كشف اتحاد شركات التأمين المصرية عن دراسة تحليلية أعدتها مؤسسة الخدمات المالية العالمية “مورجان ستانلي”، تناولت تقييم التداعيات المحتملة للحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد المصري، وذلك من خلال مجموعة من السيناريوهات التي تستند إلى عدد من المؤشرات الاقتصادية الرئيسة؛ من بينها أسعار النفط، وتدفقات الاستثمارات الأجنبية، وإيرادات قناة السويس، وأداء الجنيه المصري أمام الدولار.
وأوضحت الدراسة أن السيناريوهات المحتملة تم بناؤها وفق مجموعة من العوامل الاقتصادية المؤثرة، مع الأخذ في الاعتبار احتمالات احتواء التوترات الجيوسياسية بسرعة أو استمرارها لفترة أطول، إضافة إلى تأثير متغيرات أخرى مثل مستوى الاحتياطي النقدي، ومعدلات التضخم، وقدرة الاقتصاد المصري على جذب الاستثمارات الأجنبية.
تأثير الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد المصري
عرضت الدراسة أربعة سيناريوهات رئيسة لقياس التأثيرات المحتملة على الاقتصاد المصري، فكانت كما يأتي:
السيناريو الأول: يتمثل في وقف فوري لإطلاق النار وإعادة ضبط العلاقات الدبلوماسية بين الأطراف المتنازعة، وفي هذا السيناريو يُتوقع أن يشهد قطاع الائتمان تضييقاً في هامش الربح يتراوح بين 20 و30 نقطة أساس، مع استمرار احتمالات تحسين التصنيف الائتماني. أما على صعيد سوق الصرف الأجنبي، فمن المرجح أن ينخفض سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري بنسبة تتراوح بين 4 و5%، نتيجة تحسن أوضاع الحساب الجاري.
السيناريو الثاني: يفترض حدوث ضربة عسكرية محدودة يتبعها رد إيراني محصور، وفي هذه الحالة يُتوقع اتساع هامش الربح في سوق الائتمان بنحو 30 إلى 40 نقطة أساس، مع ارتفاع محدود في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه بنسبة تتراوح بين 1 و2%، لكن يُرجح أن تكون هذه التحركات قصيرة الأجل إذا ظل التصعيد العسكري في نطاق محدود.
السيناريو الثالث: يفترض توسع نطاق الضربات العسكرية، فمن المتوقع أن يشهد قطاع الائتمان اتساعاً أكبر في هامش الربح يتراوح بين 70 و80 نقطة أساس، مع حدوث تسطح في منحنى العائد، كما قد يشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري ضعفاً يتراوح بين 3 و4%.
السيناريو الرابع: وهو الأكثر تشدداً، فيتمثل في توجيه ضربة أمريكية واسعة النطاق يعقبها رد إيراني قوي، وتتوقع الدراسة في هذه الحالة اتساع فروق الائتمان بأكثر من 250 نقطة أساس، مع حدوث تسطح حاد في منحنى الائتمان، إضافة إلى تراجع قيمة الجنيه المصري بنسبة تصل إلى نحو 8% أمام الدولار، نتيجة تأثير تدفقات رؤوس الأموال الخارجة من الأسواق الناشئة وتغلب هذه التدفقات على العوامل الاقتصادية الأساسية.
قد يهمّك أيضًا: الحرب بين أمريكا وإيران.. سيناريوهات التصعيد في الشرق الأوسط
التأثيرات الاقتصادية غير المباشرة
توقعت الدراسة أن تصل التأثيرات الاقتصادية غير المباشرة إلى مصر عبر ثلاث قنوات رئيسة، وهي ميزان المدفوعات، ومعدلات التضخم، والميزان المالي للدولة. وفيما يتعلق بميزان المدفوعات، أوضحت الدراسة أن التأثيرات المحتملة ستأتي في الغالب من قنوات غير مباشرة، وليس من خلال التجارة المباشرة مع إيران، فعلى عكس ما حدث خلال الحرب الروسية الأوكرانية عندما تأثرت مصر بشكل مباشر بسبب واردات القمح فإن حجم التجارة بين مصر وإيران ضئيل للغاية.
وبدلاً من ذلك، تتركز المخاطر في ارتفاع تكلفة استيراد النفط، واحتمال تراجع عائدات السياحة إذا استمرت التوترات العسكرية، إضافة إلى احتمالات تأخر إعادة فتح قناة السويس بالكامل أمام حركة الملاحة العالمية.
ووفقاً للتقديرات، فإن ارتفاع أسعار خام برنت إلى ما بين 60 و75 دولاراً للبرميل خلال عام 2026 قد يؤدي إلى زيادة واردات الطاقة في السنة المالية 2026 بنحو 400 إلى 600 مليون دولار، مقارنة بالتقديرات الحالية التي تبلغ نحو 17.3 مليار دولار.
وفيما يخص التضخم، أوضحت الدراسة أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10% عادة ما يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم غير الغذائي بنحو نقطة مئوية واحدة خلال الأشهر الأربعة التالية، قبل أن تبدأ هذه التأثيرات في التراجع تدريجياً. وأشارت الدراسة إلى أنه بعد الزيادات التي حدثت في أبريل وأكتوبر من عام 2025، لا توجد زيادات أخرى مخطط لها في أسعار الطاقة قبل أكتوبر 2026.
أما على صعيد المالية العامة، فقد أشارت الدراسة إلى أن المخاطر المالية تبدو معتدلة نسبياً بعد إجراءات الضبط المالي التي تم تنفيذها خلال السنة المالية 2025/2026؛ حيث سددت مصر نحو 5 مليارات دولار من متأخرات الطاقة، ما أدى إلى خفض هذه المتأخرات إلى نحو 1.2 مليار دولار، كما ارتفعت الإيرادات الضريبية بنسبة 31% خلال النصف الأول من العام.
وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 8% خلال عام 2026 وبنسبة 4% في العام التالي قد يؤدي إلى زيادة فاتورة دعم الطاقة بنحو 2% في السنة المالية 2026، و1% في السنة المالية 2027.
اقرأ أيضًا: تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد المصري
كيف يتأثر الاقتصاد الكلي لمصر؟
فيما يتعلق بسوق العملات الأجنبية، ترى الدراسة أن المخاطر المرتبطة بالتجارة والسياحة تظل محدودة نسبياً، إلا أن حساسية سوق الصرف تبقى قائمة. ومع ذلك، فإن التوقعات تظل إيجابية نسبياً بفضل مصداقية البنك المركزي المصري وارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية مقارنة بالعديد من الأسواق الأخرى.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، تشير الدراسة إلى أنه في حال احتواء التوترات سريعاً قد ينخفض سعر الدولار أمام الجنيه بنسبة تتراوح بين 4 و5%، وقد ساهمت قوة تمركز المستثمرين في سوق الصرف الأجنبي وسندات الخزانة المحلية في دعم هذه التوقعات.
كما قد يؤدي تخفيف التوترات في المنطقة إلى زيادة إيرادات قناة السويس، وتعزيز الحساب الجاري، ودعم استقرار الجنيه المصري. في المقابل، فإن أي تعطيل في حركة الملاحة بالقناة قد يؤثر سلباً على الإيرادات والحساب الجاري ويضغط على العملة المحلية.
ورغم توقعات احتواء التوترات، تشير الدراسة إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بإمكانية تصاعد الأزمة قد تؤدي إلى ارتفاع مؤقت في سعر الدولار أمام الجنيه بنسبة تتراوح بين 3 و4% نتيجة توجه المستثمرين إلى التحوط. كما حذرت الدراسة من أن أي اضطراب في إيرادات قناة السويس قد يؤدي إلى تأخير عملية التعديل الخارجي للاقتصاد المصري ويزيد من الضغوط على العملة المحلية.
وأضافت الدراسة أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى انتشار أوسع للمخاطر في الأسواق الناشئة، مع تأثيرات على مستويات المخاطر الاستثمارية، كما يمكن أن تنتقل الأسواق بسرعة من السيناريو الثالث إلى السيناريو الرابع إذا تصاعدت حدة الصراع.
وأشارت الدراسة إلى أنه بالمقارنة مع أزمات جيوسياسية سابقة، مثل التوتر الأمريكي الإيراني أو الحرب الروسية الأوكرانية، فإن التعرض المباشر للاقتصاد المصري للتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران يظل أقل حدة.
التأثير على قطاع السياحة المصري
تبرز مخاطر قطاع السياحة بشكل خاص في حال استمرار التصعيد أو حالة عدم اليقين لفترة طويلة؛ فقد ارتفعت إيرادات السياحة في مصر إلى مستوى قياسي بلغ نحو 5.5 مليار دولار خلال الربع الثالث من عام 2025، مقارنة بنحو 4.8 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2024. وكان من المتوقع أن يساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في دعم قطاع السياحة خلال العامين الماليين 2026 و2027، إلا أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يؤثر سلباً على هذا الاتجاه.
ورغم ذلك، أشارت الدراسة إلى أن قطاع السياحة المصري أظهر درجة ملحوظة من المرونة في مواجهة الأزمات الجيوسياسية، حيث سجلت إيرادات السياحة نحو 12.1 مليار دولار في السنة المالية 2024، بانخفاض طفيف فقط عن 13.6 مليار دولار في العام السابق، رغم تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
كما ارتفعت الإيرادات السياحية مجدداً خلال السنة المالية 2025 لتصل إلى نحو 16.4 مليار دولار، وهو ما يعكس قدرة القطاع على التعافي والاستمرار في تحقيق نمو نسبي رغم استمرار التحديات الجيوسياسية في المنطقة.
اقرأ أيضًا: لماذا لم يقفز النفط إلى 100 دولار للبرميل؟