كيف أصابت “مايكروسوفت” و”CrowdStrike” العالم بالشلل في دقائق؟

تقرير: باسل محمود

أعلنت “مايكروسوفت” عن حدوث انقطاع واسع النطاق في خدماتها عبر الإنترنت، 19 يوليو 2024، مما أدى إلى تعطيل كبير في أنظمة قطاعات حيوية عالمية تشمل شركات الطيران، والبنوك، والنقل، ومصادر الطاقة، والبورصات العالمية. وقد استدعى هذا العطل توجيهاً لـ شركات الطيران الأمريكية الكبرى بوقف إقلاع طائراتها والالتزام بالبقاء على الأرض، وذلك نتيجة لمشكلات فنية في الاتصالات.

كما أبلغت شركات النقل في كل من أوروبا وآسيا، بالإضافة إلى مؤسسات إعلامية وبنوك وشركات اتصالات حول العالم، عن توقف خدمة الإنترنت في أنظمتها، الأمر الذي شلّ عملياتها اليومية.

تعطل خدمات البنوك والطيران

شهدت أستراليا انقطاعاً واسعاً في الخدمات، وأشارت الحكومة الأسترالية إلى أنَّ الخلل قد يرتبط بشركة الأمن السيبراني العالمية “كراودسترايك”، كما أظهر موقع “Downdetector”، المتخصص في تتبع الأعطال، انقطاعاً في الخدمة لدى العديد من البنوك وشركات الاتصالات هناك.

من جهتها، أعلنت شركة “كراودسترايك” أنها على علم بالتقارير التي تشير إلى أعطال في نظام التشغيل “ويندوز”، ورغم ذلك أكّد مكتب منسق الأمن السيبراني الوطني الأسترالي، ميشيل ماكجينيس، في منشور على منصة X، عدم وجود ما يشير إلى أن انقطاع خدمة الإنترنت كان نتيجة حادث أمني سيبراني.

امتدّت تداعيات الأعطال لتشمل قطاعات أخرى، حيث حذّرت شركة رايان إير، وهي أكبر شركة طيران في أوروبا من حيث عدد الركاب، من اضطرابات محتملة قد تؤثر على جميع شركات الطيران العاملة عبر الشبكة، دون أن تحدد طبيعة هذه الاضطرابات. ولم يقتصر التأثير على النقل الجوي فحسب، بل طال قطاع النفط والغاز أيضاً، إذ أعلنت عدة مقرات رئيسية لتداول النفط والغاز في لندن وسنغافورة عن مواجهة صعوبات في تنفيذ المعاملات بسبب تعطل الإنترنت في اليوم ذاته.

اقرأ أيضًا: العطل التقني لشركة مايكروسوفت يكبد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة

حدث كبير بسبب عطل مايكروسوفت

قال خبير تكنولوجيا المعلومات محمد الحارثي إنّ ما حدث يُعدّ واقعة غير مسبوقة من حيث الحجم والتأثير، موضحًا أن العطل نجم عن تداخل مجموعة من العوامل التقنية، نظرًا لاختلاف طبيعة النطاقات المتأثرة من حيث أساليب التشغيل والحماية، بل وحتى في البنية التقنية والهندسية للأنظمة التي تديرها كل جهة.

وأضاف الحارثي أن ما جرى لم يقتصر على نطاق واحد، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية مثل الإعلام والبث المباشر، والطيران، والقطاع المصرفي، ونقل مصادر الطاقة، مشيرًا إلى أن القاسم المشترك بين معظم هذه الأنظمة هو ارتباطها بشركتي “مايكروسوفت” و”كراودسترايك”.

وأوضح أن شركة CrowdStrike تُعدّ من أبرز الشركات الأمريكية في مجال الأمن السيبراني، وأن مايكروسوفت تعتمد عليها في حماية العديد من أنظمتها، لا سيما تلك المرتبطة بخدمات الحوسبة السحابية، إضافة إلى تأمين بعض البنى التشغيلية التي تستند إلى حلولها التقنية.

ما وراء العطل: خلل فني أم هجوم سيبراني؟

قال عضو الجمعية الأمريكية لإدارة التكنولوجيا، الدكتور محمد عزام، إنّ الخلل الذي وقع مؤخرًا تسبب في توقف واسع النطاق للعمليات البنكية والبورصات العالمية، إضافة إلى تعطل أنظمة الطيران والمطارات، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة اضطرت إلى إيقاف جميع الطائرات على الأرض حتى يتم إصلاح الخلل، وقال: “نحن أمام توقف كامل للخدمات المالية والمراكز الحيوية في عدد من الدول”.

وأوضح عزام أن هذا الشلل الذي أصاب أنظمة البنوك والشركات حول العالم يعكس طبيعة العالم الحديث القائم على الترابط المعلوماتي وتعقيد الأنظمة التقنية، حيث إنّ أي خلل في منظومة مركزية يؤدي إلى تداعيات عالمية تمس قطاعات حيوية كالمعاملات المالية، والبورصات، وأنظمة الطيران والملاحة.

وتوقع عزام أن يكون السبب المحتمل هو خطأ تقني وقع أثناء عملية تحديث الأنظمة، إذ لم يُكتشف الخلل إلا بعد تطبيق التحديث الشامل على الخوادم في مختلف أنحاء العالم، مما تسبب في توقف الخدمة أو تعثرها على نطاق واسع.

كما أشار إلى احتمال آخر يتمثل في هجوم سيبراني واسع، قد تكون له تداعيات أمنية خطيرة، إلى درجة أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد يُفعّل المادة الخامسة من اتفاقية الدفاع المشترك إذا ثبت أن إحدى الدول الأعضاء تعرضت لهجوم إلكتروني جسيم، وهو ما قد يشعل نزاعًا دوليًا واسع النطاق.

وأضاف عزام أن هناك أيضًا فرضية ثالثة، وهي وجود فيروس مدمج داخل التحديث التقني نفسه، موضحًا أن هذا السيناريو حدث سابقًا عندما تم زرع فيروس داخل تحديثات إحدى الشركات الأمريكية، ما أدى إلى أزمة كبيرة في وزارة الدفاع الأمريكية.

اقرأ أيضًا: هل تنجح مصر في الاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي؟

تفادي نقطة الفشل الفردية

يقول خبير تكنولوجيا المعلومات، محمد الحارثي، إنَّ المشكلة تكمن في أن جميع المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، يتفقون على ضرورة تفادي ما يُعرف بـ”نقطة الفشل الفردية”، والتي تعني الاعتماد على نظام أو منظومة واحدة.

وأوضح: “في حال تعطل هذه المنظومة تتوقف الأنظمة بشكل كامل، لهذا يجب مراعاة وجود مرونة عند بناء هيكلية أي منظومة تكنولوجية، بحيث إذا تعطل جزء من النظام، يمكنه العودة للعمل في غضون دقائق معدودة، خاصة عندما نتحدث عن أنظمة الطيران والملاحة الجوية”.

تهاوي أسهم مايكروسوفت وكراودسترايك

انخفض سهم شركة “كراودسترايك” المتسببة في العطل بنسبة 13% تقريبًا، وفي هذا الصدد قال الحارثي “إن هذه الحالة ليست جديدة، لكنَّها جزء من التحديات التي تواجه العالم بسبب الاعتماد الكبير على التكنولوجيا؛ فالدول والشركات تخصص ميزانيات كبيرة لمواجهة هذه التحديات”.

وأضاف أنّ الأمن السيبراني من أولويات العديد من الدول، وأنّ هذه الأزمة تؤكد على ضرورة تأمين المعلومات والشبكات، والاستثمار في التكنولوجيا الوطنية لحماية البيانات، وقال: “الحدث أثر سلباً على شركتي “مايكروسوفت” و”كراودسترايك” وأسهمهما، ومن المحتمل أن يزداد هذا التأثير أكبر عند افتتاح البورصات الأمريكية”.

لماذا يشكل العطل إنذاراً لإعادة هيكلة الاعتماد؟

قال محمد الحارثي إن الأشهر الماضية شهدت اشتباهًا في تعرض أنظمة توجيه الملاحة لدى بعض شركات الطيران لهجمات سيبرانية، إلا أن تلك الحوادث لم تتسبب بأضرار كبيرة ولم تؤثر على سير الرحلات الجوية. وأضاف: “شهدنا في بعض الحالات انقطاع الاتصال بعدد من الطائرات أثناء التحليق، واضطرت أخرى إلى الهبوط اضطراريًا بسبب فقدان الاتصال بأبراج الملاحة، ما أثار مخاوف من احتمال وقوع هجوم سيبراني عالمي”.

لكنّه أكد أنه لا توجد حتى الآن دلائل قاطعة تثبت أن ما حدث كان هجومًا سيبرانيًا منظمًا، موضحًا أن الخلل طال نطاقات حيوية واستراتيجية، مما يرفع من مستوى الخطورة. وقال: “من الضروري أن يصدر تفسير واضح من الجهات المعنية، سواء من أنظمة الطيران الفيدرالية أو الجهات المتضررة الأخرى، كما يُفترض أن تُصدر الخارجية الأميركية بيانًا يوضح ما إذا كان العطل ناتجًا عن خلل تقني أم عن هجمات إلكترونية استهدفت الأنظمة المعتمدة على مايكروسوفت”.

واختتم عضو الجمعية الأمريكية لإدارة التكنولوجيا حديثه بالتأكيد على أن العالم يواجه ظاهرة متكررة ناتجة عن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، مشيرًا إلى أن هذا الاعتماد، رغم ضرورته، يجعل الأنظمة الحديثة أكثر هشاشة أمام أي خلل أو هجوم إلكتروني محتمل.

تعرّف إلى البنوك الرقمية وعلاقتها بمستقبل الخدمات المصرفية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة