قنوات السلام تحت النار.. هل تنجح الوساطة الرباعية في وقف الحرب؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا، يعكس محاولات جدية لاحتواء التصعيد المتسارع ووقف مسار الحرب الذي يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، وفي هذا السياق برزت قنوات اتصال دبلوماسية واضحة، ربما للمرة الأولى بهذا الشكل ممثلة في الوساطة الرباعية، في محاولة للوصول إلى اتفاقات يمكن أن تمهد لإنهاء المواجهات القائمة أو على الأقل الحد من تداعياتها.

وتتصدر كل من مصر والسعودية وباكستان وتركيا هذه الجهود، في إطار تحرك رباعي يسعى إلى لعب دور الوسيط بين الأطراف المتصارعة، مستندًا إلى ما يتمتع به من علاقات متوازنة وثقل سياسي ودبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي.

ورغم تعقيد المشهد الإقليمي، فإن هذه التحركات تعكس إدراك خطورة استمرار الصراع واتساع نطاقه، خاصة مع تداخل ملفات متعددة وتزايد الضغوط المرتبطة بعامل الوقت؛ فالمفاوضات الجارية لا تنفصل عن سياق من المهلات الزمنية والضغوط السياسية، ما يضع الوسطاء أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في تحقيق اختراق سريع وملموس.

وفي ظل هذه المعطيات، تتجه الأنظار إلى إمكانية التوصل إلى هدنة مؤقتة كخطوة أولى، تسمح بتهيئة المناخ المناسب لإجراء مفاوضات أكثر هدوء وفاعلية، بعيدًا عن ضغوط العمليات العسكرية، بما قد يفتح المجال أمام مسار سياسي يمكن البناء عليه لتخفيف حدة التوتر في المنطقة.

ضرورة التدخل الإقليمي لاحتواء الأزمة

في هذا الشأن، أكد محمد خيري، المحلل السياسي، أن المشهد الإقليمي الحالي يشهد تصعيدًا غير مسبوق في إطار المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، مشيرًا إلى أنَّ تداعيات هذه المواجهة لم تعد مقتصرة على ساحة واحدة، بل امتدت لتشمل مناطق متعددة في الشرق الأوسط، ما يعكس تعقيدًا متزايدًا في طبيعة الصراع.

وأوضح خيري أن التطورات الميدانية تعكس حالة من التوتر المستمر، حيث تم تسجيل استهدافات متكررة في عدة مناطق، من بينها بغداد وأربيل والبصرة، مع تفعيل منظومات الدفاع داخل السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، إلى جانب سقوط طائرات مسيرة في مواقع حساسة، بعضها لم ينفجر، فيما أسفر البعض الآخر عن إصابات.

وأشار إلى أن الغارات الأمريكية التي استهدفت مناطق مثل كركوك والموصل، وما أسفرت عنه من سقوط قتلى وجرحى، دفعت العراق إلى التحرك دبلوماسيًا بالتنسيق مع المجتمع الدولي لمحاولة احتواء التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وأضاف أن استمرار الانفجارات في أربيل، وسقوط طائرات مسيرة قرب مواقع حساسة، دفع السلطات المحلية إلى اتخاذ إجراءات احترازية، من بينها تعطيل الدراسة في المؤسسات التعليمية، وهو ما يؤكد حجم التأثير المباشر للأوضاع الأمنية على الحياة اليومية.

اقرأ أيضًا: فاتورة تريليونية.. الكلفة الحقيقية للحرب على إيران

سباق بين لغة السلاح وطاولة التفاوض

أكد خيري أن المشهد الحالي، مع دخول المواجهة يومها الثلاثين، يعكس حالة من التوازن بين التصعيد العسكري واستمرار فتح القنوات الدبلوماسية، حيث لا تزال الجهود السياسية قائمة رغم احتدام العمليات على الأرض، وهذا يعني أن الصراع لم يصل بعد إلى مرحلة الحسم.

وأوضح أن هناك حراكًا دبلوماسيًا نشطًا تقوده عدة دول، على رأسها مصر، إلى جانب السعودية وتركيا وباكستان، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع اتساعها، مشيرًا إلى أنّ هذا التحرك يعكس إدراكًا إقليميًا بخطورة انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تمتد آثارها إلى مختلف الدول.

