فاتورة بالمليارات.. كيف تستنزف حرب إيران الأصول العسكرية؟

في الحروب التقليدية كانت الخسارة تقاس بعدد الجنود أو مساحة الأرض، أما في الحروب الحديثة، فثمة مقياس آخر أكثر برودة وأشد قسوة: كم تبلغ قيمة ما احترق من الأصول؟ هنا تحديدا تبدأ قصة حرب إيران من زاوية مختلفة، وذلك باعتبارها حرب استنزاف مالي لأكثر المنصات العسكرية تطورُا في العالم، من المقاتلات الشبحية إلى طائرات التزود بالوقود، ومن الطائرات المسيّرة إلى الرادارات الاستراتيجية بعيدة المدى.

الأرقام تكشف كيف تتحول الحرب إلى ماكينة لحرق رأس المال العسكري، وكيف يمكن لأسابيع قليلة أن تفرض فاتورة بمليارات الدولارات على جيوش تملك أحدث ما أنتجته التكنولوجيا الدفاعية.

تقديرات الخسائر في الأسابيع الثلاثة الأولى

التقديرات تضع تكلفة الأضرار واستبدال الخسائر خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب بين 1.4 و2.9 مليار دولار، وهذا النطاق الواسع يكشف الطبيعة المعقدة للحرب الحديثة، ففي مثل هذه النزاعات تتوقف الفاتورة الحقيقية على نوع المنصات المتضررة، وعلى قرار استبدالها والزمن الذي ستحتاجه العودة إلى الجاهزية.

وبالتالي فإنّ الحد الأعلى يبدو أكثر دلالة لأنه يتضمن أضرارًا لرادار قطري داخل قاعدة جوية أمريكية، بما يعكس أن الخسارة لم تعد محصورة في مسرح القتال المباشر، بل امتدت إلى بنية دفاعية متقدمة موزعة إقليميًا.

اقرأ أيضًا: تكلفة الضربات الأمريكية على إيران تتجاوز 6 مليارات دولار في أسبوع

أسلحة زهيدة مقابل أهداف بمليارات الدولارات

الجزء الأكبر من الأضرار الميدانية جاء نتيجة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية، وهذا التفصيل مهم للغاية لأنه يكشف اختلالًا اقتصاديًا معروفًا في الحروب الحديثة، يتمثل في قدرة الأدوات ذات التكلفة القليلة على إلحاق أضرار بأصول شديدة الغلاء، وهنا تتحول الحرب إلى اختبار قاس لجدوى الاستثمار الدفاعي ذاته.

في هذا النوع من النزاعات، لا يكون السؤال فقط من أصاب من، بل من أجبر خصمه على إنفاق أكبر لإصلاح ما تضرر أو لتعويض ما فُقد، وكلما ارتفعت قيمة الأصل المستهدف زادت فعالية الضربة من منظور اقتصادي، حتى لو كان الأثر العملياتي محدودًا زمنيًا، وهذا ما يجعل حرب إيران مثالًا واضحا على أن استنزاف الأصول قد يكون بحد ذاته هدفًا استراتيجيًا، لا مجرد نتيجة جانبية للقتال.

لغز سقوط مقاتلات F-15E بنيران صديقة

من بين أكثر الخسائر وضوحًا في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إسقاط ثلاث طائرات من طراز “F-15E Strike Eagle” بنيران صديقة في الأول من مارس، بعدما أسقطتها مقاتلة كويتية عن طريق الخطأ، مع نجاة الطواقم الستة.

على الورق، تبدو هذه خسارة تقنية ناتجة عن خطأ، لا عن تفوق قتالي مباشر من الخصم، لكن هذا لا يخفف من وزنها الاقتصادي أو الاستراتيجي، فتكلفة الطائرة الواحدة تبلغ نحو 100 مليون دولار، ما يعني أن الحادثة وحدها تمثل خسارة تقارب 300 مليون دولار في أصول جوية هجومية متقدمة.

بيد أنّ هذه الخسارة تقول شيئا أعمق من قيمتها المالية المباشرة، فهي تكشف أن كثافة العمليات وتداخل الأجواء والضغط القتالي يرفعان احتمال الأخطاء القاتلة حتى داخل التحالفات.

بمعنى آخر، الحرب لا تستنزف الأصول فقط عبر نيران الخصم، بل أيضًا عبر التعقيد التشغيلي الذي تفرضه على المنظومات الحليفة، وعندما تكون الطائرة المفقودة منصة متعددة المهام عالية القيمة، فإن أثر الحادث يمتد إلى فقدان قدرة هجومية جاهزة، وإلى الضغط على أساطيل بديلة قد تكون مطلوبة في جبهات أخرى.

اقرأ أيضًا: فاتورة تريليونية.. الكلفة الحقيقية للحرب على إيران

طائرة شبحية أمريكية تهبط اضطراريًا

الطائرة الشبحية “F-35A Lightning II” التي اضطرت إلى الهبوط الاضطراري تمثل بدورها دلالة شديدة الأهمية؛ حيث تبلغ تكلفتها التقديرية 82.5 مليون دولار، وهي من أحدث منصات القتال الجوي في العالم، وحتى إذا لم تُدرج ضمن الخسائر الكاملة كطائرة مدمرة نهائيًا، فإن مجرد خروجها من المسار الطبيعي للعمل القتالي تحت ضغط الحرب يكشف أن المنصات الأكثر تقدمًا ليست بمنأى عن الاضطراب.

الأهم أن هذا النوع من المنصات لا يقاس فقط بسعر الشراء، فالمقاتلات الشبحية تمثل طبقة عليا في هرم القوة الجوية الأمريكية، وتراجع جاهزيتها أو تعرضها للتعطل يخلق أثر ردع سلبي، حتى لو لم يكن التدمير كاملًا.

استهداف طائرات التزود بالوقود وقدرة الاستمرار

إذا كانت المقاتلات هي رأس الحربة، فإن طائرات التزود بالوقود جوًا هي الشريان الذي يبقي تلك الحربة فعالة لمسافات طويلة، ومن هنا تأتي أهمية الخسائر المرتبطة بطائرة KC-135 Stratotanker؛ فمقتل ستة أفراد من طاقمها بعد اصطدامها بطائرة مماثلة فوق العراق، إلى جانب تضرر خمس طائرات أخرى في ضربة صاروخية إيرانية استهدفت قاعدة الأمير سلطان في السعودية، يمثل ضربة لقدرة الاستمرار الجوي نفسها.

القوات الجوية الأمريكية ترجح استبدال الطائرة المفقودة بطراز KC-46 Pegasus بتكلفة تقارب 165 مليون دولار، وهذا يكشف أن الحروب لا تعوض الخسائر دائمًا بالمثل، بل كثيرًا ما تفرض استبدالًا أكثر كلفة لأن الجيل التالي هو الوحيد المتاح أو الأنسب.

وفيما يتعلّق بتضرر خمس طائرات في القاعدة السعودية، فهذا يُضيف بعدًا آخر لا يقل خطورة، إذ إنّ الأصول اللوجستية التي يفترض أن تدعم الحرب باتت هي نفسها أهدافًا قابلة للاستنزاف، وهذا يفرض على الجيوش لاحقًا إنفاقًا إضافيًا على الحماية والانتشار والتحصين، لا على الاستبدال فقط.

خسارة المسيرات MQ-9 وتآكل التغطية الاستخبارية

فقدان أكثر من 12 طائرة مسيّرة من طراز “MQ-9 Reaper” منذ بداية الحرب، بينها طائرات أسقطت بصواريخ إيرانية وأخرى دمرت على الأرض، يفتح زاوية مختلفة تمامًا على الخسارة، فتكلفة الطائرة الواحدة تبلغ نحو 16 مليون دولار، فيما يصل سعر النسخة الأحدث “MQ-9B SkyGuardian” إلى 30 مليون دولار.

هذه الأرقام تجعل المسيرات تبدو أقل تكلفة من المقاتلات، لكنها في الحقيقة من أكثر الأصول عرضة للاستهلاك في حرب تعتمد على الاستطلاع والضربات الدقيقة والمتابعة المستمرة، فإذا احتسبنا فقط الحد الأدنى وفق سعر “MQ-9 Reaper” فإن فقدان أكثر من 12 طائرة يعني خسارة تتجاوز 192 مليون دولار، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الرقم وحده، بل في الوظيفة.

الجدير بالذكر أنّ هذه المسيّرات تعتبر منصات مراقبة وقتال واستخبار ميداني متواصل، وفقدانها بهذا العدد خلال فترة قصيرة يعني أنّ الحرب تستنزف شبكة العين الإلكترونية التي ترافق العمليات، وهذا مهم للغاية لأن تعويض المسيّرات قد يكون أسهل نسبيًا من تعويض المقاتلات، لكن تعويض التغطية الاستخبارية المستمرة التي توفرها ليس أمرًا فوريًا.

قد يهمّك أيضًا: هل يتحمل الاقتصاد الأمريكي فاتورة الحرب على إيران؟

حاملة طائرات تحترق دون هجوم مباشر

الحريق الذي اندلع على متن حاملة الطائرات جيرالد فورد، وهي أحدث حاملة طائرات أمريكية، وأدى إلى أضرار داخلية تشمل أماكن إقامة البحارة رغم عدم تعرضها لهجوم مباشر يكشف واحدًا من أكثر أوجه الحرب تكلفة وغموضًا، وهو الأثر غير المباشر على الجاهزية، فالحاملة تخضع حاليًا للإصلاح في قاعدة سودا باي باليونان، وهذه تمثل ضربة لواحد من أغلى وأهم الأصول البحرية في الترسانة الأمريكية.

من الناحية الاقتصادية، لا تُقاس قيمة هذا الحدث بتكلفة الإصلاح فحسب، وإنّما بما يعنيه خروج أصل بحري بهذا الحجم إلى ورش الصيانة خلال حرب إقليمية معقدة، فحاملة الطائرات تعد بنية قيادة ونفوذ بحري وجوي متكاملة، وعندما تتراجع جاهزيتها -ولو بسبب حادث غير مباشر- يتبين أن الحرب قادرة على استنزاف المنظومات الكبرى حتى دون إصابتها مباشرة.

لماذا تعد خسارة الرادارات الأغلى استراتيجياً؟

ربما تكمن أكثر الخسائر استراتيجية في أنظمة الدفاع الصاروخي والرادارات، فقد استهدفت إيران رادار “AN/TPY-2” في الأردن، وهو جزء من منظومة “THAAD”، وتقدر تكلفته بأكثر من 300 مليون دولار، كما تعرض رادار الإنذار المبكر “AN/FPS-132” في قاعدة العديد بقطر لأضرار، وتبلغ قيمته نحو مليار دولار.

هذان الرقمان يغيران شكل القصة كلها، فنحن هنا لا نتحدث عن منصات هجومية فقط، بل عن “العين” التي تراقب الصواريخ، وتمنح وقت الإنذار، وتنسق شبكة الدفاع.

مع العلم أنّ ضرب رادار تزيد قيمته على 300 مليون دولار يعد استهدافًا لوظيفة الإنذار نفسها، أما ضرب الرادار الذي تبلغ قيمته نحو مليار دولار في قاعدة العديد فيرفع الخسارة إلى مستوى أكثر خطورة، لأنّه يعني أنّ البنية التحتية الدفاعية الإقليمية لم تعد محصنة من الأذى.

توزيع فاتورة الدفاع على البنية التحتية الإقليمية

كما ذكرنا، امتدت الأضرار إلى أنظمة الرادار والاتصالات والدفاع الجوي في قطر والإمارات والأردن والبحرين والكويت والسعودية، وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأنها تنقلنا من خسائر منصات منفردة إلى خسارة شبكة، فعندما تمتد الأضرار إلى هذا العدد من الدول فإنَّ ذلك يعني أن الحرب تضغط على بنية دفاعية إقليمية مترابطة، أي أنّ أثرها المالي يتحمل عبئه ميزانيات دفاع متعددة في وقت واحد.

وهذه هي الزاوية الاقتصادية الأعمق، فالحرب في حالة إيران تخلق طلبًا على الإصلاحات والبدائل والتحديثات في دول متعددة، إلى جانب الانفاق على الذخائر والاعتراضات، فكل رادار متضرر وكل نظام اتصالات يحتاج مراجعة وكل أصل دفاعي يخرج من الخدمة مؤقتًا يفتح بندًا جديدًا في الإنفاق الدفاعي.

التكاليف الخفية لعمليات الاستبدال والدمج

تعبير “تكلفة الأضرار واستبدال الخسائر” يعتبر بالغ الذكاء لأنه لا يحصر القصة في القيمة الدفترية للأصل المفقود، فسعر الأصل في الاقتصاد العسكري هو مجرد البداية، فوقه تأتي كلفة النقل، والتسليم، والتشغيل، والتدريب، والدمج مع المنظومات القائمة، وأحيانا تطوير البنية التحتية لاستقبال البديل الجديد.

وحين تستبدل “KC-135” بطائرة “KC-46″، أو حين تُعاد صياغة طبقة الرصد بعد إصابة رادارات متقدمة، فأنت تعيد ترميم سلسلة كاملة من الكفاءة والجاهزية، وهذا يعني أن تقدير 1.4 إلى 2.9 مليار دولار قد يكون في معناه الاستراتيجي مجرد رأس جبل الجليد؛ فالخسارة المباشرة قابلة للحساب، أما الخسارة التشغيلية والزمنية فتتسرب إلى المدى المتوسط والطويل.

والقوى المنافسة عندما ترى أن ثلاث طائرات “F-15E” سقطت، وأن “F-35A” اضطرت إلى هبوط اضطراري، وأن أكثر من 12 مسيّرة فقدت، وأن رادارات بمئات الملايين وحتى مليار دولار تعرضت للأذى، فالرسالة تكون أن الأصول الأكثر تطورًا ليست عصية على الاستنزاف.

في المحصلة، تكشف هذه الخسائر عن تكلفة استراتيجية مرتفعة للحرب، تمتد إلى استنزاف الأصول العسكرية المتقدمة وفرض ضغوط إضافية على ميزانيات الدفاع وإعادة التسليح، وبالتالي فإن خسائر بمليارات الدولارات في العتاد العسكري لا يمكن اعتبارها خبرًا عن الماضي، فهي فاتورة مفتوحة للمستقبل.

اقرأ أيضًا: تداعايات الحرب على إيران تصل إلى جيوب الأمريكيين

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة