كيف تحمي كوريا الجنوبية صناعة الرقائق من سياسات ترمب؟
تواجه الدول الصناعية الكبرى تحديات متزايدة للحفاظ على ريادتها في القطاعات التقنية الحيوية، وتُعد كوريا الجنوبية من بين الدول التي تقف على خط المواجهة، حيث تمثل صناعة الرقائق في كوريا محوراً رئيساً لاقتصادها الوطني ومركزاً لتنافسها العالمي، ومع تصاعد المنافسة الصينية وخطط الولايات المتحدة لتوطين الصناعات التقنية عبر سياسات حمائية، تجد كوريا نفسها في مواجهة ضغوط غير مسبوقة للحفاظ على موقعها في سلسلة التوريد العالمية.
دعم صناعة الرقائق في كوريا الجنوبية
تخطط كوريا الجنوبية لاتخاذ خطوات استباقية لتعزيز قطاع الرقائق الإلكترونية، عبر خطط مالية وضريبية طموحة تهدف إلى حماية هذه الصناعة الحيوية من التحديات الخارجية، وضمان استدامتها كمحرك رئيس لنمو الاقتصاد الكوري الجنوبي.
دعم مالي غير مسبوق
تعتزم كوريا تعزيز صناعة الرقائق الإلكترونية المحلية من خلال تقديم دعم مالي غير مسبوق، في خطوة تهدف إلى حماية القطاع من التأثيرات الخارجية، خاصة سياسات الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، والمنافسة الشرسة من الشركات الصينية.
وأعلنت وزارة المالية الكورية الجنوبية عن تخصيص 14.3 تريليون وون (10.2 مليار دولار) كدعم مالي العام المقبل، يشمل قروضاً وتأمينات وضمانات من مؤسسات حكومية، بالإضافة إلى تخصيص 1.8 تريليون وون لدفن كابلات الكهرباء تحت الأرض في مراكز تصنيع الرقائق بالقرب من سيؤول.
هذا الدعم هو جزء من حزمة أكبر بقيمة 26 تريليون وون أعلنت عنها الحكومة في يوليو الماضي، تهدف إلى تحفيز قطاع أشباه الموصلات الذي يعتبر العمود الفقري للاقتصاد الكوري الجنوبي.
اقرأ أيضا: تصعيد جديد.. الصين تفرض قيودًا على صادرات أشباه الموصلات لأميركا
مزايا ضريبية ومشروعات طموحة
لزيادة جاذبية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، تخطط الحكومة الكورية لرفع معدلات الائتمان الضريبي للشركات العاملة في صناعة أشباه الموصلات بمقدار 10 نقاط مئوية، بالإضافة إلى إنشاء مركز وطني “لحوسبة الذكاء الاصطناعي” بقيمة 4 تريليونات وون بحلول عام 2030، مما يعكس التزام البلاد بتطوير التقنيات المستقبلية وتعزيز مكانتها كقوة رائدة في سوق التكنولوجيا العالمية.
تأثير سياسات ترامب الحمائية على العلاقات الكورية الأمريكية
يأتي هذا التحرك في وقت حساس بالنسبة لكوريا الجنوبية، مع تعهد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب بتشجيع التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية، هذه السياسات قد تجعل المنافسة صعبة على الشركات الكورية، مما دفع الحكومة لتكثيف دعمها لصناعة الرقائق باعتبارها “الجوهرة الاقتصادية” للبلاد.
على الرغم من التحديات، فإن كوريا الجنوبية ترى فرصاً للتعاون مع الولايات المتحدة في مجالات مثل الدفاع وبناء السفن، لكنها تترقب بحذر السياسات التجارية التي قد تؤثر سلباً على صادراتها.
في خطوة لتعزيز حضورها في السوق الأميركية، تعمل شركة “سامسونغ إلكترونيكس”، أكبر شركات التكنولوجيا في كوريا الجنوبية، على بناء مصنع ضخم لأشباه الموصلات في ولاية تكساس، وهو من المشاريع الممولة والمدعومة ضمن “قانون الرقائق والعلوم” الذي أطلقته إدارة الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، إلا أنّ البرنامج يواجه انتقادات من ترامب الذي أبدى اعتراضه عليه خلال حملته الانتخابية.
منافسة صينية متزايدة
إلى جانب التحديات الأميركية، تواجه كوريا الجنوبية منافسة شديدة من الصين التي تهدف إلى تعزيز وجودها في سلاسل التوريد العالمية، وترى الحكومة الكورية أنَّ هذه المنافسة قد تضطرها لتقديم مزيد من الدعم للحفاظ على تنافسية صناعاتها التقنية.
وفي هذا السياق، أشارت وزارة المالية إلى أن السياسات الحمائية المتزايدة قد تؤثر على الاقتصاد الكوري الجنوبي، الذي يعتمد بشكل كبير على التجارة.
أهمية أشباه الموصلات في الاقتصاد الكوري
تمثل صادرات التكنولوجيا نحو ثلث الصادرات الكورية الجنوبية، مما يجعل قطاع أشباه الموصلات محورياً في الاقتصاد الوطني، فمن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الكوري بنسبة 2% خلال العام الجاري بفضل الطلب القوي على رقائق الذاكرة المستخدمة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، تبدو التوقعات الاقتصادية لعام 2025 أقل تفاؤلاً مع تراجع وتيرة الصادرات في الأشهر الأخيرة، وتنامي القلق من السياسات التجارية للإدارة الأميركية المقبلة.
وبينما تكثف كوريا الجنوبية جهودها لحماية وتعزيز قطاع أشباه الموصلات، ما زالت التحديات الخارجية، سواء من الولايات المتحدة أو الصين، عاملاً رئيساً يؤثر في مستقبل هذه الصناعة الحيوية، وتحاول الحكومة الموازنة بين تقديم الدعم المحلي واستغلال الفرص الدولية لتأمين مكانتها كقوة تقنية عالمية.
الإمارات.. ريادة في الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق الإلكترونية .. اقرأ التفاصيل!
الوعي الاستراتيجي الكوري
يقول الدكتور عمرو يوسف، أستاذ الاقتصاد والتشريعات: “تُظهر الخطط الكورية الجنوبية مدى الوعي الاستراتيجي للحكومة بأهمية قطاع أشباه الموصلات الذي يمثل عصب الاقتصاد الحديث؛ حيث إن تخصيص حزم مالية وضريبية ضخمة يُشير إلى إدراك كوريا للتحديات العالمية، سواء من المنافسة الصينية أو السياسات الأميركية الحمائية التي قد تتصاعد في عهد الرئيس المنتخب دونالد ترمب.
وأضاف يوسف: “تعتبر هذه التحركات خطوة ضرورية لتحصين الصناعة المحلية، لكن يجب أن نُدرك أن المنافسة في هذا القطاع تتجاوز الدعم المالي، إذ إنّ هناك حاجة ماسة لتعزيز الابتكار، والاستثمار في البحث والتطوير، إلى جانب بناء تحالفات استراتيجية مع الدول الكبرى.
التحديات الجيوسياسية وإدارة العلاقات التجارية
“قد تُشكل إعادة توجيه التصنيع نحو الداخل الأميركي تحدياً كبيراً لشركاء الولايات المتحدة التجاريين، لهذا ينبغي لكوريا الجنوبية تحسين إدارة علاقاتها التجارية مع واشنطن، خاصةً وأن استثمارات شركات مثل سامسونغ في الولايات المتحدة قد تكون ورقة تفاوضية مهمة لتخفيف الأثر السلبي للسياسات الحمائية”، وفقًا ليوسف.
وتابع أستاذ الاقتصاد: “في المقابل، تُمثل المنافسة الصينية تحدياً متزايداً؛ حيث تعمل الصين بشكل منهجي على تعزيز حضورها في سلاسل التوريد العالمية، ورغم القيود التي تواجهها بسبب العقوبات الأميركية، فإنَّ التقدم الذي تُحرزه في مجال التكنولوجيا لا يمكن تجاهله.
وفي نهاية حديثه، أكَّد يوسف أنّ قدرة كوريا الجنوبية على الابتكار، وإدارة تحالفاتها الدولية، ومواجهة المتغيرات الجيوسياسية هي العوامل الحاسمة في تأمين مستقبل صناعة الرقائق وتوسعها العالمي.
موضوع ذو صلة: ترامب يُعيد صياغة سياسات الطاقة الأميركية