تلعب أسعار النفط دورًا بارزًا في رسم السياسات النقدية للبلاد، نظرًا لما تتركه من تأثير مباشر على معدلات التضخم، وتكلفة الإنتاج، وحركة الاستيراد، واستقرار الأسواق، فكل ارتفاع في أسعار النفط ينعكس على فاتورة الطاقة وتكاليف النقل والسلع والخدمات، الأمر الذي يضع الحكومات والبنوك المركزية أمام تحديات دقيقة تتعلق بكيفية احتواء التضخم دون الإضرار بمعدلات النمو.
وفي ظل الأوضاع الجيوسياسية المضطربة وتزايد حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية، لم يعد النفط مجرد سلعة استراتيجية، بل أصبح أداة مؤثرة في تشكيل القرار الاقتصادي وموازين القوى العالمية.
دور أسعار النفط في رسم ملامح الأسواق العالمية
قال الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، إنّ أسعار النفط في المرحلة الحالية لم تعد تحدد فقط وفقًا لقواعد العرض والطلب، وإنما أصبحت مرتبطة بممرات طاقة مهددة، وصراعات جيوسياسية، وتحالفات إنتاج تتعرض للاهتزاز، إلى جانب حسابات استراتيجية تسعى إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي عالميًا.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن التوترات في الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تضيف درجة جديدة من التعقيد إلى سوق الطاقة، إذ إن أي اضطراب محتمل في الإمدادات قد يؤدي إلى قفزات مفاجئة في الأسعار، بما ينعكس فورًا على معدلات التضخم وتكاليف الإنتاج والنقل وسلاسل الإمداد العالمية.
وأكد أن التحولات داخل تحالفات إنتاج النفط تمثل عاملًا بالغ الأهمية في تحديد مستقبل السوق، موضحًا أن الخطورة تكمن في ضعف قدرة هذه التحالفات على ضبط الإنتاج، ما قد يقوّض استقرار أسعار النفط عالميًا.
وأشار إلى أن تراجع قدرة بعض التحالفات النفطية على ضبط الأسواق يأتي في وقت يشهد فيه الإنتاج الأمريكي مستويات قياسية، الأمر الذي قد يغير موازين التأثير داخل سوق الطاقة ويقلل تدريجيًا من قدرة المنتجين التقليديين على التحكم في المعروض والأسعار.
اقرأ أيضًا: معضلة مضيق هرمز.. تحليل لأوراق الضغط الأمريكية
أبرز المخاطر المرتبطة بأسعار النفط
بالنسبة للتوقعات المستقبلية، قال سلامة إن السيناريوهات متعددة، لكنها تتفق جميعها على ارتفاع درجة عدم اليقين، ففي حال استمرار التوترات الجيوسياسية قد تظل أسعار النفط في نطاق مرتفع يتجاوز 90 أو 100 دولار للبرميل خلال عامي 2026 و2027، بينما قد يؤدي تفكك التحالفات النفطية إلى موجات حادة من الصعود والهبوط.
وأوضح أن البنوك المركزية تواجه في هذه الظروف معضلة صعبة، إذ إن رفع أسعار الفائدة قد يساعد على كبح التضخم، لكنه في الوقت نفسه يضغط على النمو والاستثمار والتوظيف، أما التراخي في التشديد النقدي أو الإبقاء على سياسات تيسيرية فقد يدعم النشاط الاقتصادي مؤقتًا، لكنه يحمل خطر ترسيخ التضخم ورفع تكلفة المعيشة.
وأضاف أن السياسات المالية تواجه بدورها ضغوطًا قوية، إذ قد تلجأ الحكومات إلى زيادة الدعم أو تقديم حزم تحفيزية لحماية المواطنين والقطاعات المتضررة، غير أن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم عجز الموازنة وزيادة أعباء المالية العامة، خاصة في الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة.
اقرأ أيضًا: تثبيت أسعار الفائدة الأمريكية وعلاقته باضطراب أسعار النفط
الركود التضخمي يهدد الأسواق
من جهته، قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن الاقتصادات المستوردة للطاقة أصبحت أمام معادلة صعبة، تتمثل في محاولة كبح التضخم من جهة، والحفاظ على معدلات النمو من جهة أخرى.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط تحول إلى انعكاس مباشر لاضطراب أعمق في بنية النظام الاقتصادي العالمي، حيث تتشابك الجغرافيا السياسية مع آليات التسعير، وفي الوقت نفسه تتراجع قدرة الأسواق على التنبؤ تحت ضغط الصراعات والتوترات الدولية.
وفي هذا السياق، لفت العسيلي إلى أن المخاطر لا تتوقف عند حدود الأسعار أو خروج أعضاء جدد من المنظمة، بل تمتد إلى احتمالية الركود التضخمي، الذي يجمع بين التضخم المرتفع والنمو البطيء، فضلًا عن الضغط على العملات المحلية في الأسواق الناشئة نتيجة ارتفاع الطلب على الدولار، وتراجع نفوذ أوبك في مواجهة الإنتاج الأمريكي القياسي.
وأضاف أن تفكك التحالفات النفطية قد يؤدي إلى تقلبات حادة بين الصعود والهبوط، بينما تشير بعض التقديرات بعيدة المدى إلى إمكانية وصول الأسعار إلى مستويات مرتفعة جدًا قد تتجاوز 140 دولارًا في بعض السيناريوهات، بل وحتى 200 دولار بحلول عام 2030 في حالات التطرف، وهو ما يعكس حجم المخاطر الكامنة في السوق.
وأكد الخبير الاقتصادي أن تداعيات ارتفاع أسعار النفط لا تقتصر على الدول المستوردة فقط، بل قد تطال الدول المصدرة أيضًا، من خلال ما يعرف اقتصاديًا باسم “المرض الهولندي” ، وهو ما يحدث عندما يؤدي الاعتماد المفرط على مورد واحد، مثل النفط، إلى ارتفاع قيمة العملة المحلية وتراجع تنافسية القطاعات غير النفطية، بما يزيد هشاشة الاقتصاد على المدى الطويل.
المفاجأة الإماراتية.. هل تتفكك التحالفات النفطية؟
من ناحية أخرى، أوضح العسيلي أنّ انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من أوبك في مفاجأة مدوية قد يعكس توجهًا نحو تغليب “الاستراتيجيات الوطنية” على حساب “الانضباط الجماعي”، موضحًا أن التحول الأخطر لا يتعلق فقط بمستوى الأسعار، بل ببنية سوق النفط ذاتها.
وقال إنّ “هذا الاتجاه قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف قدرة أوبك على ضبط المعروض، وتحويل السوق إلى ساحة تنافس مفتوح بين الدول المنتجة، خاصة تلك التي تمتلك طاقات إنتاجية غير مستغلة وتخطط إلى زيادة حصتها السوقية”.
ولفت العسيلي إلى أنه في حال اتساع نطاق هذا التوجه فإن العالم قد يواجه نمطًا جديدًا من عدم الاستقرار الذي قد يظهر في صورة تقلبات متزايدة بين ارتفاعات حادة بفعل الأزمات الجيوسياسية، وانخفاضات مفاجئة نتيجة فائض الإنتاج، خاصة إذا اندفعت الدول إلى تعويض فقدان الحصص السوقية، مُشيرًا إلى أن بعض التحليلات بدأت بالفعل تشير إلى أن خروج الإمارات قد يسرّع من هذا التحول ويضعف الانضباط داخل المنظمة.
اقرأ المزيد حول: أبعاد انسحاب الإمارات من أوبك وتأثيره على أسعار النفط