تراجع الدولار الأمريكي إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياته في نحو أربع سنوات خلال تعاملات اليوم، الأربعاء، 28 يناير 2026، في ظل موجة ضغوط متصاعدة على العملة الأمريكية، دعمتها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي خفَّفت من أهمية الهبوط الأخير، وزادت من قلق الأسواق قُبَيل صدور قرار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وجاء هذا التراجع بعد جلسة عنيفة شهدت عمليات بيع مكثفة للدولار، دفعت العملات الرئيسة إلى تسجيل مكاسب قوية، في مقدمتها اليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني، وسط إعادة تسعير واسعة لتوقعات السياسة النقدية الأمريكية وتحركات محتملة من البنوك المركزية الكبرى.
أداء الدولار أمام سلة العملات
تجاوز اليورو حاجز 1.20 دولار للمرة الأولى منذ عام 2021، قبل أن يتراجع بشكل طفيف خلال تعاملات الأربعاء، ليسجل انخفاضًا بنحو 0.36% إلى مستوى 1.1994 دولار، في حركة عكست عمليات جني أرباح بعد صعود قوي خلال الجلسة السابقة.
أما الجنيه الإسترليني، فقد واصل تداوله قرب أعلى مستوياته في أكثر من ثلاث سنوات، متراجعًا بنسبة 0.33% إلى 1.3796 دولار، عقب مكاسب قوية تجاوزت 1.2% في الجلسة السابقة، وهي مكاسب دفعته إلى تسجيل أعلى مستوى له منذ عام 2021، مدعومًا بضعف الدولار وتزايد الإقبال على العملات ذات العائد المرتفع نسبيًا.
وفي المقابل، سجل مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من ست عملات رئيسة، ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.22% إلى 96.114 نقطة، في محاولة فنية للتعافي بعد خسائر حادة تجاوزت 1% في الجلسة السابقة، ورغم هذا الارتداد المحدود ظلَّ المؤشر قريبًا من أدنى مستوى له في أربع سنوات عند 95.566 نقطة، ما يعكس استمرار الضغوط الهيكلية على الدولار.
اقرأ أيضًا: الدولار في 2025 يسجل أسوأ أداء سنوي منذ عام 2003
لماذا فسرت الأسواق كلمات ترامب كإشارة للبيع؟
جاءت هذه التحركات في أعقاب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، قال فيها إن قيمة الدولار “عظيمة” ، ردًا على تساؤلات بشأن ما إذا كانت العملة الأمريكية قد انخفضت بأكثر مما ينبغي، غير أن الأسواق لم تتعامل مع التصريحات باعتبارها دعمًا للعملة، بل جرى تفسيرها على أنها تقليل من شأن المخاوف المرتبطة بتراجع الدولار، ما شجّع المتداولين على مواصلة عمليات البيع بدلًا من التراجع عنها.
ويرى متعاملون في أسواق الصرف أن توقيت هذه التصريحات لعب دورًا مهمًا في تعميق موجة الهبوط، إذ جاءت في لحظة حساسة يترقب فيها المستثمرون إشارات حاسمة من الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار أسعار الفائدة، في ظل تزايد الرهانات على اقتراب نهاية دورة التشديد النقدي الأمريكية، أو على الأقل تباطؤها مقارنة بما كان متوقعًا في وقت سابق.
وتتزامن ضغوط الدولار مع تنامي توقعات الأسواق بإمكانية تدخل منسق بين الولايات المتحدة واليابان لدعم استقرار الين، الذي تعرض خلال الأشهر الماضية لموجات ضعف حادة، فهذا الاحتمال عزز الطلب على العملة اليابانية، وزاد من حدة الضغوط على الدولار، خاصة مع اتساع الفجوة بين السياسات النقدية العالمية وتزايد حساسية الأسواق لأي إشارات سياسية أو نقدية.
وبينما يترقب المستثمرون نتائج اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، تبقى أسواق العملات في حالة توتر وترقب، مع ميل واضح لتقليص المراكز المرتبطة بالدولار، في انتظار وضوح أكبر بشأن اتجاه السياسة النقدية الأمريكية، ومدى استعداد السلطات للتدخل في حال استمرار التقلبات الحادة بأسواق الصرف.
هل يعاني الدولار من أزمة ثقة هيكلية أم حركة تصحيحية؟
قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن موجة التراجع الأخيرة التي يشهدها الدولار الأمريكي لا يمكن النظر إليها باعتبارها حركة تصحيحية عابرة، بل تعكس ضغوطًا مركبة تتعلق بالثقة في العملة الأمريكية، وبطبيعة السياسات النقدية والتجارية المتبعة في الولايات المتحدة خلال المرحلة الحالية.
وأوضح الجرم أن انخفاض مؤشر الدولار إلى أدنى مستوياته في نحو أربع سنوات يأتي في توقيت حساس، تتزايد فيه حالة عدم اليقين داخل الأسواق العالمية، خاصة مع تضارب الإشارات الصادرة عن الإدارة الأمريكية بشأن السياسة التجارية، وتلميحاتها المتكررة إلى قبول ضعف الدولار كأداة لدعم الصادرات وتقليص العجز التجاري، وهو ما ينعكس سلبًا على ثقة المستثمرين في العملة الأمريكية كأصل آمن.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، التي قلل فيها من شأن تراجع الدولار واعتبره أمرًا إيجابيًا، بعثت برسائل سلبية للأسواق، وساهمت في تسريع عمليات بيع العملة الأمريكية، لافتًا إلى أن المستثمرين يفسرون هذه التصريحات باعتبارها ضوءًا أخضر لمزيد من الضعف، لا سيما في ظل غياب تدخل واضح لدعم العملة.
وأضاف الجرم أن الضغوط على الدولار تزامنت مع صعود قوي للعملات الرئيسة المنافسة، وعلى رأسها اليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني، حيث تجاوز اليورو مستويات لم يسجلها منذ عام 2021، في إشارة واضحة إلى تحول نسبي في تدفقات رؤوس الأموال بعيدًا عن الدولار، باتجاه عملات وأسواق ينظر إليها حاليًا باعتبارها أكثر استقرارًا أو أقل عرضة للتقلبات السياسية.
اقرأ أيضًا: الدولرة.. خطة أمريكية تحفّز الدول على اعتماد الدولار كعملة أساسية
المحركات الخفية لهبوط الدولار الأمريكي
لفت الجرم إلى أن رهانات الأسواق على اتجاه الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، حتى وإن لم تكن فورية، لعبت دورًا مهمًا في إضعاف الدولار، موضحًا أن مجرد تسعير سيناريو خفض الفائدة مرتين خلال العام المقبل يقلص من جاذبية الدولار، خاصة في ظل اتساع الفجوة المتوقعة في العوائد مقارنة بعملات أخرى.
وأكد الجرم أن ما يزيد من تعقيد المشهد هو التراجع التدريجي في حصة الدولار من الاحتياطيات النقدية العالمية، وهو اتجاه مستمر منذ سنوات، لكنه بات أكثر وضوحًا في المرحلة الأخيرة، مع اتجاه عدد متزايد من البنوك المركزية إلى تنويع احتياطياتها وزيادة حيازاتها من الذهب، الذي سجل ارتفاعات قياسية مدفوعًا بالبحث عن ملاذات آمنة بديلة.
وأوضح أن الضغوط المتزايدة على الدولار أمام الين الياباني تعكس أيضًا مخاوف الأسواق من تدخل منسق محتمل بين الولايات المتحدة واليابان لدعم العملة اليابانية، مشيرًا إلى أن أي تدخل من هذا النوع سيضيف مزيدًا من الضغط على الدولار، ويعزز الاتجاه الهبوطي في الأجل القصير.
واختتم الدكتور رمزي الجرم تصريحاته، بالتأكيد على أن الدولار يمر بمرحلة اختبار حقيقية، تتجاوز تقلبات سعر الصرف اليومية، وتمس موقعه في النظام النقدي العالمي، محذرًا من أن استمرار الضغوط الحالية دون معالجة واضحة لأسبابها السياسية والنقدية قد يفتح الباب أمام تحولات أعمق في خريطة العملات الدولية خلال السنوات المقبلة.
قد يهمّك أيضًا: زلزال المعادن النفيسة.. الذهب يكسر حاجز 5000 دولار والفضة تقفز 60%
