاذبية من غيرها من طرق الملاحة، موضحا أنه لولا التوتر في منطقة باب المندب بسبب الحوثيين ووجود القوات الأميركية والبريطانية لاستطاعت قناة السويس تحقيق وفرة للاقتصاد المصري، وأوضح أن مصر كانت تستفيد قبل هجمات الحوثيين، بنحو 400 ألف دولار مقابل عبور كل سفينة من قناة السويس، يتم تسديد المبالغ مقدماً عبر الموقع الإلكتروني الخاص بهيئة القناة التي تورد سبعين في المئة من إيراداتها إلى خزانة الدولة وتحتفظ بالمبلغ المتبقي لتمويل عمليات تطوير القناة وتشغيلها.

وعلى الرغم من كبر حجم الخسائر يرى الفقي، أن مصر تستطيع تعويضها بسبب ارتفاع إيرادات السياحة وأموال صفقة رأس الحكمة، واقتراب إتمام صفقة أرض مقر الحزب الوطني على كورنيش النيل مع مجموعة الشعفار السعودية بقيمة 5 مليارات دولار والتي ستدخل خزينة الدولة قريباً،

بحر الشمال وتكاليف فائقة

وحول إمكانية اعتماد بحر الشمال بديلاً مناسباً لقناة السويس، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد عبد الهادي، إن الطريق لايزال به العديد من التحديات التي يصعب حلها على المدى القريب، نظراً إلى الطبيعة الجغرافية له بالإضافة أن السلطات الروسية تسيطر على معظم طريق بحر الشمال ما يفرض على السفن الحصول على إذن الروس ودفع رسوم العبور لهم.

وأكد عبد الهادي في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أن استخدام بحر الشمال يفرض تحديات جديدة على السفن لأن المياه القريبة من الخط الساحلي الأكثر أماناً للملاحة ضحلة، مما يعني لجوء شركات الشحن إلى خفض حمولتها واستخدام سفن أصغر من سفن الحاويات، مشيرًا إلى أن القدرة على تنفيذ حالات الإنقاذ وقت الطوارئ ستكون أكثر صعوبة وتكلفة عن نظيراتها في قناة السويس، كما ستحتاج شركات الشحن أيضًا إلى سفن قوية بما يكفي لتتحمل الجليد القطبي السميك أثناء عبورها، الأمر الذي من شأنه أن يرفع التكلفة أكثر.

ويرى الخبير، أن قناة السويس أنجح الطرق التجارية بين آسيا وأوروبا، وأن الممرات المنافسة لا تمثل خطورة عليها لأنها لم تقدم بديلاً كاملاً، وأن حجم التأثر لن يتجاوز 7 في المئة من إجمالي حركة المرور داخل القناة.

وكان الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية أكد في أكثر من مناسبة أنه لا بديل للقناة وأن الممر الروسي الذي لا يعمل سوى 4 أشهر في السنة بسبب الثلوج التي تغلق الطريق، لن يكون بديلاً لقناة السويس بسبب ارتفاع تكلفة الممر وصغر حمولة الحاويات والغاطس الذي لا يتعدى 9 أمتار، بينما يصل الغاطس في قناة السويس إلى 18.5 متر، وتسمح القناة بمرور السفن الكبيرة، بما في ذلك ناقلات النفط العملاقة وسفن الحاويات، ما يسهل حركة البضائع بين الموانئ العالمية بسرعة وكفاءة، ويدعم سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

واتفق الدكتور محمد الشوربجى الخبير الاقتصادي مع هذا الرأي، مؤكداً أن الملاحة في ممر بحر الشمال تعتبر صعبة جداً نظراً للطقس السيئ، ونقص المساعدات الملاحية الكافية.

وأوضح الشوربجى في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia”، أن طريق بحر الشمال مكلف مادياً، رغم كونه أقصر زمنياً، لأن الملاحة عبره تتطلب توفير كاسحات جليد لمرافقة حاويات الشحن حيث ترافق ثلاث كاسحات قوافل السفن، كما أن الممر لا يعمل طوال العام ما يجعله خارج المنافسة.