وأضاف أن الدور المصري في هذا السياق يحظى بثقل خاص، حيث تتحرك القاهرة على أكثر من مسار، سواء عبر الاتصالات السياسية أو الجهود الإنسانية، كما يظهر في التحركات الدبلوماسية وزيارات المسؤولين، إلى جانب تقديم الدعم للدول المتضررة.

عقبات أمام الوساطة الرباعية

أشار خيري إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه جهود الوساطة يتمثل في تعقيدات الملفات المطروحة، خاصة في ظل تمسك بعض الأطراف بربط ملفات متعددة ببعضها، مثل إصرار إيران على إدراج الملف اللبناني ضمن أي تسوية، مقابل رفض إسرائيلي لهذا الطرح، وهو ما يعقد مسار التفاوض.

وأوضح أن الولايات المتحدة تتبنى في الوقت نفسه مسارًا مزدوجًا يجمع بين التصعيد العسكري وطرح مبادرات تفاوضية تتضمن شروطا متعددة، قد تصل إلى 15 بند، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى إمكانية قبول هذه الشروط من الجانب الإيراني، خاصة إذا اعتُبرت شروطا صعبة أو غير متوازنة.

وأشار خيري إلى أن الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، سواء من خلال تعزيز القوات أو نشر مزيد من القدرات العسكرية، يعكس الاستعداد لسيناريوهات متعددة في حال فشل المسار التفاوضي، بما في ذلك احتمالات التصعيد أو توسيع نطاق العمليات.

وأكَّد أن التطورات الحالية تُشير إلى تذبذب واضح في مسار الأزمة، حيث تتراوح المؤشرات بين إشارات إيجابية مرتبطة بفتح قنوات التفاوض، وأخرى سلبية تعكس استمرار التصعيد، وهو ما يجعل المشهد مفتوحًا على عدة سيناريوهات. وأضاف أن اتساع رقعة التوتر ليشمل مناطق جديدة، مثل اليمن ولبنان وسوريا والعراق، يعكس محاولات لإشعال بؤر توتر إضافية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويهدد بتحويل الصراع إلى مواجهة أوسع يصعب السيطرة عليها.

اقرأ أيضًا: صدمة البنزين في آسيا.. قفزة الهوامش وإعادة رسم خارطة التجارة

الهدنة المؤقتة كطوق نجاة

أشار خيري إلى أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على المنطقة، خاصة في ما يتعلق بأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية، إلى جانب التأثير على الاستقرار الإقليمي بشكل عام. وأوضح أن نجاح جهود الوساطة يتطلب في المرحلة الحالية تحقيق هدنة مؤقتة على الأقل، تسمح بتهيئة المناخ المناسب للتفاوض، مؤكدًا أن التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية يظل محدود الفاعلية.

وأضاف أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة يجب أن يكون خفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع، مشيرًا إلى أن أي خطوة نحو التهدئة، سواء من خلال اتفاقات جزئية أو وقف مؤقت لإطلاق النار، تمثل تطورًا إيجابيًا يمكن البناء عليه.

كما أكد أن التحدي الأكبر يتمثل في حالة انعدام الثقة بين الأطراف، والتي قد تؤدي إلى استئناف العمليات العسكرية حتى في حال التوصل إلى هدنة، وهو ما يستدعي جهودًا أكبر لضمان استدامة أي اتفاق محتمل.

واختتم محمد خيري تصريحاته بالتأكيد على أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق، حيث إن استمرار التصعيد قد يدفع نحو سيناريوهات أكثر خطورة، بينما يظل الأمل قائمًا في أن تنجح الجهود الدبلوماسية، خاصة تلك التي تقودها الدول الإقليمية، في تحويل مسار الأزمة من المواجهة إلى التفاوض، قبل أن تتسع دائرة الصراع إلى ما هو أبعد من السيطرة.

قد يهمّك أيضًا: نفط بـ 150 دولاراً؟ تحذيرات “بلاك روك” من ركود عالمي وشيك

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة