كيف حوّل ترامب الرسوم الجمركية إلى سلاح سياسي؟

منذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسم حدود التداخل بين السياسة والتجارة، ليحوّل الرسوم الجمركية من أداة اقتصادية لحماية الصناعة الوطنية إلى سلاح ضغط جيوسياسي موجّه ضد خصوم واشنطن، وحتى بعض حلفائها التقليديين، فما بدأ كسياسة “الرسوم المتبادلة” لإعادة التوازن التجاري، تطوّر ليصبح استراتيجية ضغط مباشر لمعاقبة مواقف سياسية، والتأثير على قرارات سيادية، وإعادة ضبط التحالفات الدولية وفق المصالح الأمريكية.

الأحداث الأخيرة تكشف بوضوح أنَّ إدارة ترامب لا ترى في التجارة الدولية ساحة للتفاوض الاقتصادي فقط، بل أداة نفوذ يمكن استخدامها في ملفات تمتد من الاعتراف بدولة فلسطين، إلى الحرب في أوكرانيا، وصولًا إلى توازنات مجموعة “بريكس“.

البرازيل.. عقوبات جمركية مرتبطة بالسياسة الداخلية

كانت البرازيل أولى الدول التي استهدفتها الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة في هذه المرحلة، حيث أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا بفرض رسوم تصل إلى 50% على صادراتها، في خطوة وُصفت بأنها “إجراءات عقابية” مرتبطة بمحاكمة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الحليف المقرب من ترامب، إضافة إلى خلافات بشأن تشريعات الإنترنت في البلاد.

الحكومة البرازيلية، أدانت القرار واعتبرته تدخلًا في شؤونها الداخلية، لكنها أكدت في الوقت نفسه رغبتها في فتح قنوات حوار لتجنب التصعيد.

اقتصاديًا، يُرجّح أن تخفف برازيليا من وقع العقوبات عبر تنويع شركائها التجاريين -خاصة الصين- التي تُعد أكبر مستورد لمنتجاتها الزراعية والمعدنية، لكن هذه المناورة قد تُعمّق اعتماد البرازيل على بكين، وتقلّص من نفوذ واشنطن في أكبر اقتصاد بأمريكا اللاتينية.

كندا.. من الاعتراف بفلسطين إلى أزمة تجارية

التحرك الكندي نحو الاعتراف بدولة فلسطين، فجّر مواجهة سياسية اقتصادية غير مسبوقة بين أوتاوا وواشنطن، فإعلان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن نية بلاده الانضمام إلى فرنسا والمملكة المتحدة في الاعتراف بفلسطين، إذا التزمت السلطة الفلسطينية بشروط تشمل نزع السلاح وإجراء انتخابات دون مشاركة “حماس”، أثار ردًا مباشرًا من ترامب الذي وصف الاعتراف بأنه “مكافأة للإرهاب”، مُلَوِّحًا بأنَّ أيّ اتفاق تجاري مع كندا “سيُصبح صعبًا للغاية”.

التهديد الأمريكي لم يتوقف عند التصريحات، بل شمل خطة لفرض رسوم بنسبة 35% على السلع الكندية غير المشمولة باتفاقية أمريكا – المكسيك – كندا (USMCA)، ما يضع واحدة من أكبر الشراكات التجارية في العالم أمام اختبار سياسي علني، ورغم أن كندا تُعد من أكبر أسواق الصادرات الأمريكية إلا أنَّ إدارة ترامب تُظهر استعدادًا للمخاطرة بتعقيد العلاقات الاقتصادية، في سبيل فرض انضباط سياسي على الحلفاء.

اقرأ أيضًا: ترامب يفرض رسومًا جديدة على عشرات الدول وسط تحذيرات دولية

روسيا.. الرسوم كامتداد للعقوبات

في سياق موازٍ، وجَّه ترامب تحذيرًا إلى روسيا بفرض رسوم إضافية في حال لم توقف عملياتها العسكرية في أوكرانيا، ليُضيف أداة جديدة إلى حزمة العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة منذ 2022.

هذا الموقف يمثل تحوّلًا عن المرحلة السابقة التي اتسمت بعلاقات شخصية متقاربة بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ أصبح الربط بين الملفات العسكرية والرسوم الجمركية جزءًا من استراتيجية “الضغط الأقصى”.

بالنسبة لروسيا، تُعد هذه الرسوم امتدادًا للعزلة الاقتصادية التي تواجهها، لكنها أيضًا مؤشر على أنَّ الولايات المتحدة باتت ترى في التجارة أداة عقاب موازية للعقوبات المصرفية والمالية، وقادرة على التأثير في سلوك الدول في ملفات أمنية واستراتيجية.

بريكس.. تهديد جماعي ورد جماعي

لم تقتصر تهديدات ترامب على الدول بشكل منفرد، بل امتدت إلى كتلة “بريكس”، ملوّحًا بفرض رسوم بين 10 و100% إذا تبنت المجموعة سياسات يعتبرها “معادية” لواشنطن، مثل تقويض هيمنة الدولار أو تطوير عملة موحدة جديدة.

جاء الرد خلال قمة “بريكس” في ريو دي جانيرو (يوليو 2025)، حيث أصدرت المجموعة بيانًا يدين التصعيد التجاري ويرفض الإجراءات الأحادية، مؤكدًا دعم اقتصاديات دول الجنوب ورفض وصفها بـ”المعادية”.

روسيا ذهبت أبعد من ذلك، متهمة واشنطن باتباع أجندة تستهدف إعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي لصالحها، مع التأكيد على تضامن الأعضاء في مواجهة الضغوط الأمريكية.

اطّلع على تفاصيل رد ترامب على قمة بريكس الأخيرة في ريو لي جانيرو

سياسة “الرسوم السياسية”.. ملامح منهج ترامب

تُظهر الحالات الثلاث سابقة الذكر (البرازيل، وكندا، ودول بريكس) أنَّ إدارة ترامب طوَّرت نموذجًا جديدًا في السياسة التجارية يقوم على ثلاثة محاور؛ أوّلها توسيع نطاق الأهداف، فالرسوم لا تُفرض فقط لحماية الصناعة الأمريكية أو تصحيح اختلال الميزان التجاري، بل لمعاقبة مواقف سياسية ودبلوماسية.

أما المحور الثاني فهو المرونة الزمنية؛ حيث تُعلن الرسوم وتُرفع أو تُخفض في مدد قصيرة، ما يمنح واشنطن قدرة على التهديد أو المكافأة بشكل فوري، والثالث هو التأثير متعدد المستويات، وذلك عبر استهداف حكومات، وشركات، وأسواق استهلاكية في وقت واحد لزيادة الضغط.

هذه السياسة تمنح الإدارة الأمريكية أداة ضغط قوية، لكنَّها تضع النظام التجاري العالمي أمام تحديات غير مسبوقة، حيث تتراجع المعايير المؤسسية لصالح القرارات التنفيذية الأحادية.

التأثير المباشر على الخصوم

الأمر الذي يجمع بين البرازيل وكندا وروسيا ودول “بريكس” هو أنَّ الخلافات مع واشنطن لم تعد تُدار فقط عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية أو العقوبات الاقتصادية الكلاسيكية، فقد دخلت الرسوم الجمركية على خط المواجهة كأداة ردع فورية ومرنة.

ومن الناحية الاقتصادية، الرسوم الجمركية ترفع كلفة التجارة وتؤثر مباشرة على الشركات والمستهلكين في كلا الطرفين، لكنَّها في الوقت نفسه تمنح الإدارة الأمريكية أداة يمكن تفعيلها بسرعة دون الحاجة إلى مصادقة الكونغرس، ما يجعلها سلاحًا جذابًا لرئيس يسعى إلى نتائج ملموسة وسريعة.

أما من الناحية السياسية، فهي رسالة مزدوجة، إذ إنّ أيّ انحراف عن “الخط الأمريكي” سيقابله ثمن اقتصادي مباشر، بغض النظر عن حجم الشريك أو موقعه في التحالفات.

تداعيات اقتصادية وجيوسياسية متباينة

على المدى القصير، تمنح هذه الاستراتيجية ترامب القدرة على فرض مواقف سياسية عبر إحداث صدمات اقتصادية محدودة النطاق لكن عالية التأثير، فالرسوم المفروضة على شركاء كبار مثل كندا أو البرازيل يمكن أن تغيّر حسابات صناع القرار هناك، خاصة في ظل الترابط القوي لاقتصاداتهم مع السوق الأمريكية.

لكن على المدى الطويل، قد تدفع هذه السياسة نحو تسريع تنويع الشركاء التجاريين لدى الدول المستهدفة، لتقليص الاعتماد على السوق الأمريكية، وتعزيز التكتلات البديلة مثل “بريكس” أو اتفاقيات التجارة الإقليمية الخالية من الولايات المتحدة، وتآكل دور منظمة التجارة العالمية كمرجع لحل النزاعات التجارية في ظل تزايد القرارات الأحادية، فضلًا عن زيادة المخاطر الاستثمارية في بيئة دولية أكثر تقلبًا، ما قد يردع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

نحو نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب

رغم أنّ الرسوم السياسية قد تبدو من منظور واشنطن أداة فعالة لتحقيق مكاسب تكتيكية سريعة، سواء في تعديل مواقف دول أو فرض أجندات تفاوضية، إلّا أنّها في الوقت نفسه تحمل مخاطر إستراتيجية قد تُضعف موقع الولايات المتحدة في النظام التجاري العالمي على المدى البعيد، وتُسرّع من تشكّل نظام متعدد الأقطاب اقتصاديًا وماليًا.

وهذا يعني أنّ تحوّل الرسوم الجمركية من أداة اقتصادية إلى أداة نفوذ سياسي يُعيد تشكيل قواعد اللعبة التجارية بالفعل، لكنَّه أيضًا يفتح الباب أمام خصوم واشنطن وحلفائها السابقين لتطوير أدوات رد مماثلة، ما ينذر بمزيد من الاستقطاب في الاقتصاد العالمي.

من حماية الصناعة إلى فرض الإذعان السياسي

توسيع استخدام الرسوم الجمركية كسلاح سياسي يُهدد بإضعاف النظام التجاري متعدد الأطراف الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والمبني على قواعد منظمة التجارة العالمية (WTO) ومبادئ حرية التجارة؛ فالرسوم العقابية -إذا أصبحت قاعدة وليس استثناء- قد تدفع مزيدًا من الدول إلى البحث عن بدائل للنظام القائم، سواء من خلال تعزيز التكتلات الإقليمية مثل “بريكس”، أو عبر تبني عملات بديلة للدولار في التبادل التجاري.

وهذا التوجه بدوره قد يُسرع من عملية “تجزئة” الاقتصاد العالمي إلى كتل متنافسة، ويزيد من صعوبة حل النزاعات التجارية عبر المؤسسات الدولية، كما أن الاستثمارات العابرة للحدود، التي تعتمد على استقرار القواعد التجارية، قد تتأثر سلبًا، ما يخلق بيئة أكثر تقلبًا للمستثمرين.

قد يهمّك أيضًا: ترامب يُعيد الدولار إلى القمة.. كيف أجبر أوروبا على دفع 1.3 تريليون دولار؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة