في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية السريعة، يسعى الاقتصاد الصيني إلى تغيير قواعد اللعبة وتحقيق طموحات كبرى تضعه في الصدارة، وتأتي محاولات الصين لإنهاء السيطرة الأميركية على الاقتصاد العالمي كجزء من استراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز دورها في التجارة الدولية وتقليص هيمنة الدولار، إلا أن الطريق نحو هذا الهدف محفوف بالتحديات؛ فالاقتصاد الصيني يواجه اليوم مجموعة من الصعوبات الداخلية والخارجية التي تعيق تقدمه، وهذه الصعوبات تشمل تباطؤ النمو، وتراجع الصادرات، وأزمة القطاع العقاري، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.
تباطؤ الاقتصاد الصيني
ويشكل تباطؤ الاقتصاد الصيني تحديًا كبيرًا للاقتصاد العالمي نظرًا لتشابك العلاقات التجارية والمالية بين الصين وباقي دول العالم، مايؤثر بشكل مباشر على الطلب العالمي على السلع، والاستثمار الأجنبي المباشر، والأسواق المالية، وسلاسل الإمداد العالمية، مما يستوجب على الحكومات والشركات حول العالم هذه التطورات بشكل دقيق وأن تتخذ التدابير اللازمة للتخفيف من تأثيراتها السلبية والحفاظ على استقرار اقتصاداتها.
ويقول الدكتور محمد الشوربجي الخبير المصرفي، يتصارع التنين على تغيير معالم العالم الاقتصادية، ويعمل على إنهاء السيطرة الأميركية وتوغل الدولار في التجارة العالمية، مستهدفًا إزاحة الولايات المتحدة الأمريكية عن عرش اقتصاد العالم والحلول مكانه، غير أن هذه الأهداف والأمنيات بات يدور حولها شك كبير منذ فترة، حيث إن الاقتصاد الصيني ليس في أفضل أحواله اليوم، بل بات يعاني مصاعب جمة وتعثرا خطيرا، لعل من أبرز مؤشراته تراجع الصادرات وتآكل ثقة المستثمرين وتباطؤ النمو واشتداد حدة أزمة القطاع العقاري وتراجع الاستهلاك وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب إلى ما فوق 20 في المائة، وغيرها.
إقرا أيضا: الصين وأزمة الطاقة الإنتاجية.. هل يتجه الوضع نحو الأسوأ؟
فعلى صعيد النمو مثلا، سجل الاقتصاد الصيني خلال العام الماضي نموًا بمعدل 5.2% في عام 2023، وأحد الأسباب هو تراجع الصادرات، حيث يعتمد الاقتصاد الصيني بشكل كبير على الصادرات، ما يجعله عرضة للتأثر بأي تقلبات في الاقتصاد العالمي.
وأضاف الخبيرفي تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia ، فضلاً عن وجود سبب آخر ألا وهو أزمة القطاع العقاري، حيث إن الأصول العقارية هي إحدى دعامات الاقتصاد الصيني كونها رهان الكثير من الصينيين الساعين إلى زيادة ثرواتهم. فمع زيادة الطلب على العقارات، أدى ذلك إلى ارتفاع صارخ في أسعارها، مما شجع المطورين على الاقتراض من البنوك للتوسع في أعمالهم من خلال الحصول على قروض مصرفية ضخمة، مما جعل السلطات تتدخل عبر تقليص القروض، وهذا تسبب في ضعف القطاع العقاري، ونتج عن هذا التدخل أزمة ثقة بين المطورين وعملائهم، لتتراجع أسعار العقارات.
أثار كورونا
وتابع الشوربجي، وما زالت الآثار السلبية لأزمة كورونا يعاني منها الاقتصاد الصيني، حيث تراجع الاستهلاك، الذي بدأ خلال تفشي جائحة كورونا بسبب عمليات إغلاق الأسواق والحجر الصحي للمستهلكين، مستمرا مع تردد ملحوظ في الإنفاق على أمل حدوث انخفاضات إضافية في الأسعار في ظل غياب الطلب. وهذا تسبب بدوره في تدهور أنشطة بعض المنتجين، وبالتالي قيامهم بخفض الإنتاج وتجميد التوظيف وتسريح العاملين أو تخفيض أجورهم، مما يساعد على زيادة معدلات البطالة.
بالإضافة إلى وجود التوترات السياسية بين بكين وواشنطن على خلفية قضايا مثل التجارة وحقوق الملكية الفكرية وتايوان والتحالف الصيني-الروسي في أزمة أوكرانيا، قد أضرت كثيرًا بالصين. وتتجلى هذه الأضرار في صورة تشديد السلطات الأمريكية القيود على صادرات أشباه الموصلات المتجهة للبر الصيني، مع حث الحلفاء على اتباع ذات القيود نفسها على الصين تحت مسمى الحرص على الأمن القومي، مما كان له الأثر السلبي على الاقتصاد الصيني وانخفاض حجم الصادرات.
أزمة ثقة
واجتمعت هذه العوامل التي عملت على نشأة أزمة عدم ثقة بين المستثمرين وبين بيئة الأعمال الصينية مثل حملات الملاحقة التي تشهدها الصين منذ 2020 ضد الكيانات الاقتصادية الخاصة العملاقة، ما جعل العديد من الشركات العاملة في الصين تشعر بعدم الاطمئنان والقلق وتعيد التفكير في ضخ استثمارات جديدة.
ولفت الشوربجي إلى أن الحكومة الصينية تعمل جاهدة على قيام المارد الصيني من عثرته، وتم ضخ ما يعادل 50 مليار دولار أمريكي تقريباً من الأموال منخفضة التكلفة في البنوك المخصصة لدعم السياسات الاقتصادية، مما يشير إلى أن البنك المركزي الصيني يكثف من عملياته لتمويل مشروعات الإسكان والبنية التحتية لتعزيز النمو الاقتصادي. حيث أوضح البنك المركزي في بيان له أن المبلغ المخصص لبرنامج الإقراض الإضافي المضمون للبنوك الداعمة للسياسات الحكومية من بنك الشعب الصيني، زاد إلى 3.25 تريليون يوان (456 مليار دولار). وشكّل صافي عملية الضخ البالغة 350 مليار يوان، أكبر زيادة عبر هذه الأداة منذ نوفمبر 2022.
ومن ناحية أخرى، أشار الخبير إلى أن الرئيس الصيني انتهز فرصة زيارته الأولى للولايات المتحدة منذ 2017 للمشاركة في قمة منتدى التعاون لآسيا والمحيط الهادي “إيبك” التي استضافتها سان فرانسيسكو، واجتمع مع رؤساء كبرى الشركات الأمريكية لحثهم على الاستثمار في الصين، موضحًا أن الصين عازمة على إجراء سلسلة من الإصلاحات الهادفة إلى تكافؤ الفرص وتعزيز القطاع الخاص وزيادة قدرته على الوصول إلى رأس المال.
زيادة دور القطاع الخاص
وتم ملاحظة وجود حراك في اتجاه تنفيذ ما تعهد به الزعيم الصيني، حيث كشف البنك المركزي الصيني وسبع هيئات حكومية أخرى عن 25 خطوة لزيادة دور القطاع الخاص في مجموعة واسعة من الصناعات، بما في ذلك صناعة العقارات المتعثرة التي ستحظى بمزيد من السيولة. ومن هذه الخطوات: تحسين الهياكل التنظيمية لزيادة الكفاءة، دعم الابتكار التكنولوجي في الشركات الصغيرة والمتوسطة، إبداء قدر أكبر من التسامح إزاء القروض المتعثرة، توسيع نطاق خيارات تمويل السندات وحجمها ليشمل المؤسسات الخاصة، والتزام الكيانات المملوكة للدولة بالمعايير العالمية.
واختتم الخبير، قائلًا : نأمل أن يستعيد المارد الصيني توازنه مرة أخرى ويعيد النهوض باقتصاده للعمل على مجابهة السيطرة الأمريكية ومحاربة توغل دولاراتها في التجارة العالمية، وإعادة التوازن للاقتصاد العالمي.
أسباب تباطؤ الاقتصاد الصيني 2024
وتقول حنان رمسيس خبيرة أسواق المال، في عام 2024، شهد الاقتصاد الصيني تباطؤًا ملحوظًا في معدلات النمو، وتتعدد الأسباب التي ساهمت في هذا التباطؤ، وتتنوع بين الداخلية والخارجية، الاقتصادية منها والسياسية.
التحديات الداخلية:
ترى رمسيس أن هناك العديد من التحديات الاقتصادية الداخلية كان لها تأثير كبير على تباطؤ النمو. من بينها:
سياسات التقشف في العقارات: فرضت الحكومة الصينية سياسات تقشفية صارمة على قطاع العقارات، الذي كان يعتبر واحدًا من أكبر محركات النمو الاقتصادي. هذه السياسات هدفت إلى تقليل المضاربات العقارية وخفض مستويات الديون، لكنها أدت إلى تباطؤ في هذا القطاع الحيوي.
ارتفاع الديون: تواجه الصين مستويات مرتفعة من الديون في الشركات والحكومة والأفراد، وهو ما يعوق الاستثمار والنمو الاقتصادي.
البطالة المتزايدة: شهدت الصين زيادة في معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، مما أثر على الاستهلاك المحلي وأضعف من قدرة الاقتصاد على النمو.
العوامل الخارجية:
ووفقا لرمسيس هناك العديد من العوامل الخارجية أيضًا لعبت دورًا مهمًا في تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني:
التوترات التجارية مع الولايات المتحدة: استمرت التوترات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، مما أثر سلبًا على الصادرات الصينية وعلى العلاقات التجارية بشكل عام.
اقرأ أيضا: سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا
التباطؤ العالمي: التباطؤ في الاقتصاد العالمي أثر أيضًا على الصين، التي تعتبر أحد أكبر المصدرين في العالم. تراجع الطلب العالمي على السلع الصينية أدى إلى تقليص الإنتاج والصادرات.
جائحة كورونا: استمرار تبعات جائحة كورونا أدى إلى تعقيد الأمور، خاصة مع فرض الصين لسياسات صارمة للحد من انتشار الفيروس، وهو ما أثر على الإنتاج والنقل والأنشطة الاقتصادية بشكل عام.
التحولات الديموغرافية:
التحولات الديموغرافية في الصين، مثل شيخوخة السكان وتراجع معدلات الولادة، تضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد. تقلص القوى العاملة وزيادة نسبة المتقاعدين يزيد من الأعباء المالية على الحكومة ويقلل من النمو المحتمل على المدى الطويل.
الإصلاحات الاقتصادية:
تشهد الصين مرحلة من التحول والإصلاحات الاقتصادية التي تهدف إلى تحقيق نمو مستدام وشامل. هذه الإصلاحات تشمل تحويل النمو من النمو الذي يعتمد على الاستثمار والصادرات إلى النمو الذي يعتمد على الاستهلاك المحلي والخدمات. على الرغم من أن هذه الإصلاحات تعتبر ضرورية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، إلا أنها تساهم في تباطؤ النمو على المدى القصير.
السياسات البيئية:
تبنت الصين سياسات بيئية صارمة للحد من التلوث وتحقيق الاستدامة البيئية. هذه السياسات تشمل تقليص استخدام الفحم وتقييد الصناعات الملوثة، مما يؤثر على الإنتاجية والنمو الاقتصادي.
وأرجعت الخبيرة في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني في عام 2024 إلى مزيج من التحديات الداخلية والعوامل الخارجية، التي تتطلب تبني سياسات اقتصادية شاملة وإصلاحات هيكلية لتحقيق النمو المستدام وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الصيني على الساحة العالمية.
تأثير تباطؤ الاقتصاد الصيني على الاقتصاد العالمي
من جهتها ترى الدكتورة منال العشري أستاذ الاقتصاد وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أن تباطؤ الاقتصاد الصيني يثير قلق العديد من الدول والأسواق العالمية نظرًا للدور الهام الذي تلعبه الصين في الاقتصاد العالمي، إذ تؤثر التغيرات في الاقتصاد الصيني على مختلف الاقتصادات العالمية من خلال عدة قنوات رئيسية تشمل التجارة، الاستثمار، الأسواق المالية، وسلاسل الإمداد.
تراجع الطلب على السلع
كون الصين واحدة من أكبر مستهلكي السلع الأساسية في العالم، فإن تباطؤ نمو اقتصادها يؤدي إلى انخفاض الطلب على مجموعة واسعة من السلع، مثل النفط، المعادن، والمنتجات الزراعية. هذا التراجع في الطلب يؤدي إلى انخفاض أسعار هذه السلع على المستوى العالمي، مما يؤثر سلبًا على الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على تصدير المواد الخام، مثل الدول النفطية والبلدان النامية.
الشركاء التجاريين
تعد الصين أحد أكبر الشركاء التجاريين للعديد من الدول حول العالم. تباطؤ الاقتصاد الصيني يؤدي إلى تقليص وارداتها من السلع والخدمات من هذه الدول، مما ينعكس سلبًا على اقتصاداتها. على سبيل المثال، الدول المصنعة في آسيا وأوروبا، التي تصدر كميات كبيرة من المنتجات إلى الصين، قد تشهد انخفاضًا في حجم صادراتها وبالتالي تراجعًا في نموها الاقتصادي.
الاستثمار الأجنبي المباشر
تمثل الصين وجهة رئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر (FDI). تباطؤ الاقتصاد الصيني قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية الجديدة، مما يؤثر على الشركات العالمية التي تسعى إلى الاستفادة من السوق الصينية الكبيرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الشركات متعددة الجنسيات التي تعتمد على عملياتها في الصين قد تواجه تحديات مالية إذا انخفض الطلب المحلي على منتجاتها.
الأسواق المالية
الاضطرابات الاقتصادية في الصين قد تؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق المالية العالمية. على سبيل المثال، أي تراجع كبير في النمو الاقتصادي الصيني يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في أسعار الأسهم والسندات في البورصات العالمية، نظراً لأن المستثمرين يقلقون من تداعيات هذا التباطؤ على الشركات والدول المرتبطة بالاقتصاد الصيني. كما أن انخفاض قيمة العملة الصينية (اليوان) قد يؤثر على أسواق العملات العالمية.
سلاسل الإمداد العالمية
تلعب الصين دورًا محوريًا في سلاسل الإمداد العالمية، كونها مركزًا رئيسيًا للتصنيع والإنتاج. تباطؤ الاقتصاد الصيني يمكن أن يؤدي إلى تعطيلات في سلاسل الإمداد، مما يؤثر على الشركات العالمية التي تعتمد على المنتجات والمواد الخام المصنعة في الصين. هذه التعطيلات قد تزيد من تكاليف الإنتاج وتؤدي إلى تأخيرات في التسليم، مما ينعكس على الشركات والمستهلكين في مختلف أنحاء العالم
النمو الاقتصادي العالمي
باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فإن أي تباطؤ في نمو الاقتصاد الصيني يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على النمو الاقتصادي العالمي. صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي قد يضطران إلى تعديل توقعاتهما للنمو العالمي إذا استمر تباطؤ الاقتصاد الصيني، مما قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الأسواق المالية والسياسات الاقتصادية في مختلف البلدان.
السياسات النقدية والمالية
تأثير التباطؤ الصيني قد يدفع البنوك المركزية حول العالم إلى إعادة النظر في سياساتها النقدية. على سبيل المثال، قد تتجه البنوك المركزية إلى تخفيف السياسات النقدية (خفض أسعار الفائدة أو تطبيق برامج تحفيزية) لمواجهة التأثيرات السلبية الناجمة عن تباطؤ الاقتصاد الصيني ولتحفيز النمو المحلي.