في مشهد يعكس تحولًا غير متوقع في توازنات جنوب آسيا، ظهرت باكستان فجأة في قلب المشهد السياسي الأمريكي، وهي تحظى بانفتاح استثنائي من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على نحو أغضب الهند وأعاد رسم ملامح الجغرافيا السياسية في المنطقة.
بعد سنوات من التوتر الحاد والاتهامات العلنية، بدت واشنطن هذا الصيف أكثر دفئا تجاه إسلام آباد، بينما تواجه نيودلهي لهجة نقدية غير معهودة من البيت الأبيض، رغم العلاقات الشخصية التي جمعت ترامب سابقًا برئيس الوزراء ناريندرا مودي، وفق صحيفة فاينينشيال تايمز.
زيارة عاصم منير.. بداية مشهد جديد
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، ففي واحدة من أكثر اللحظات رمزية في العلاقات العسكرية بين البلدين، وقف الجنرال عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، مبتسمًا أمام عدسات الكاميرات إلى جانب جنرال أمريكي بارز، خلال ثاني زيارة له هذا الصيف إلى قلب المؤسسة العسكرية الأمريكية.
وكانت المناسبة حضور حفل تقاعد الجنرال مايكل كوريلا، قائد القيادة المركزية الأميركية، الذي سبق أن أشاد بالشراكة “الاستثنائية” مع باكستان في مكافحة الإرهاب، ولم تقتصر الزيارة على مراسم البروتوكول، بل قدّم منير لوحة تذكارية للجنرال دان كاين، أكبر ضابط عسكري أمريكي، مصحوبة بدعوة رسمية لزيارة باكستان.
غداء خاص مع ترامب بعد مواجهة مع الهند
ما لفت الأنظار حقًا، كان اللقاء الخاص الذي جمع منير بترامب في يونيو الماضي على مائدة غداء استمر ساعتين في واشنطن، بعد أسابيع قليلة من أعنف مواجهة عسكرية بين باكستان والهند منذ عقود.
هذه الخطوة كانت مفاجئة لعدة أسباب؛ أولها أنَّ منير ليس رئيس حكومة منتخب، بل قائد عسكري، وثانيها أنَّ ترامب نفسه سبق أن هاجم باكستان بشدة متهمًا إياها بتقديم “الأكاذيب والخداع” فقط لواشنطن، ومع ذلك بدت لغة الجلسة ودية، كما أنّها أعطت انطباعًا بأنَّ صفحة جديدة قد تُفتح بين الجانبين.
لكن التقارب مع واشنطن لم يمنع منير من لعب أدوار دبلوماسية موازية مع خصوم الولايات المتحدة، فقد عرض باكستان كقناة خلفية للتواصل مع كل من إيران والصين، في تذكير بدورها التاريخي في سبعينيات القرن الماضي حين سهّلت انفتاح الرئيس ريتشارد نيكسون على بكين، كما أنّ منير زار كلًا من طهران وبكين، ووعد بحماية العمال الصينيين في باكستان من الهجمات، وعزَّز اتصالاته مع قادة الخليج.
تحوّل مفاجئ في موقف واشنطن تجاه باكستان
التحول في اللهجة الأمريكية تجاه باكستان جاء على عكس جميع التوقعات، فبدلًا من مزيد من التوتر بعد إعادة انتخاب ترامب، بدأ منحنى العلاقات في الصعود، بينما تعرَّضت الهند لانتقادات حادة، خاصة على خلفية سياساتها التجارية، ومنح ترامب إسلام آباد تعريفة جمركية مخفضة لا تتجاوز 19%، في حين فرض على نيودلهي تعريفة عقابية بلغت 50%، وبالنسبة للهند كانت هذه رسالة مزدوجة؛ عقوبات اقتصادية من جهة، وإشادة دبلوماسية بالخصم اللدود من جهة أخرى.
ولم تقتصر الإشارات الإيجابية على تخفيض الرسوم الجمركية، بل امتدت إلى وعود باستثمارات استراتيجية، فقد تعهد ترامب بإبرام صفقة لتطوير ما وصفه بـ”احتياطيات النفط الضخمة” في باكستان، مع فتح الباب أمام فرص استثمارية في مجالات الطاقة والمعادن والقطاعات الرقمية، ويأتي ذلك في وقت يبحث فيه الاقتصاد الباكستاني عن جرعة دعم قوية، بعد سنوات من الاعتماد على برامج إنقاذ مالي متكررة من صندوق النقد الدولي ودول الخليج.
اقرأ المزيد حول رسوم ترامب على الصادرات الهندية
التقاربات الدبلوماسية
هذا التقارب لم يكن صدفة، بل نتيجة حملة دبلوماسية ممنهجة قادها كبار قادة الجيش الباكستاني، واعتمدت على ثلاثة محاور؛ أولها التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب، وثانيها فتح قنوات اتصال مع رجال أعمال مقربين من ترامب، وثالثها عقد اتفاقات في قطاعات حساسة مثل الطاقة والمعادن الإستراتيجية والعملات المشفرة، وكل ذلك تزامن مع رسائل إعلامية وسياسية تمجد “القيادة الحاسمة” لترامب، وتثني على دور واشنطن في دعم استقرار باكستان.
علاوة على ذلك، إحدى اللحظات الفارقة التي ساعدت على تحسين صورة باكستان في البيت الأبيض كانت في مارس الماضي، حين سلّم رئيس الاستخبارات الباكستانية عاصم مالك عنصرًا بارزًا في تنظيم داعش – ولاية خراسان، متهمًا بالتورط في هجوم كابول عام 2021 الذي أودى بحياة أكثر من 180 شخصًا، بينهم 13 جنديًا أمريكيًا، وهذا الإنجاز الأمني قوبل بإشادة علنية من ترامب خلال خطابه عن حالة الاتحاد، وهو الخطاب نفسه الذي انتقد فيه الهند بسبب سياساتها الجمركية.
كما كانت “الدبلوماسية المشفرة” واحدة من أكثر أدوات التقارب إثارة للانتباه؛ ففي أبريل وقّعت شركة “وورلد ليبرتي فاينانشال” -وهي مشروع عملة رقمية مدعوم من عائلة ترامب- خطاب نوايا مع مجلس العملات المشفرة الباكستاني، ومنذ ذلك الحين برز وزير العملات المشفرة وتقنية البلوك تشين في باكستان، بلال بن صاقب، كلاعب غير تقليدي في السياسة الخارجية، حيث شارك في محادثات تجارية في واشنطن، وروّج لإمكانات بلاده في قطاع الأصول الرقمية أمام شخصيات قريبة من ترامب.
استراتيجية باكستان في إدارة الصراع مع الهند
في المواجهة العسكرية التي اندلعت في مايو مع الهند، تبنّت باكستان -وفق روايتها- استراتيجية “القوة بضبط النفس”، والتي تتضمن إسقاط بضع مقاتلات هندية، مع تجنب تصعيد شامل، وساهمت وساطات أمريكية وخليجية في وقف إطلاق النار، وهو ما أتاح لترامب الظهور بمظهر الوسيط الناجح، حتى أن إسلام آباد ذهبت إلى حد ترشيحه لجائزة نوبل للسلام.
بالنسبة للهند، فإنَّ هذا الدفء بين واشنطن وإسلام آباد يمثل تطورًا مزعجًا، خاصة مع فشلها في إقناع ترامب بخفض الرسوم الجمركية على صادراتها، غير أن محللين يحذرون من أن هذه المكاسب الباكستانية قد تكون مؤقتة، فترامب -المعروف بتقلب مواقفه- قد ينقلب على إسلام آباد إذا لم يرَ نتائج ملموسة، لا سيّما أن كثيرًا من الموارد التي تراهن عليها باكستان -مثل احتياطيات النفط والمعادن- لا تزال غير مثبتة أو تقع في مناطق مضطربة تشهد أعمال عنف دامية.
صفقة سياسية بحتة بين باكستان وإدارة ترامب
حسين حقاني، السفير الباكستاني السابق في واشنطن، يرى أن الأمر برمته “ورقة ضغط” يستخدمها ترامب على الهند، بهدف دفعها للتفاوض وفق شروطه، ويضيف أن “هذه تحسينات تبادلية بحتة، حيث يحصل كل طرف على ما يريده مؤقتا”.
من جانبه، يرى حسين نديم، المستشار السياسي الباكستاني السابق، أن القادة غير المنتخبين في باكستان، مستعدون لتقديم وعود مبالغ فيها لاستمالة ما يعتبرونه “نرجسية” ترامب، لكن هذا النهج محفوف بالمخاطر إذا لم تترجم الوعود إلى إنجازات حقيقية.
اختبار نوايا متبادل
يبدو أنَّ التقارب بين ترامب وإسلام آباد يدخل مرحلة “اختبار النوايا”، حيث يحاول كل طرف استغلال الآخر لتحقيق أهدافه في مواجهة خصومه، وبالنسبة لباكستان يشكل هذا الانفتاح فرصة لتعزيز اقتصادها ومكانتها الدولية، أما بالنسبة لترامب، فهي أداة ضغط على الهند وبطاقة مساومة على طاولة المفاوضات الإقليمية.
لكن كما هو الحال في السياسة الدولية، يبقى السؤال: هل ستتحول هذه اللحظة الدافئة إلى شراكة استراتيجية مستدامة، أم أنها مجرد فصل قصير في لعبة التوازنات الكبرى؟
قد يهمّك أيضًا: ترامب ومودي.. خلافات تجارية وتعاون استراتيجي بين أمريكا والهند