كيف تحول المغرب إلى معمل عالمي لصيد النيازك؟

كان المشهد عابرًا للحظة، لكنه كفيل بإعادة تشكيل اقتصاد قرى بأكملها في جنوب شرق المغرب؛ ففي إحدى ليالي سبتمبر الماضية اخترقت كرة نارية سماء المنطقة، تاركة خلفها خيطًا مضيئًا قبل أن تنفجر فوق سهول صخرية تمتد بلا نهاية، وفي غضون ساعات قليلة، تحوَّلت الشائعات حول مكان السقوط إلى سباق محموم.

تقول بلومبرغ إنَّ رجلًا في العقد الخامس من عمره خَبِر تضاريس الأطلس الأعلى لعقود شحن هاتفه المحمول، وحمل مغناطيسه الصغير وبعض الأدوات في حقيبة بسيطة، ثم اتجه نحو المجهول، ويقول: “المعلومة هي كل شيء، ومن يعثر على النيزك لا يبوح بسرّه لأحد”، وبهذه البساطة تبدأ الحكاية، وبالوتيرة نفسها تتسع الظاهرة، فالمغرب بات اليوم واحدا من أكبر مختبرات صيد النيازك في العالم، حيث يلتقي العلم بالتجارة بالسياحة، في مزيج فريد لا يشبه أي اقتصاد محلي آخر في المنطقة.

من صحراء واسعة إلى خزان عالمي للنيازك

تصف حسناء الشناوي، أستاذة علم النيازك والعلوم الكوكبية بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، التحولات الجارية بأنها “استثنائية”، وتؤكد أنَّ المغرب سجل خلال فترة العشرين عامًا الماضية أعلى عدد من النيازك المكتشفة عالميًا، وأن نحو نصف الدراسات العلمية المنشورة حول النيازك تعتمد على عينات خرجت من الصحراء المغربية.

ويفسر العلماء هذا الزخم بعوامل متعددة؛ أبرزها جفاف البيئة الصحراوية، وتراكم المساحات الخالية من العمران، وسهولة تتبع الأجسام الداكنة فوق الرمال الصفراء، وكل هذا جعل من المغرب “جنة جيولوجية” للمختبرات والباحثين، وفي الوقت ذاته مصدر رزق جديد لمجتمعات رعوية تواجه ضغوط تغيّر المناخ.

ومع موجات البحث المتزايدة، ارتفعت قيمة النيازك في الأسواق الدولية بشكل لافت، فبينما تُباع القطع الصغيرة عبر مواقع مثل eBay بمئات الدولارات، تصل أسعار القطع الكبيرة -خاصة تلك القادمة من القمر أو المريخ- إلى ملايين الدولارات في مزادات مرموقة، مثل “Sotheby’s” و”Christie’s”.

السوق العالمية للنيازك.. تجارة نادرة لكن مُربحة

تبدو سوق النيازك أقرب إلى “اقتصاد مخفي” يصعب قياس حجمه بدقة، لكنه في تطور مستمر، فوفق تقديرات جامعي الأحجار الكونية يتراوح سعر الغرام الواحد من النيازك القمرية بين 100 و200 دولار، بينما قد يتجاوز الغرام الواحد من النيزك المريخي ألف دولار.

وهذا الارتفاع في الأسعار دفع بالحكومة المغربية إلى تعديل تشريعاتها، فتحولت الهواية التي كانت جزءًا من التراث المحلي إلى نشاط استخراجي شبه رسمي يسهم في الاقتصاد المحلي، وتقول الباحثة سميرة مزبار: “ما كان هواية قبل سنوات أصبح اليوم نشاطا إنتاجيا قائما بذاته”.

وتسعى الرباط إلى تنظيم هذه التجارة تدريجيًا، عبر تسهيل عمليات التصدير وتسجيل النيازك، خاصة بعد أن باتت هذه التجارة تجذب جامعين دوليين ومستثمرين كبار داخل المغرب وخارجه.

لماذا المغرب؟

يسقط آلاف النيازك سنويًا، لكن نسبة ضئيلة فقط يُعثر عليها، والمغرب -بخلاف دول كثيرة- يمتلك البيئة المثالية لالتقاط هذه الهدايا الفضائية؛ فالمناخ الصحراوي الجاف يمثل “خزانًا طبيعيا” يحفظ الصخور السماوية من التآكل، فضلًا عن أنّ المساحات المفتوحة تتيح دورة بحث سريعة ودقيقة، كما أن المعادن التي تتكون منها غالبية النيازك وهي خليط من الحديد والنيكل والكوبالت- تجعل التقاطها بالمغناطيس أمرًا سهلًا نسبيًا.

تنوع النيازك المكتشفة في المغرب يضيف ميزة فريدة، فهناك الكوندريتات الكربونية الغنية بالماء والمركّبات العضوية، بالإضافة إلى عينات نادرة ساعدت العلماء على توسيع فهمهم لحزام الكويكبات، ويعلّق غاي كونسولمانيو، مدير مرصد الفاتيكان: “العديد من اكتشافات المغرب أعادت تشكيل فهمنا لتركيب النظام الشمسي”.