تأثير أزمة قناة السويس عالمياً

وحول تأثير أزمة قناة السويس عالميًا، لفت الشوربجى إلى زيادة أسعار الشحن البحري بين الشرق الأقصى وشمال أوروبا بنحو 124% منذ بداية الأزمة في ديسمبر 2023، كما ارتفعت أسعار الشحن بين الشرق الأقصى والساحل الشرقي لأميركا بنسبة 45%، وارتفعت الأسعار إلى البحر الأبيض المتوسط، بنسبة 118%.

وتابع الشوربجى قائلا ” كما ارتفعت أقساط الشحن من البحر الأبيض المتوسط إلى شمال أوروبا إلى 800 دولار مقابل 250 دولارًا، أي بزيادة نسبتها 220%، وارتفع وقت الوصول من شمال أوروبا إلى آسيا بنسبة 44%، وتسبب ارتفاع سعر الشحن والوقت المستغرق في نقل البضائع والتأخير في سلاسل التوريد في الضغط على الشحن الجوي، كخيار بديل، ما أدى لارتفاع أسعاره”.

ووفقًا للخبير لاتزال مصر هي الدولة الأكثر تضرراً من انقطاع حركة الملاحة البحرية في باب المندب، وزيادة التوترات العسكرية جنوب البحر الأحمر، مما يؤثر على أهم طريق تجاري في العالم حيث يمر عبر قناة السويس 12% من حركة التجارة العالمية.

خسائر هائلة منذ اندلاع التوترات

أكد الخبير المصرفي الدكتور رمزي الجرم في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” ، على أن استمرار أمد الحرب في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي وحتى الآن، له تداعيات سلبية إقليمياً ودولياً ، وبشكل خاص على الاقتصاد المصري، الذي يعاني من تَعطُل حركة النقل في المجرى المائي لقناة السويس بشكل كبير، مما كان له تأثير مباشر على انخفاض الحصيلة الدولارية، التي تُعتبر أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في البلاد ، وكشف البنك الدولي في تقريره بعنوان (الصراع والديون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) عن انخفاض حصيلة مصر من رسوم العبور في قناة السويس بنحو 42٪ في أول شهرين من عام 2024، وتراجع عدد السفن التي تَمُر بالقناة إلى 2.3 ألف سفينة مقابل 3.9 ألف سفينة عن نفس الفترة.

وأضاف الجرم في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia”، على الرغم من وجود تدفقات دولاريه بقيمة 45 مليار دولار خلال الفترة الأخيرة، ممثلة في صفقة رأس الحكمة وصرف دفعات من قرض صندوق النقد الدولي ومساعدات من الاتحاد الأوربي والتنازل عن المزيد من العملات الأجنبية المختلفة مقابل الجنيه المصري بعد التعويم الرابع للعملة المحلية ؛ إلا أنها لا تشكل موارد مستدامة للنقد الأجنبي ، بل  تندرج تحت طائفة الموارد الدولارية الطارئة، والتي لا يُعول عليها في بناء الاقتصاد الوطني ، بالمقارنة بالموارد الدولارية التي تتدفق من المجرى المائي الأهم عالميا بشكل دوري ومستدام، والذي يمثل مورد طبيعي له صفة الاستمرارية، والذي يعتمد عليه صانعي السياسة الاقتصادية والنقدية في البلاد يشكل أساسي في تقدير تدفقات موارد النقد الأجنبي في المستقبل ورسم السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية بشكل دقيق.

 وتابع الخبير: والحقيقة أن استمرار الأزمة، سيدفع بالمزيد من التداعيات السلبية الخطيرة على الاقتصاد المصري، من خلال انخفاض ملموس في المؤشرات الكلية للاقتصاد الوطني، فضلاً عن أن الخطورة تَكمُن في أن استمرار تَعطُل الملاحة والشحن في قناة السويس سيدفع الشركات للبحث عن بدائل أخرى وإن كانت غير مناسبة.

 واختتم رمزى الجرم قائلاً: “ربما تدفع التداعيات السلبية المستمرة الحادثة على خلفية التوترات الجيوسياسية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، إلى تَحرك سياسي حثيث من أجل إنهاء الأزمة في أقرب وقت ممكن، والذي سيحمل انعكاسات سلبية عديدة، ليس على الجانب المصري فحسب؛ بل إقليمياً وعالمياً، نظراً لزيادة تكاليف الشحن والتأمين في حالة المرور عن طريق رأس الرجاء الصالح وتأخر البضائع من 7 إلى 10 أيام، مما يؤدي إلى تلف بعضها وزيادة النفقات جراء هذا التأخير”.

 مشروع ازدواج قناة السويس 

 في الوقت نفسه تدرس هيئة قناة السويس مشروعًا جديد لازدواج القناة بشكل كامل، من المتوقع أن يرفع من معدلات أمان عبور السفن 100٪ ويحقق مكاسب مالية ضخمة لمصر.

 ووفقًا للدراسة يوجد مسافة تبلغ حوالي 80 كيلومتراً بالقناة ليس بها ازدواج، بواقع 50 كيلومتراً في الشمال و30 كيلومتراً في الجنوب ويُجري حالياً تنفيذ ازدواج بطول 10 كيلومترات لتنضم إلى قناة السويس الجديدة ليصبح طولها 82 كيلومتراً بدلاً من 72 كيلومتراً، مما يرفع أعداد السفن العابرة ويسهم في تقليل زمن الانتظار ليصبح 3 ساعات بدلاً من 11 ساعة.

 وتستمر دراسة المشروع نحو 16 شهراً لتحديد الجدوى الاقتصادية وعمل الدراسات البيئية والهندسية وبحوث التربة بالتعاون مع جهات دولية، وتبلغ تكلفته 14 مليار دولار، ويقول الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، إن الدراسات الحالية تؤكد أن حركة التجارة العالمية ستزيد بنحو 5.3 %، ومن المتوقع في عام 2034 زيادة عدد السفن العابرة من قناة السويس إلى 135 سفينة يومياً.

 ووفقاً لربيع، سيرفع مشروع ازدواج قناة السويس من تنافسية المجرى الملاحي من خلال تقليل مدة مرور السفن بالقناة مما يخفض من تكلفة الشحن، ويزيد من عدد السفن المارة، ويعزز من مكانتها كمركز لوجيستي رئيسي يتفوق على كل الممرات الأخرى المتنافسة، كما يعكس المشروع التزام مصر بالحفاظ على مكانتها كدولة رائدة في مجال النقل البحري، مما يحفز النمو الاقتصادي ويعزز شبكات التجارة العالمية.

 مخاوف المشروع الجديد 

 أثار المشروع الجديد مخاوف الخبراء خاصة ً بعدما أنفقت الحكومة ثماني مليارات دولار على إنشاء التفريعة السابقة التي كان لها نصيب الأسد من أزمة العملة الأجنبية التي تعاني منها البلاد إلى اليوم وتسببت في قرار تعويم الجنيه الذي أطاح بمدخرات المصريين.

 ويرى الدكتور محمد عبدالهادي، إن الوقت الراهن غير ملائم للدخول في مشروعات تنموية في ظل الوضع الاقتصادي الحالي وارتفاع الديون الخارجية للبلاد التي وصلت إلى 168 مليار دولار يتعين سداد 42.3 مليار دولار أقساط ديون وفوائد في 2024.

 وطالب الخبير الحكومة بالتمهل في تنفيذ المشروع لحين التأكد من جدواه الاقتصادية وتوفير التمويل المناسب له دون الضغط على موازنة الدولة أو استنزاف دخل القناة الذي يعد أهم مصدر للدخل القومي المصري.

أخبار ذات صلة