كيف أثرت الرسوم الجمركية الأمريكية على أسواق النفط؟
تشهد أسواق النفط حالياً تراجعاً كبيراً، حيث وصلت الأسعار إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، وذلك بعد أن قامت الصين برفع الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية، في رد فعل انتقامي على الرسوم الجمركية الأمريكية، والسياسات الاقتصادية التي اتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقد أدى هذا التصعيد في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى حالة من القلق بين المستثمرين الذين بدأوا في الخوف من تأثيراته على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك احتمالية دخول الاقتصاد العالمي في ركود اقتصادي.
زيادة الإنتاج من أوبك بلس وتأثيره على الأسعار
خبير أسواق النفط، قائلاً: “عند إغلاق يوم الجمعة، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 6.5% لتصل إلى 65.58 دولارًا للبرميل، بينما سجلت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط تراجعاً بنسبة 7.4% لتصل إلى 61.99 دولارًا للبرميل، وهو ما يعد أكبر خسارة أسبوعية بالنسبة للنفط منذ عام ونصف”.
وأوضح الخبير أنَّ القرار الذي اتخذته أوبك بلس بزيادة الإنتاج لتلبية الطلب العالمي على النفط جاء في توقيت حساس، حيث ساهم ذلك في الضغط على الأسعار، بالتزامن مع التوقعات بتأثير إجراءات ترامب ضد صادرات النفط الإيرانية، والتي قد تساهم في حجب مليون برميل يومياً عن الأسواق، ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى دعم أسعار النفط بشكل فوري.
فرص الشراء مع الأسعار المنخفضة
أكَّد ياسين أحمد قائلاً: “رغم التراجع الحالي في الأسعار، إلا أنه من المتوقع أن تجذب هذه المستويات من الأسعار العديد من الدول لشراء النفط وتخزينه بكميات كبيرة، مما قد يؤدي إلى انتعاش الأسعار بشكل مؤقت إلى مستويات 70 دولاراً للبرميل أو أكثر على المدى القصير”.
وأشار إلى أن “المخاوف من تداعيات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين لا تقتصر على التأثير على الطلب العالمي على النفط، بل أيضاً على الأسعار على المدى الطويل، فالصين تعد أكبر مستورد للنفط وثاني أكبر مستهلك له في العالم، وهو ما يزيد من المخاوف بشأن التبادل التجاري بين البلدين”. وتابع قائلاً: “على الرغم من هذه التقلبات، فإن الأسواق النفطية تتأثر بالأحداث العالمية، وهو ما يجعل هذه الأسعار المغرية في الوقت الحالي فرصة كبيرة للشراء، مما قد يؤدي إلى زيادة في الأسعار مجدداً”.
تخزين النفط في الولايات المتحدة
أوضح ياسين أحمد أنَّ “البيانات تُشير إلى أن إدارة الطاقة الأمريكية قد زادت من مخزونات النفط الخام بشكل ملحوظ، وهو ما يدل على توقعاتها بحدوث اضطرابات في الأسواق لفترة محدودة، فالولايات المتحدة كانت تتوقع تراجع الأسعار إلى أقل من 70 دولاراً للبرميل، لكن في ظل الوضع الحالي يُحتمل أن تستمر في شراء النفط وتخزينه كإجراء احترازي”.
واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “في ظل هذه التطورات، يبقى قطاع النفط تحت مراقبة دقيقة، حيث إنَّ أي تغييرات إضافية في السياسة التجارية أو الإنتاج العالمي قد تؤثر بشكل كبير على أسعار النفط في المستقبل القريب”.
تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية على الأسواق
من جانبها، تحدَّثت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، عن التأثيرات الكبيرة التي تترتب على الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة فيما يتعلق بأسواق الذهب والنفط وأسعار السلع بشكل عام، وأوضحت أن التعريفات الجمركية الجديدة التي فرضتها الإدارة الأمريكية تصطدم بمفهوم السوق الحرة، وهو المبدأ الذي يعزز حرية التجارة الدولية.
في هذا السياق، ذكرت أنَّ الفلسفة الاقتصادية القائمة على التحرير التجاري تعود إلى المفكر الاقتصادي آدم سميث، الذي كان يؤمن بمبدأ “دعه يعمل ودعه يمر”، مما يعني أنه يجب أن تكون هناك حرية كاملة في التجارة، بحيث يتمكن كل منتج من التخصص في إنتاج السلع التي يتمكن من إنتاجها بأعلى جودة وأقل سعر، مما يعود بالنفع على المستهلكين من حيث الأسعار والجودة.
وأضافت أن هذه الرسوم تهدف إلى حماية المنتج الأمريكي، مما يعني أن بعض الصناعات الأمريكية غير قادرة على المنافسة حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، مؤكدة أن هذه الرسوم المفروضة على الدول التي تشهد أمريكا عجزًا تجاريًا معها، مثل الصين وبعض الدول الأوروبية، تؤدي إلى رفع تكلفة السلع المنتجة محليًا في السوق الأمريكية، وبالتالي يُجبر المستهلك الأمريكي على شراء السلع المحلية التي قد تكون أغلى من السلع المستوردة.
كما تطرقت الخبيرة إلى موقف الصين من القرار الأمريكي، حيث انتقدت الصين هذه الرسوم وفرضت بدورها رسومًا جمركية مضادة، وأكدت أن العلاقة بين السياسة والاقتصاد علاقة تبادلية، حيث تتأثر القرارات الاقتصادية غالبًا بالاعتبارات السياسية، وقد أوضحت الخبيرة أنَّه كان من المتوقع أن يواجه القرار الأمريكي بفرض رسوم جمركية ردود فعل وإجراءات مضادة، خاصة من الدول التي ستتأثر بهذه الإجراءات.
زيادة أسعار السلع وتفاقم التضخم
لفتت خضر إلى أنَّ هذه الرسوم الجمركية ستؤدي إلى زيادة في أسعار السلع داخل السوق الأمريكي، مما يزيد من معدلات التضخم، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة قد شهدت بالفعل موجة تضخم عالية في عام 2022 بلغت نحو 10%، وهو أعلى معدل تضخم منذ أكثر من 40 عامًا.
وأوضحت الخبيرة أيضًا أن الرسوم الجمركية التي تم فرضها تتراوح بين 10% و40%، مشيرًة إلى أن هذه النسب تم حسابها بناءً على العجز التجاري بين الولايات المتحدة والدول المستهدفة، فعلى سبيل المثال، يتم حساب العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين، الذي يمثل حوالي 68% من إجمالي الصادرات الصينية إلى أمريكا، ويتم تحديد نسب الرسوم بناء على هذه الأرقام.
وفيما يتعلق بالاستثناءات من فرض هذه الرسوم الجمركية، أوضحت خضر أنه لا توجد استثناءات واضحة، حيث يتم فرض الرسوم استنادًا إلى العجز التجاري بين الولايات المتحدة والدول المستهدفة.
وفي السياق ذاته، أكدت خضر أن الهدف من فرض هذه الرسوم هو الضغط على الدول ذات العجز التجاري مع أمريكا، مشيرةً إلى أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى موجة تضخم في الولايات المتحدة، وأشارت إلى أنَّها بدأت تؤثر بالفعل على الاقتصاد الأمريكي في عام 2022، حيث رفعت الولايات المتحدة معدلات الفائدة بشكل كبير لمكافحة التضخم.
ولفتت إلى أن هذه القرارات قد تؤدي إلى موجة تضخم جديدة على المستوى العالمي، ما يحد من قدرة السلطات على التحكم في أسعار الفائدة، ويؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي، ويزيد معدلات البطالة.
وبالنسبة لتأثير هذه السياسات على الاقتصاد الأمريكي، أشارت الخبيرة إلى أن تكاليف الدين الوطني ارتفعت بشكل كبير، وأن التضخم سيؤثر سلبًا على القرارات الاقتصادية المستقبلية داخل الولايات المتحدة. وأضافت أن العديد من القطاعات المتأثرة بهذه القرارات قد تمارس ضغطًا على أعضاء الكونغرس بهدف تخفيف الرسوم أو إلغائها، نظرًا لتداعياتها الاقتصادية المباشرة.
واختتمت الدكتورة مروى خضر حديثها بالتأكيد على أن هناك عددًا من القضايا الاقتصادية التي ستظل محل اهتمام مستمر، مشيرة إلى أن الأزمة الاقتصادية العالمية الناتجة عن هذه السياسات ستتطلب تدخلات عاجلة من الحكومات لتخفيف الأضرار المحتملة على الأسواق والاقتصادات المختلفة.
اقرأ أحدث مستجدات رسوم ترامب: الرسوم الجمركية تهدد الأسواق الناشئة بتباطؤ اقتصادي