عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد العالمي بعدما أعلنت إيران غلقه للمرة الثانية، ورغم تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط والأسهم إلا أن الرؤى الاقتصادية حول مدى تأثُّر الصين بالذات بإغلاق المضيق وحدود قدرتها على تخطي الأزمات كانت متباينة، في ظل توازن دقيق بين المصالح الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وكانت الحكومة الصينية قد وجهت شركات التكرير الحكومية بسحب مليون برميل يومياً من احتياطياتها التجارية حتى يونيو المقبل، بهدف امتصاص صدمات نقص الإمدادات وكبح تقلبات الأسعار. ويُعد هذا المخزون الاستراتيجي صمام أمان قوياً، إذ يبلغ حجمه 1.4 مليار برميل، مما يجعله قادراً على تغطية العجز لمدة تتجاوز 400 يوم، قياساً على معدل استهلاك الصين البالغ 16 مليون برميل يومياً.
هل يتضرر الاقتصاد الصيني بسبب إغلاق هرمز؟
في هذا الشأن، أكد الدكتور عمرو يوسف، الخبير الاقتصادي، أن تصاعد التوترات الجيوسياسية المتعلقة بمضيق هرمز يضع الصين أمام تحدٍ استراتيجي بالغ الحساسية، نظرًا لاعتمادها الكبير على هذا الممر الحيوي؛ حيث تمر نحو 40% من واردات الصين النفطية عبر المضيق، ما يجعله شريانًا رئيسًا لأمن الطاقة الصيني.
وأوضح أنّ أيّ اضطراب في الملاحة أو إغلاق محتمل للمضيق سيؤدي إلى تداعيات مباشرة على الاقتصاد الصيني، بدءًا من نقص الإمدادات ووصولًا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما قد ينعكس على سلاسل التوريد العالمية نظرًا لمكانة الصين الصناعية.
أشار الدكتور عمرو يوسف إلى أنّ بكين تتبنى موقفًا واضحًا يقوم على “تجنب عسكرة الصراع”، حيث ترفض تصدير السلاح إلى مناطق النزاع، معتبرة أن ذلك يؤدي إلى تفاقم الأزمات، وتفضل بدلاً من ذلك الدفع نحو الحلول الدبلوماسية وخفض التصعيد.
وأضاف أن الحديث عن تنسيق صيني أمريكي بشأن ضمان استمرار فتح المضيق يعكس إدراك القوى الكبرى لأهمية استقرار هذا الممر، حتى وإن لم تعلن بكين رسميًا عن مثل هذه التفاهمات، مؤكدًا أن مصالحها ترتكز على حرية الملاحة واستقرار الأسواق.
كما بيّن الخبير أن الصين تعتمد بشكل أساسي على أدواتها الاقتصادية، وليس العسكرية، في التأثير على مجريات الأحداث، مستفيدة من كونها شريكًا تجاريًا رئيسًا لدول المنطقة، ما يمنحها نفوذًا تفاوضيًا قويًا. وقال: “الصين تخطط لتحقيق توازن دقيق بين حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب الانخراط في صراعات مباشرة، وهو ما يجعلها تراهن على الدبلوماسية والوزن التجاري لضمان استمرار تدفق الطاقة واستقرار الاقتصاد العالمي”.
اقرأ أيضًا: بين الحصار البحري وإغلاق هرمز.. المنطقة على فوهة بركان
كيف تؤمن بكين احتياجاتها النفطية بعيداً عن الممرات التقليدية؟
أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن الحديث عن إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على الصين يحتاج إلى قراءة واقعية بعيدة عن التبسيط، موضحًا أن هذا الممر المائي رغم أهميته، لكن تأثير تعطله لا يعني بالضرورة توقف الإمدادات عن بكين بشكل كامل كما يُتَصَوَّر.
وقال إنّ “الصين طورت على مدار سنوات منظومة معقدة لإدارة مخاطر الطاقة، تقوم على مزيج من الالتزام الظاهري بالعقوبات الدولية، واستخدام قنوات غير مباشرة لتأمين احتياجاتها النفطية”.
وأشار إلى أنّ الشركات الصينية الكبرى المدرجة في الأسواق العالمية تلتزم بالقواعد الغربية لتفادي العقوبات، بينما تعتمد بكين على شركات ومصافي مستقلة لا ترتبط بالنظام المالي الدولي لشراء النفط من دول خاضعة للعقوبات مثل إيران وروسيا وفنزويلا.
وأضاف أن “من أبرز الأدوات التي تستخدمها الصين في هذا السياق عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، ثم إعادة تصنيفه تحت مسميات مختلفة، مثل النفط الماليزي، ما يسمح بدخوله الأسواق دون إثارة شبهات قانونية مباشرة”، وهو ما يفسر استمرار تدفق الإمدادات رغم القيود المفروضة.
كما لفت إلى أنّ البيانات الرسمية لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للواردات الصينية من بعض الدول، وهو ما يعكس قدرة بكين على المناورة بين الالتزامات الدولية واحتياجاتها الاستراتيجية من الطاقة.
قد يهمّك أيضًا: كيف عززت أزمة هرمز صعود النقل البري في الخليج؟
المخزون الاستراتيجي لبكين
فيما يتعلق بالتأثير الفعلي لإغلاق مضيق هرمز، أكد أن الصين لن تتعرض لأزمة فورية على المدى القصير، نظرًا لامتلاكها مخزونًا استراتيجيًا ضخمًا بنحو 1.4 مليار برميل، وهو ما يمنحها قدرة على امتصاص الصدمات لفترة طويلة نسبيًا، كما أن وارداتها من النفط الإيراني، التي تصل إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، يمكن تعويضها مؤقتًا من خلال هذه الاحتياطيات أو عبر تنويع مصادر الاستيراد.
لكنّه أشار، في الوقت ذاته، إلى أن التأثير الحقيقي قد يظهر فقط في حال استمر الإغلاق لفترة طويلة تتجاوز عدة أشهر، حيث قد تبدأ التداعيات في الظهور تدريجيًا، ليس على الصين فقط، بل على الاقتصاد العالمي ككل، من خلال ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد.
آثار إغلاق هرمز على المدى الطويل
إلى جانب ذلك، أكد شوقي أنّ إغلاق المضيق لا يحمل آثارًا سلبية فقط، فهو بعكس المتوقع يخلق فرصًا لبعض الدول التي تمتلك القدرة على زيادة إنتاجها من النفط والغاز، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ما يعزز من مكانتها في أسواق الطاقة العالمية، ويرفع من إيراداتها، رغم ما قد يسببه ذلك من ضغوط تضخمية داخلية.
وأشار إلى أن هذا السيناريو قد يؤدي أيضًا إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، بما يشمل تعزيز دور الغاز الطبيعي المسال، وتوسيع النفوذ الأمريكي في الأسواق، إلى جانب ربط الطاقة بقطاعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن “أزمة مضيق هرمز تكشف طبيعة النظام الاقتصادي العالمي المعقد، حيث تتداخل اعتبارات الطاقة مع الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا”، مشيرًا إلى أن الصين أثبتت قدرتها على التكيف مع الأزمات عبر أدوات مرنة، تجعل من الصعب عزلها أو التأثير عليها بشكل مباشر في المدى القصير، لكنها تظل عرضة لضغوط أكبر إذا طال أمد الأزمات الجيوسياسية.
قد يهمّك أيضًا: إغلاق مضيق هرمز مجددًا.. لماذا تراجعت إيران بعد 24 ساعة؟