اقرأ أيضًا: المغرب.. اقتصاد مزدهر وصناعات متقدمة في مواجهة تحديات المناخ

من اكتشافات متفرقة إلى موجات صيد واسعة

على الرغم من أنَّ أولى الاكتشافات الحديثة تعود إلى عام 1932، فإن عام 2011 شكّل نقطة التحول الكبرى، ففي وادي درعة شاهد السكان كرة نارية تهوي بسرعة، وسرعان ما بدأت موجة صيد اجتذبت الرحّل وتجار النيازك، وبيعت حينها قطعة بوزن 1.1 كغ لمتحف التاريخ الطبيعي في لندن مقابل 330 ألف جنيه إسترليني، ما رسّخ اعتقادا لدى السكان المحليين بأن السماء قد تحمل ثروات غير متوقعة.

ولاحقًا، ساهمت الحكومة في تحويل الصيد إلى نشاط شبه منظّم، حين سمحت في عام 2020 بتصدير 90% من النيازك بعد تسجيلها رسميًا، وأدى ذلك إلى بروز ما يسمّيه الباحثون “حُمّى الذهب”، إذ تحولت عمليات الصيد إلى رحلات منسقة تشارك فيها مجموعات كاملة تستخدم أجهزة GPS ومغناطيسات قوية.

تشريعات مرنة ومنافسة دولية مشتعلة

يتميز المغرب بمنظومة قانونية تُعد الأكثر انفتاحًا في المنطقة، مقارنة بدول شمال أفريقيا، ففي الجزائر وتونس ومصر وليبيا يُحظر تصدير النيازك بالكامل، بينما تفتقر موريتانيا والنيجر إلى أي تشريعات واضحة، الأمر الذي سمح ببيع واحد من أكبر النيازك المريخية مقابل 5.3 مليون دولار في مزاد في نيويورك.

أما في المغرب، فالتشريعات تتبع نهجًا مرنًا من خلال منح رخص مجانية للباحثين والمقيمين من أي جنسية، وتسجيل بسيط لدى مديرية الجيولوجيا، بالإضافة إلى إمكانية تصدير الجزء الأكبر من النيازك، ونمو سريع في السياحة المرتبطة بـ”رحلات صيد النيازك”.

ومع ذلك، تشير الشنّاوي إلى أن السوق غير الرسمية لا تزال أضخم من السوق المنظمة، وأنَّ جزءًا كبيرًا من النيازك يُباع خارج المسار القانوني، ما يقلل من الإيرادات الرسمية للدولة ويفتح الباب أمام التجارة الموازية.

اقتصاد محلي ينتعش وثقافة اجتماعية تتغير

ساهمت حُمّى النيازك في تحريك اقتصاد القرى في ميدلت والراشيدية وأرفود، فعمليات البحث تجلب مئات الأشخاص من مختلف المدن، وتخلق طلبًا على الإقامة والمأكل والمواصلات. ويقول رشيد عدنان، رئيس المجلس الجماعي في ميدلت، إن “النشاط يجلب السياح وتجار العملات الأجنبية ويُنشّط الأسواق”، وفي تلك المناطق بات الأهالي يعتبرون النيازك مصدرًا محوريًا للدخل إلى جانب الرعي والزراعة.

ورغم قصص الصيادين الذين كوّنوا ثروات صغيرة، فإن واقع مهنة صيد النيازك لا يزال قاسيًا، فأحد الصيادين الذين خرجوا خلف كرة النار الأخيرة يعمل في هذا المجال منذ 15 عامًا، ولم ينجح خلال تلك الفترة سوى في صفقة واحدة مهمة حققت له 1500 درهم فقط (162 دولارًا)، واليوم يعرض حجرا يزن 250 غرامًا يعتقد أنه من القمر، ويُقدّر أن سعره قد يصل إلى 1200 دولار، غير أن العثور على مشتَرٍ يظل مهمة صعبة في ظل سوق شديدة التقلب.

بين العلم والتجارة.. مستقبل النيازك في المغرب

يواجه المغرب اليوم معادلة حساسة، تتمثل في كيفية الاستفادة من النيازك اقتصاديًا دون أن يفقد كنوزه العلمية، والباحثون يطالبون بنظام شهادات صارم يضمن تتبع مصدر كل نيزك وتوثيقه قبل التصدير، وهذا الإجراء – لو طُبق – سيزيد من القيمة العلمية للعينات ويحد من التهريب، ويضمن حصة مالية أفضل للدولة والمجتمعات المحلية.

من جهة أخرى، يرى خبراء التنمية أن المغرب قادر على تحويل صيد النيازك إلى نشاط سياحي فريد -أشبه برحلات سفاري- يجذب العلماء والباحثين وهواة الفضاء من مختلف دول العالم، خاصة مع تنامي الاهتمام بعلوم الكواكب.

في قلب صحراء المغرب، حيث لا صوت يعلو فوق هبوب الرياح، يجول عشرات الرجال والنساء بحثًا عن حجارة سقطت من الفضاء، والبعض يبحث عن رزق، والبعض الآخر عن قطعة من تاريخ النظام الشمسي، ولكن الظاهرة في مجملها تعكس قصة أكبر، وهي كيف يمكن للعلم والتجارة والمغامرة أن تجتمع لتخلق اقتصادًا جديدًا في مناطق نائية؟

ومع تسارع موجة صيد النيازك، يبدو المغرب في طريقه ليصبح ليس فقط مركزًا عالميًا للاكتشافات العلمية، بل أيضًا نموذجًا لاقتصاد يعتمد على الفرص القادمة حرفيًا “من السماء”.

قد يهمّك أيضًا: تمديد خط القطارات فائقة السرعة بالمغرب بتكلفة 10 مليارات دولار

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة