قيود أوروبا الرقمية تعرقل الاتفاق التجاري مع واشنطن

تعطّل صدور البيان المشترك بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن الاتفاق التجاري الأخير، نتيجة خلافات حادة حول قواعد الاتحاد الرقمية الجديدة، وفي مقدمتها قانون الخدمات الرقمية الذي يلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بمراقبة منصاتها بشكل صارم.

وقد تعثَّرت المفاوضات بين بروكسل وواشنطن بسبب الخلافات على صياغة اللغة الخاصة بمفهوم “الحواجز غير الجمركية”، إذ تعتبر الولايات المتحدة أن التشريعات الرقمية الطموحة التي أقرها الاتحاد الأوروبي تمثل عائقاً أمام شركاتها العملاقة، بينما يصر الجانب الأوروبي على أن هذه القواعد تمثل خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه.

أصول الخلافات بين بروكسل وواشنطن

كان من المقرر أن يتم إصدار البيان المشترك عقب إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاتفاق الجمركي يوم 27 يوليو في اسكتلندا، إلا أن الخلافات حول القواعد الرقمية أجلت إصداره، مما ألقى بظلال من الشك على مصير التفاهمات التجارية.

القانون الرقمي جوهر الأزمة

القانون الأوروبي المعروف بـ “قانون الخدمات الرقمية” يُعد من أكثر التشريعات صرامة على مستوى العالم في إلزام منصات التكنولوجيا بمراقبة المحتوى ومنع المعلومات المضللة، وقد اعتبرت واشنطن هذه القواعد بمثابة قيود تنظيمية تعيق المنافسة، إذ ستفرض التزامات مالية وتشغيلية إضافية على شركات أمريكية كبرى مثل “جوجل” و”أمازون” و”ميتا”.

وأكدت المفوضية الأوروبية أن التراجع عن هذه القواعد ليس مطروحاً للنقاش، فيما قال مسؤول أمريكي: “نواصل معالجة حواجز التجارة الرقمية في محادثاتنا مع شركائنا، وقد وافق الاتحاد الأوروبي على النظر فيها عند التوصل إلى الاتفاق الأولي”.

التعريفات الجمركية على السيارات الأوروبية

لم تقف الخلافات عند حدود القوانين الرقمية، بل امتدت إلى التعريفات الجمركية على السيارات الأوروبية المصدّرة إلى السوق الأمريكية؛ فقد كانت بروكسل تتوقع أن يصدر ترامب أمراً تنفيذياً بحلول 15 أغسطس لتقليص هذه الرسوم من 27.5% إلى 15%، وهو ما كان سيمنح دفعة قوية لقطاع السيارات الألماني على وجه الخصوص.

لكن مسؤولاً أمريكياً أوضح أن أي تعديل في الرسوم لن يتم قبل الاتفاق على البيان المشترك، قائلاً: “الإجراءات المتعلقة بأي تعريفات جمركية، مثل تلك المطبقة على السيارات بموجب المادة 232، ستُتخذ فقط بعد استكمال البيانات المشتركة مع الشركاء التجاريين”.

هذا التأجيل أبقى القطاع الصناعي الأوروبي –وخاصة الألماني– في حالة ترقب، وسط مخاوف من استمرار الرسوم العالية التي تحد من تنافسية السيارات الأوروبية في السوق الأمريكية.

اقرأ أيضًا: من أبرم اتفاقًا مع أمريكا قبل مهلة ترامب ومن ينتظر؟

المنتجات الغذائية الأمريكية في قلب المفاوضات

ظهرت عقبات أخرى مرتبطة بالمنتجات الغذائية الأمريكية أيضًا؛ فقد طالبت إدارة ترامب بتحديد جداول زمنية واضحة تسمح بدخول منتجات مثل الأسماك والكاتشب والبسكويت والكاكاو وزيت فول الصويا إلى الأسواق الأوروبية بشروط تفضيلية، إلى جانب خفض الرسوم على السلع الصناعية الأمريكية.

الاتحاد الأوروبي اعتبر أنه من غير الممكن تحديد جدول زمني دقيق في الوقت الراهن، بسبب تعقيدات الموافقة الداخلية على مستوى الدول الأعضاء الـ 27، فضلاً عن الحاجة إلى إدخال تعديلات قانونية لتقليل البيروقراطية، وقال مسؤول أوروبي: “قدمنا التزامات سياسية واضحة، وننوي الوفاء بها بشرط أن تفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه أولاً”.

فيما أشارت تقارير من بروكسل إلى أن الاتحاد الأوروبي تخلى مؤقتاً عن مطلبه بتأمين استثناءات جمركية للنبيذ والمشروبات الروحية، وهو ما كانت تدفع به فرنسا وإيطاليا، أكبر مصدّري هذه المنتجات.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل تنازلاً أوروبياً يعكس ضعف الموقف التفاوضي للتكتل، إذ اضطر للقبول برسوم جمركية مرتفعة، وفي الوقت نفسه الالتزام بإنفاق مئات المليارات من الدولارات على واردات الطاقة والاستثمارات الأمريكية.

تنازلات أوروبية لتعزيز الاتفاق مع واشنطن

أوضحت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، أنَّ الأزمة الحالية تكشف عمق الفجوة بين الجانبين، وقالت: “الخلاف حول قانون الخدمات الرقمية ليس مجرد مسألة تنظيمية، بل يعكس صراعاً أوسع على من يضع معايير الاقتصاد العالمي في المستقبل، فالاتحاد الأوروبي يسعى لفرض نموذج تنظيمي يحمي مجتمعاته من مخاطر المنصات، بينما الولايات المتحدة ترى في ذلك تهديداً لنفوذ شركاتها العملاقة”.

وأضافت أن ربط ملف السيارات بالبيان المشترك يمثل أداة ضغط أمريكية واضحة، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة تعلم جيداً أن قطاع السيارات هو العمود الفقري للاقتصاد الألماني، ولذلك تستخدم هذه الورقة لكسب تنازلات أكبر.

ومن جانبها، حذرت خضر من أن الاتفاق التجاري مع واشنطن قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الأوروبي، قائلة: “حتى في حال التوصل إلى تفاهم نهائي، فإن فرض رسوم نسبتها 15% على معظم الصادرات الأوروبية سيقلل من تنافسيتها، خاصة في الصناعات التحويلية والمنتجات ذات القيمة المضافة العالية”.

وأوضحت أن الشركات الأوروبية ستجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما أن تُقَلِّص أرباحها لتحافظ على حصتها في السوق الأمريكية، أو تُحَمِّل المستهلك النهائي جزءاً من التكلفة، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط التضخمية داخل أوروبا.

وفي السياق ذاته، أكَّدت الخبيرة الاقتصادية أنَّ إصرار واشنطن على إدخال منتجاتها الغذائية للأسواق الأوروبية يعكس مسعى أمريكياً لتصريف فوائض زراعية تواجه ركوداً محلياً، وقالت: “هذه النقطة تكشف أن الاتفاق ليس فقط حول السيارات أو التكنولوجيا، بل يشمل محاولة أمريكية لفرض نفوذ تجاري أوسع على القطاعات الزراعية والغذائية داخل أوروبا”.

الأبعاد الجيوسياسية للأزمة التجارية

ترى خضر أنَّ الأزمة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة الدولية، موضحة أنَّ “الخلاف حول القواعد الرقمية يعكس مواجهة استراتيجية بين نموذجين مختلفين؛ هما النموذج الأمريكي القائم على حرية الشركات العملاقة، والنموذج الأوروبي الذي يمنح الحكومات سلطة أكبر في الرقابة والتنظيم، ونجاح أوروبا في فرض قواعدها قد يغير شكل علاقة التكنولوجيا بالحكومات على مستوى العالم”.

رغم التعقيدات، ترجح الخبيرة الاقتصادية أن يتم التوصُّل إلى اتفاق نهائي، لكنها أشارت إلى أن أوروبا ستخرج منه بأثمان باهظة، وقالت: “الميل الأخير دائماً هو الأصعب، لكن المؤكد هو أنَّ أوروبا دفعت بالفعل تنازلات على صعيد الجمركيات والطاقة، بينما واشنطن نجحت في تعزيز موقعها التفاوضي”.

وأضافت: “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريب، قد تتصاعد الحرب التجارية تدريجياً، مما يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي في القارة الأوروبية، وربما يفتح المجال أمام الصين وآسيا لتعزيز حضورها كشريك بديل للاتحاد الأوروبي”.

واختتمت الخبيرة حديثها قائلة: “بينما تستمر المسودات في التداول يبقى الاتفاق التجاري مع واشنطن معلقاً على خيوط رفيعة من المساومة السياسية والاقتصادية، فأوربا رغم محاولتها تجنب حرب تجارية شاملة، تجد نفسها اليوم أمام خيار صعب إما التمسك بقواعدها الرقمية الصارمة بما قد يعرقل الاتفاق مع حليفها الأطلسي، أو تقديم تنازلات إضافية تضعف موقفها الاستراتيجي على المدى الطويل”.

قد يهمّك أيضًا: كيف حوّل ترامب الرسوم الجمركية إلى سلاح سياسي؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة