كيف عززت أزمة هرمز صعود النقل البري في الخليج؟

فرضت أزمة مضيق هرمز واقعًا جديدًا على حركة التجارة في دول الخليج، ليتحول النقل البري من مجرد خيار بديل إلى السبيل الأمثل لضمان استمرار تدفق السلع، فمع تعطل وتقييد الملاحة في أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط والتجارة العالمية وجدت الشركات والحكومات نفسها أمام ضرورة إعادة ترتيب أولوياتها اللوجستية لتفادي أي اضطرابات في سلاسل الإمداد.

وفي هذا الشأن، قالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إن قطاع النقل البري في دول الخليج شهد تحولًا كبيرًا خلال هذه الفترة، مدفوعًا بتصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين التي زادت بنسب ملحوظة، ما دفع العديد من المنتجين والموردين إلى الاعتماد على الشاحنات لنقل سلعهم، بداية من المعادن والبتروكيماويات، ووصولًا إلى المواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية، بهدف ضمان وصولها إلى الأسواق دون تأخير، خاصة مع استمرار الأزمة واقتراب إغلاق المضيق للشهر الثاني.

أزمة هرمز ترفع الطلب على خدمات النقل البري

ترى الخبيرة أنّ هذا التحول لم يكن محدودًا، فقد انعكس بشكل مباشر على زيادة الطلب على خدمات النقل البري، حيث سجلت شركات الشحن والخدمات اللوجستية نموًا ملحوظًا في حجم أعمالها، خاصةً في حركة نقل البضائع بين السعودية والإمارات وسلطنة عمان، مما أدى إلى ارتفاع استخدام الشاحنات لنقل السلع من موانئ بديلة إلى داخل الخليج، ما أعاد رسم خريطة التجارة في المنطقة.

وأشارت خضر إلى ظهور موانئ خارج نطاق مضيق هرمز كمراكز رئيسة جديدة لحركة التجارة، حيث حلّت موانئ جدة على البحر الأحمر، وصلالة وصحار في سلطنة عمان على بحر العرب، محل موانئ الخليج التقليدية مثل جبل علي في الإمارات، وأصبحت هذه الموانئ نقاط تفريغ رئيسة يتم من خلالها نقل البضائع برًا إلى باقي دول الخليج، وهو ما ساهم في تقليل المخاطر المرتبطة بالمرور عبر المضيق.

ولكنها أكدت أن هذا التحول لم يخلو من التحديات، إذ تعرضت الموانئ البديلة لضغوط تشغيلية غير مسبوقة نتيجة تدفق الشحنات إليها، فقد استقبل ميناء خورفكان في الإمارات نحو ستة أضعاف طاقته المعتادة، ما أدى إلى ازدحام شديد وتأخير في عمليات التفريغ وإعادة الشحن، مع طوابير طويلة من السفن المنتظرة، كما امتدت الضغوط إلى المنافذ البرية، حيث شهدت المعابر الحدودية (مثل منفذ سلوى بين السعودية وقطر) تكدساً ملحوظاً للشاحنات المحملة بالبضائع في انتظار العبور.

اقرأ أيضًا: بين الحصار البحري وإغلاق هرمز.. المنطقة على فوهة بركان

كيف استفادت الشركات المحلية والعالمية من أزمة هرمز؟

على مستوى الشركات، استفاد قطاع النقل البري بشكل واضح من هذه التطورات، حيث شهدت شركات الشحن طفرة في نشاطها، فقد سجلت شركة “تراكر” الإماراتية، التي تقدم خدمات نقل بالشاحنات، زيادة بنسبة 30% في عملياتها خلال شهر مارس، مع تشغيل أكثر من 500 شاحنة خلال الأيام الأولى للأزمة لنقل السلع الأساسية، وأكدت الشركة أن الربط البري بين المناطق الداخلية والموانئ الواقعة على الحافة الشرقية للإمارات وسلطنة عمان ساهم بشكل كبير في تجنب المرور عبر مضيق هرمز، ما عزز من كفاءة عمليات النقل.

ولم يقتصر الأمر على الشركات المحلية، بل انضمت شركات شحن عالمية كبرى مثل “ميرسك” و“هاباغ لويد” إلى هذا التوجه، حيث بدأت في إنشاء مسارات نقل بري تربط موانئ السعودية وعمان بدول الخليج المختلفة، بما في ذلك الكويت والبحرين وقطر والإمارات.

أدى هذا الطلب المتزايد إلى ارتفاع حاد في أسعار النقل البري، حيث قفزت التكاليف بنسبة تصل إلى 120% في الإمارات و70% في السعودية،  وهذا يعود إلى مجموعة من العوامل؛ أبرزها ارتفاع أسعار الوقود، ونقص الشاحنات المتاحة، وزيادة طول المسافات، إلى جانب التحول من العقود طويلة الأجل إلى التسعير الفوري اليومي، ما زاد من تقلبات الأسعار. وقد تركزت الضغوط بشكل خاص على المسارات الأكثر ازدحاماً، مثل النقل من شرق إلى غرب السعودية، وكذلك الشحنات العابرة للحدود بين الإمارات والسعودية.

تنشيط الممرات البرية الإقليمية

من جهته، صرّح الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أنّ ارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين بنسبة تراوحت بين 20% و40% دفع الشركات إلى إعادة توجيه سلاسل الإمداد نحو النقل البري، خاصة للسلع ذات القيمة العالية أو الحساسة زمنيًا، وقد أدى ذلك إلى زيادة الطلب على خدمات النقل البري بنسبة تتراوح بين 10% و25% داخل السوق الخليجي، وهو ما انعكس إيجاباً على إيرادات الشركات، ورفع معدلات تشغيل الأساطيل إلى مستويات أعلى من المعتاد.

وأضاف الخبير: “ساهمت هذه التطورات في تنشيط الممرات البرية الإقليمية، حيث أصبحت الطرق السريعة والمعابر الحدودية شريانًا رئيسًا للتجارة في المنطقة. واستجابت الحكومات الخليجية بسرعة لهذه المتغيرات من خلال تسريع تطوير البنية التحتية للنقل، وتحسين جودة الطرق، وتوسيع المنافذ الحدودية، إلى جانب تبسيط الإجراءات الجمركية بهدف تقليل زمن العبور وزيادة كفاءة حركة الشحن”.

وفي الوقت ذاته، أعادت الأزمة تسليط الضوء على أهمية مشاريع استراتيجية طويلة الأجل، مثل مشروع السكك الحديدية الخليجية، الذي من المتوقع أن يوفر بديلاً أكثر كفاءة وأقل تكلفة لنقل البضائع في المستقبل، كما دفعت الظروف الحالية الشركات إلى تبني حلول تكنولوجية متقدمة، مثل أنظمة تتبع الشحنات وتحسين إدارة الأساطيل، ما ساهم في رفع مستوى الأداء وتقليل التكاليف التشغيلية.

ولفت سلامة إلى أنه رغم تراجع شحن بعض السلع غير الأساسية، مثل منتجات التجزئة والتجارة الإلكترونية، نتيجة التحديات اللوجستية، استمر نقل المواد الخام والسلع الحيوية بوتيرة قوية لتفادي أي نقص في الإمدادات أو اضطرابات في الأسواق، ما يعكس قدرة القطاع على التكيف مع الأزمات، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية.

هذا يعني أنّ أزمة مضيق هرمز، وفقًا للخبراء، ساعدت قطاع النقل البري في إعادة  تموضعه داخل منظومة الاقتصاد الخليجي، حيث تحول من دور تكميلي إلى أداة استراتيجية لإدارة المخاطر وضمان استمرارية التجارة، ومع استمرار الاستثمارات في البنية التحتية وتطوير الممرات البرية يُتوقع أن يرسخ هذا القطاع مكانته كركيزة أساسية في سلاسل الإمداد الإقليمية، وليس مجرد حل مؤقت يستخدم في أوقات الأزمات.

قد يهمّك أيضًا: حصار هرمز يشعل أسواق النفط.. صدمة عالمية تهدد بركود تضخمي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة