أصبح الصراع على الأراضي السورية أحد أبرز مجالات التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، حيث تلعب كل من تركيا وإسرائيل دوراً بارزاً في هذا الصراع، كما تشهدان مرحلة جديدة من التنسيق غير المعلن على مستوى المصالح الاستراتيجية للسيطرة على ثروات سوريا المائية، ورغم التنسيق بينهما في بعض القضايا، لا تخلو هذه العلاقات من التنافس الشديد على النفوذ في الأراضي السورية.
التنسيق الإقليمي بين تركيا وإسرائيل في سوريا
أكَّد الدكتور هشام بشير، خبير العلاقات الدولية، وجود تنسيق إقليمي قائم بين تركيا وإسرائيل في الساحة السورية يعتمد على تبادل المصالح بين الجانبين، وأضاف أنَّ هناك اتفاقات ووساطات بين تل أبيب وأنقرة لتحقيق مكاسب داخل سوريا، حيث يتعاون الطرفان عبر وكلاء ووسطاء لتحقيق أهدافهما.
وأشار بشير في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” إلى أنَّ وجود إسرائيل وتركيا في سوريا يتسم بالتركيز على هدف مشترك وهو إسقاط نظام الأسد، بالإضافة إلى إنهاء النفوذ الإيراني في البلاد، وهو ما يتوافق مع التوسع الإسرائيلي وتعزيز النفوذ التركي في المنطقة، الذي كانت إيران تهدد بسطه.
ورغم تنسيق الجهود بين الطرفين، أوضح بشير أنَّ ما يجري في الداخل السوري حاليًا لا يعد صراعًا مباشرًا بين تركيا وإسرائيل، بل هو مجرد صراع على المصالح، لكنّ من المحتمل أن يتطور إلى صراع أكبر في حال توسَّع التنافس بينهما على الأراضي السورية.
وفقًا للبشير: “رغم وجود تنسيق بين تركيا وإسرائيل، إلَّا أنَّ ذلك لا يعني غياب الصراع على المصالح بينهما، فالوضع في سوريا يتحول تدريجيًا إلى ساحة لتقاسم المصالح؛ حيث تسعى إسرائيل لتعزيز علاقاتها مع الأكراد في شمال شرق سوريا بهدف تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة. وفي المقابل، تخطط تركيا للقضاء على أيّ وجود كردي في المنطقة، نظرًا لأنَّ الأكراد يُشكلون تهديدًا لأمنها القومي.
اقرأ أيضًا: سوريا.. من دمار الحرب إلى آمال الإنعاش الاقتصادي
التنافس التركي الإسرائيلي على الموارد الاستراتيجية
يقول بشير إنَّ هناك منافسة واضحة بين كل من تركيا وإسرائيل على موارد النفط والغاز في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا، مثل دير الزور والحسكة والقامشلي، حيث تهدف تركيا للسيطرة على هذه المناطق بينما تهدف إسرائيل إلى تأمين مصادر المياه العذبة في الجنوب.
ويشير إلى أنَّ تركيا أيضًا تُخطط للاستفادة من بعض المناطق الاستراتيجية مثل حلب، التي تعد مركزًا اقتصاديًا هامًا في سوريا لاحتوائها على العديد من المنشآت الصناعية والمناطق التي يمكن إعادة تطويرها. ويُضيف: “الرهانات الاقتصادية في سوريا باتت جزءًا أساسيًا من هذا الصراع الناعم الذي يمكن أن يشهد تصاعدًا إذا استمرت الخلافات حول اقتسام هذه المصالح”.
في السياق ذاته، أكَّد بشير أنَّ التنافس بين إسرائيل وتركيا في سوريا سيظل معتمدًا على التحولات السياسية الإقليمية والدولية، مع ضرورة متابعة التطورات القادمة في ظل التغيرات المتسارعة في المنطقة.
السيطرة على ثروات سوريا المائية
من جانبه، صرّح الدكتور هشام قنديل، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أنَّ الصراع على المياه في منطقة الشرق الأوسط يشهد تصعيدًا ملحوظًا، حيث تُخطط إسرائيل وتركيا إلى السيطرة على منابع المياه الاستراتيجية، مما يُهدد الأمن المائي لدول المنطقة، وخاصة سوريا والأردن والعراق.
وقد أكّد الخبير أنَّ الصراع يتجاوز البعد المائي ليشمل أبعادًا سياسية واقتصادية واستراتيجية، وقال إن “إسرائيل تمكنت مؤخرًا من السيطرة على حوض نهر اليرموك، الذي يعتبر مصدرًا رئيسًا لمياه الشرب في كل من سوريا والأردن”. كما أوضح أنَّ الجيش الإسرائيلي توغل في الجنوب السوري مستحوذًا على السدود المُقامة على النهر، منها سدّ الوحدة الذي يحجز وحده أكثر من 225 مليون متر مكعب من المياه.
وفي هذا السياق، قال قنديل إنَّ هذه السيطرة حرمت الشعبين السوري والأردني من نصيبهم الطبيعي في المياه، موضحًا أنَّ إسرائيل، منذ احتلالها للجولان، تستحوذ على حوالي 14% من المخزون المائي لسوريا، أي ما يعادل مليارًا و200 مليون متر مكعب سنويًا.
وأضاف أنَّ التوسع الإسرائيلي في السيطرة على منابع المياه بدأ منذ تأسيس الدولة العبرية، مشيرًا إلى خطة تيودور هرتزل في عام 1873 التي تضمنت ضرورة السيطرة على منابع المياه، بما في ذلك نهر اليرموك ونهر الأردن وجبل الشيخ.
اقرأ أيضًا: تركيا تعزز نفوذها عبر إعادة ترسيم الحدود البحرية مع سوريا
الدور التركي في أزمة المياه
أوضح الدكتور قنديل أنَّ تركيا لعبت دورًا رئيسًا في استنزاف ثروات سوريا المائية، وكذلك العراق من خلال بناء عدد كبير من السدود على نهري دجلة والفرات. وأضاف أنَّ تركيا أنشأت 14 سدًا على نهر الفرات و9 سدود على نهر دجلة، بجانب محطات توليد الكهرباء التي تستحوذ على كميات هائلة من المياه.
كما أكَّد الخبير أنَّ الدعم الإسرائيلي لتركيا في بناء هذه السدود كان واضحًا، حيث قدَّمت إسرائيل الخبرة الفنية والتمويل اللازم، بالإضافة إلى الدعم السياسي والعسكري للحكومة التركية في مواجهة التحديات الإقليمية، وذلك بهدف تقليص نصيب سوريا والعراق من المياه، مما يزيد من الاعتماد على إسرائيل للحصول على احتياجاتها المائية.
انعكاسات اقتصادية وسياسية خطيرة
شدَّد الدكتور هشام قنديل على أنَّ السيطرة الإسرائيلية والتركية على منابع المياه أدَّت إلى تفاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية في سوريا والعراق، حيث أصبح أكثر من 50% من الشعب السوري يفتقر إلى المياه الصالحة للشرب. وأضاف أنَّ تدمير البنية التحتية للمياه في سوريا، بدعم غير مباشر من القوى الإقليمية، جعل الشعب السوري أمام أزمة إنسانية كبيرة.
وأشار إلى أنَّ إسرائيل تُخطط أيضًا إلى استغلال أزمة المياه كورقة ضغط سياسي، مشيرًا إلى طموحاتها في التوسع نحو مياه نهر الفرات ونهر النيل. وأكّد أنَّ التعاون الإسرائيلي-التركي يهدف إلى تحقيق الهيمنة المائية في المنطقة، مما يشكل خطرًا على الأمن القومي لدول الشرق الأوسط.
واختتم الدكتور قنديل تصريحاته بالدعوة إلى تحرُّك دولي لمواجهة هذه التحديات، مشددًا على أهمية تطوير استراتيجيات مائية مستدامة وتعزيز التعاون الإقليمي لضمان توزيع عادل للمياه. وقال إنّ “الأمن المائي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وأيّ تهديد له يتطلب استجابة سريعة وحاسمة من الدول العربية”.
اطّلع على أحدث المستجدات الاقتصادية السورية: سوريا بين التحديات الداخلية والتدخلات الدولية