تقرير: باسل محمود
في خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عبر حسابها الرسمي على منصة “X”، أنَّ السفن الحكومية الأمريكية باتت مُعفاة من رسوم العبور في قناة بنما، وهو امتياز لم يكن متاحًا منذ نقل السيادة الكاملة على القناة إلى الحكومة البنمية عام 1999.
هذا القرار، الذي قد يُوَفِّر لواشنطن ملايين الدولارات سنويًا، جاء بعد لقاء جَمَعَ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالرئيس البنمي خوسيه راؤول مولينو، خلال زيارة رسمية لأمريكا الوسطى.
قناة بنما.. نقطة اشتعال في العلاقات الدولية
لطالما كانت قناة بنما محورًا حساسًا في العلاقات الأمريكية البنمية، وحتى في توازنات القوى العالمية؛ إذ إنّ هذه القناة التي تمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا تربط المحيطين الأطلسي والهادئ، كانت لعقود تحت السيطرة الأمريكية، قبل أن تنتقل إدارتها إلى بنما بموجب اتفاقيات 1977، والتي توجت بتسليمها الكامل عام 1999، رغم أنّ النفوذ الأمريكي ظلّ حاضرًا، وإن كان بطرق غير مباشرة.
اليوم، يعيد هذا الإعفاء من الرسوم تسليط الضوء على العلاقة المتوترة بين واشنطن وبنما، خاصةً بعد أن اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحكومة البنمية بفرض رسوم “مفرطة” على السفن الأمريكية، ولم يخفِ تهديده حين قال: “إذا لم يتم الالتزام بالمبادئ الأخلاقية والقانونية لهذا التصرُّف الكريم، فسوف نطالب باستعادة السيطرة الكاملة وغير المشروطة على قناة بنما”.
اقرأ أيضًا: غرينلاند وقناة بنما.. طموحات ترامب العالمية
قرار بنما.. استجابة لضغوط أم مصلحة مشتركة؟
من غير الواضح ما إذا كان قرار إعفاء السفن الأمريكية الحكومية من الرسوم جاء نتيجة ضغوط سياسية أمريكية، أم أنه جزء من تفاهم أوسع يخدم مصالح بنما أيضًا، حيث إنّ هذه القناة، التي تُعَدُّ مصدر دخل رئيسًا للبلاد، تواجه تحديات كبيرة بسبب تراجع منسوب المياه العذبة التي تغذيها، ما أدى إلى خفض عدد السفن المسموح لها بالعبور يوميًا.
ومع تزايد التنافس الدولي على طرق التجارة البحرية، تحاول بنما الحفاظ على علاقتها مع أكبر مستخدمي قناتها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، إلّا أنّ غياب أي تعليق رسمي من هيئة قناة بنما يترك الباب مفتوحًا أمام التأويلات، خاصةً أنَّ القرار لم يُعلن عنه عبر القنوات الرسمية البنمية، بل جاء في بيان أمريكي مقتضب عبر منصة “إكس”.
ما الذي تعنيه هذه الخطوة للولايات المتحدة؟
رغم أنَّ الاتفاق يبدو تقنيًا بحتًا، إلَّا أنّه يحمل دلالات استراتيجية عميقة؛ فالإعفاء من الرسوم لا يُخَفِّف فقط من الأعباء المالية على واشنطن، بل يمنحها امتيازًا خاصًا في ممر تجاري دولي حيوي قد يعزز النفوذ الأمريكي في القناة بشكل غير مباشر، خاصةً في ظل المنافسة الصينية المتزايدة على البنية التحتية البحرية في أمريكا اللاتينية.
في السنوات الأخيرة، كثَّفت الصين استثماراتها في مشاريع موانئ وممرات بحرية في المنطقة، ما أثار مخاوف واشنطن من تراجع نفوذها في ما تعتبره تاريخيًا ضمن مجالها الحيوي، وبالتالي فإنَّ أيّ خطوة تمنح الولايات المتحدة موطئ قدم أقوى في بنما قد تُعتبر جزءًا من استراتيجية أوسع لكبح النفوذ الصيني في الممرات البحرية الاستراتيجية.
اقرأ أيضًا: الصين ترد على الرسوم الأمريكية بتصعيد جديد
التداعيات المحتملة.. هل يتكرر سيناريو الأزمة؟
قد لا يمر هذا القرار بهدوء، بل قد يُثير ردود فعل داخل بنما نفسها، فالمعارضة البنمية قد ترى فيه تنازلًا غير مُبَرَّر عن أحد مصادر الدخل السيادية، خاصةً إذا لم يكن هناك مكاسب واضحة لبنما من هذا الإعفاء. كما قد تثير هذه الخطوة تساؤلات حول مدى استقلالية القرار السيادي لبنما أمام الضغوط الأمريكية.
أما على الصعيد الدولي، فقد يكون لهذا الاتفاق تداعيات أوسع على العلاقات الأمريكية اللاتينية، خصوصًا مع دول تسعى للحد من الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
ومن ناحية أخرى، من المحتمل أن يُنظر إلى القرار باعتباره مؤشرًا على سعي واشنطن لاستعادة نفوذها في أمريكا اللاتينية عبر أدوات غير تقليدية، في وقت تتزايد فيه المنافسة الاقتصادية والسياسية مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا.
هل هي بداية لعودة النفوذ الأمريكي المباشر؟
قد يبدو إعفاء السفن الحكومية الأمريكية من رسوم العبور في قناة بنما مجرد تفصيل بيروقراطي، لكنَّه يحمل في طياته أبعادًا سياسية واقتصادية عميقة، إذ إنّ هذه القناة، التي كانت يومًا رمزًا للسيطرة الأمريكية في المنطقة، تعود اليوم إلى دائرة الجدل كأداة في لعبة النفوذ بين القوى الكبرى.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل ستستغل واشنطن هذا الامتياز كخطوة أولى لاستعادة نفوذها في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، أم أنَّ بنما ستتمكن من الحفاظ على توازنها بين القوى المتنافسة؟
قد يهمّك أيضًا: مشروع ازدواج قناة السويس يُعزز أهميتها في حركة الملاحة العالمية