تقرير: باسل محمود
يقول أحد أصحاب الأعمال في بيروت إنَّ المدينة “لم تعد مكانًا تشعر فيه بالسعادة”، فقد تمَّ التخلي عن بساتين الزيتون والبرتقال، وتُركت البضائع في المصانع التي توقفت بسبب القصف، حتى أنّ العديد من الحانات والمتاجر أصبحت شبه فارغة بسبب تدهور الوضع الاقتصادي، إذ إنّ السكان يتجنّبون شراء أو تناول الطعام في الخارج، بحسب فايننشال تايمز.
تصاعد الأزمات نتيجة الحرب الإسرائيلية على لبنان
تصاعد الهجوم الإسرائيلي على حزب الله في لبنان بشكل حاد خلال الشهرين الماضيين، مما أدى إلى تدمير واسع في البلاد، وعطل انتعاشًا اقتصاديًا محدودًا كان قد بدأ بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية العميقة.
قال مروان بركات كبير الاقتصاديين في بنك عوده في بيروت: “معظم قطاعات الاقتصاد اللبناني توقفت”، موضحًا أنَّ الأضرار الاقتصادية قد تتفاقم إذا استمر النزاع. كما حذَّر من أنَّ الصراع إذا استمر حتى نهاية عام 2025، قد يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 20% في العام المقبل.
كما أشار أحد رجال الأعمال، إلى أنه يتجنب تناول الطعام في الخارج لأنه “لا يشعر بالرغبة في ذلك”، مشيرًا إلى أن الإنفاق في هذه الظروف يبدو غير مناسب وسط المعاناة والتهجير.
اقرأ أيضًا: البنك الدولي: خسائر لبنان من الحرب 8.5 مليار دولار
جهود وقف إطلاق النار
قال مسؤولون إن اتفاقًا بين إسرائيل وحزب الله قد يكون وشيكًا، ومن المتوقع أن يعقد مجلس الأمن الإسرائيلي جلسة يوم الثلاثاء للتصويت عليه. ومع ذلك، ستكون الآثار التي خلّفها الصراع الذي دام أكثر من عام صعبة جدًا.
كان لبنان في السابق، مركزًا ماليًا في الشرق الأوسط، لكن منذ عام 2019 شهد انهيارًا كبيرًا في قيمة العملة المحلية بنسبة 98%، وأزمة مصرفية حرمت الناس من الوصول إلى مدخراتهم، كما زادت الأزمات السابقة، مثل انفجار مرفأ بيروت في 2020 وجائحة كورونا، من تعقيد الوضع.
وفي عام 2023، هاجمت حماس إسرائيل، مما أدى إلى تصاعد الحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى نشوب مناوشات حدودية بين لبنان وإسرائيل أسفرت عن دخول القوات الإسرائيلية إلى جنوب لبنان ومهاجمتها بشكل مكثف.
وفي هذا السياق، قال أنطوني مسعود، الرئيس التنفيذي لشركة “إتس أنطوان مسعود”، الموزع الرئيسي للمواد الغذائية والمشروبات: “ثم تحدث حرب على الأراضي اللبنانية وتشاهد بلدك يتعرض للقصف يوميًا”، وأضاف: “بصراحة هناك حد لما يمكن أن تتحمله المعنويات”.
الحرب وتأثيرها المدمر على الاقتصاد اللبناني
بسبب الحرب، خفض البنك الدولي توقعاته للنمو في لبنان من 0.9% إلى -6.6% هذا العام، بينما انخفض الناتج المحلي الإجمالي للبنان بنسبة 34% منذ عام 2019، كما تعطّلت الزراعة في منطقة جنوب لبنان، الغنية ببساتين الزيتون وأشجار الحمضيات، بسبب القصف وتحذيرات الجيش الإسرائيلي.
كما قدرت مجموعة البنك الدولي خسائر القطاع الزراعي اللبناني بنحو 1.1 مليار دولار، فقد دفع تدمير الغارات الجوية الإسرائيلية في النبطية بعض المصانع إلى الإغلاق، وقد أكَّد صاحب أحد المصانع أن موظفيه فَرّوا من المصنع بسبب القصف في الشهر الماضي.
السياحة والنزوح في ظل الحرب
أثّرت التوترات التي شهدتها لبنان في الصيف على قطاع السياحة، حيث اختار العديد من المغتربين اللبنانيين، تقليص أو إلغاء زياراتهم خوفًا من أن يتم تعليق رحلاتهم في لبنان.
وبحلول سبتمبر، فَرَّ أكثر من مليون شخص إلى مناطق آمنة، مع نزوح أكثر من 600 ألف إلى سوريا، وهو عكس حركة اللاجئين السوريين إلى لبنان في الحرب الأهلية السورية.
الأثر الاجتماعي والاقتصادي على الأعمال المحلية
أثرت الحرب بشكل كبير على القطاعات التجارية في لبنان، حيث انخفضت مبيعات المشروبات الكحولية بنسبة تتراوح بين 70-80%، وأُجّلت مشاريع استثمارية جديدة بسبب الوضع الأمني المتردي، وقد قال مسعود، أحد رجال الأعمال المحليين، إنَّ الظروف الاقتصادية أجبرته على تأجيل افتتاح مطعم جديد.
علاوةً على ذلك، تأثر قطاع الأزياء وهو أحد القطاعات المهمة في لبنان بشكل كبير بسبب الحرب، فقد قال جورج إستيفان، الشريك المدير في “كاليا جروب” للأزياء السريعة: “عندما لا تكون في مزاج جيد، لن تذهب للتسوق”. كما أعربت ديانا منهّم، المديرة العامة لمجموعة “كلّنا إرادة” المعنية بالدعوة للإصلاح، عن أن الحرب كانت “المسمار الأخير في نعش الاقتصاد”، مشيرةً إلى أنَّ لبنان كان يتوقع نموًا أكثر من 1% هذا العام قبل الحرب.
الأمل في عودة النشاط الاقتصادي خلال فترة الأعياد
على الرغم من التأثيرات السلبية العميقة للحرب، يضع رجال الأعمال اللبنانيون آمالهم على اتفاق وقف إطلاق النار قبل عيد الميلاد، حيث يُعتقد أن هذه الفترة قد تعيد شيئًا من الحياة الاقتصادية، كما أنّهم يترقبون عودة الشتات اللبناني للاحتفال في لبنان وإنفاق المزيد في المتاجر والمطاعم.
الطلب المتزايد على المنتجات الأساسية
على الرغم من ذلك، لا يزال هناك بعض الأنشطة الاقتصادية النشطة في المناطق الآمنة، فقد قال أحد مالكي العقارات إنَّه ضاعف الإيجار في أحد مبانيه بسبب ازدهار الأعمال، كما بدأت بعض الحانات والمطاعم تعود إلى العمل تدريجيًا مع استمرار الغارات الجوية.
ومن جهة أخرى، قال مسعود إنَّ بعض المنتجات مثل الجبن المعالج والأطعمة المعلبة والمنتجات الأساسية، مثل الزيت والأرز والمكرونة، تشهد طلبًا قويًا؛ نظرًا لكونها “منتجات حرب” لا تحتاج إلى تبريد، ويمكن تخزينها بسهولة.
اقرأ أيضًا: خسائر الاقتصاد اللبناني نتيجة الحرب
الأزمات المتتالية تُرهق الاقتصاد اللبناني
شهد لبنان أزمات متتالية منذ عام 2019، فكانت كما يأتي:
- أكتوبر 2019: إغلاق البنوك اللبنانية أثناء الاحتجاجات، مما زعزع الثقة في القطاع المالي.
- مارس 2020: إعلان كورونا جائحة عالمية، ولبنان يتخلف عن سداد ديونه بالعملات الأجنبية لأول مرة.
- أغسطس 2020: انفجار ضخم في مرفأ بيروت يدمر العاصمة ويعمق الأزمة.
- عام 2022: “سرقات” في فروع البنوك بعد فشل المودعين في الوصول إلى أموالهم.
- أكتوبر 2023: هجوم حماس على إسرائيل يؤدي إلى اندلاع الحرب في غزة، ولبنان يشهد تبادلًا للنيران.
- أكتوبر 2024: إسرائيل تغزو جنوب لبنان بعد عام من تبادل القصف عبر الحدود.