أثار الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب في إيران حالة من الجدل، ليس فقط على مستوى الساحة الدولية، بل حتى داخل الأوساط السياسية الأمريكية، حيث وُجهت له انتقادات من داخل الحزب الجمهوري نفسه، إذ اعتبر النائب الجمهوري دونا بيكن أن طريقة حديث ترامب لا تعكس صورة رئيس الولايات المتحدة، واصفًا بعض تصريحاته بأنها تميل إلى الابتذال ولا تليق بموقع الرئاسة.
غير أن القضية لا تتوقف عند حدود الأسلوب، بل تمتد إلى مضمون الخطاب ذاته، الذي يتسم بدرجة واضحة من التناقض والغموض، فترامب يلوّح أحيانا بإمكانية تدمير إيران خلال ساعات، دون أن يقدم موقفًا حاسمًا أو إعلانًا واضحًا بشأن جاهزية القرار العسكري، رغم ما يتم تداوله في وسائل الإعلام حول استعداد خطط أمريكية لتوسيع الضربات.
أهداف ترامب المعلنة
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن بلاده تواصل استهداف القدرات الإيرانية، مشيرًا إلى أن الضربات الحالية تهدف إلى تقويض البنية الأساسية للنظام، مضيفًا أن إيران ستندم على ما تواجهه، وأنها قد تفقد منشآتها الحيوية بما في ذلك الجسور ومحطات الطاقة، دون أن يخوض في تفاصيل إضافية حول العمليات الجارية.
وأوضح أنه لو كان القرار بيده بشكل كامل، لكان اتجه إلى السيطرة على النفط الإيراني، معتبرًا أن ذلك كان سيمنع طهران من الاستفادة من مواردها، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الشعب الأمريكي يفضل عودة الجيش إلى بلاده، وهو ما يضع الإدارة أمام معادلة معقدة بين تحقيق الأهداف العسكرية والاستجابة للرأي العام.
الدعم الشعبي داخل الولايات المتحدة
أكد الرئيس الأمريكي أن الدعم الشعبي داخل الولايات المتحدة لا يزال قويًا، خاصة من قاعدة “ماغا”، مشيرًا إلى نتائج استطلاعات تظهر دعمًا كبيرًا لما تقوم به الإدارة، وأن هذا التيار يمثل نسبة واسعة من الحزب الجمهوري، وهو ما يمنحه، بحسب تعبيره، غطاءً سياسيًا لمواصلة نهجه.
وفي رده على انتقادات إعلامية، هاجم ترامب بعض وسائل الإعلام التي وصفها باليسارية، معتبرًا أن الشعب الإيراني يتطلع إلى سماع أصوات الضربات العسكرية لأنها، وفق رؤيته، تمهد لطريق الحرية، مشيرًا إلى أن الإيرانيين يتعرضون للقمع، وأن المتظاهرين يطلق النار عليهم بشكل مباشر.
اقرأ أيضًا: فاتورة بالمليارات.. كيف تستنزف حرب إيران الأصول العسكرية؟
انتفاضة ضد النظام الإيراني
أوضح ترامب أن رؤيته كانت تقوم على الاحتفاظ بالنفط مع تحسين أوضاع الشعب الإيراني، مشيرًا إلى أن النظام الإيراني مسؤول، بحسب قوله، عن مقتل نحو 45 ألف متظاهر خلال الاحتجاجات، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا تتبنى مثل هذه الممارسات.
وأشار إلى تجربة الولايات المتحدة في فنزويلا، معتبرًا أنها حققت نجاحًا مهمًا، موضحًا أن بلاده تمتلك احتياطات كبيرة من النفط وتعمل على بناء علاقات مع مسؤولين هناك، في إطار رؤية طويلة الأمد لتعزيز النفوذ في أسواق الطاقة.
كما كشف عن إرسال أسلحة إلى داخل إيران، كان من المفترض أن تصل إلى الشعب الإيراني، إلا أنها لم تسلّم كما ينبغي، معربًا عن استيائه من الجهات التي لم تقم بإيصالها، مؤكدًا أن حصول الإيرانيين على السلاح قد يؤدي، بحسب تقديره، إلى انتفاضة داخلية سريعة تسقط النظام.
وفي رسالة موجهة إلى الرأي العام، قال ترامب إن العمليات العسكرية الحالية تهدف إلى تأمين مستقبل أفضل للأطفال، مؤكدًا أن الحرب تخاض من أجل حماية الأجيال القادمة، وأن إنهاءها بسرعة يظل هدفًا رئيسًا.
صعوبة عمليات الإنقاذ
تساءل ترامب عن سبب استمرار الحرب رغم تراجع القدرات العسكرية الإيرانية، مشيرًا إلى أن طهران لا تزال تمتلك بعض الصواريخ والطائرات المسيرة، لكنه اعتبر أن هذه القدرات لم تعد تمثل تهديدًا كبيرًا، كما وصف إسقاط طائرة أمريكية بأنه كان “ضربة حظ”.
وأشار إلى صعوبة عمليات الإنقاذ في مثل هذه الظروف، موضحًا أن إنقاذ الطيارين قد يكلف مئات الأرواح، لكنه أكد أن الجيش الأمريكي تمكن من تنفيذ عمليات ناجحة، مشددًا على أن الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم بعد إعادة بنائه خلال السنوات الماضية.
المفاوضات لا تزال جارية
خلال المؤتمر الصحفي، أشار ترامب إلى أنَّ الولايات المتحدة لديها عدة خيارات، من بينها الانسحاب في الوقت الحالي، لكنه شدد على أنه يفضل إكمال المهمة، مؤكدًا أن الهدف الأساسي يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، واصفًا النظام الإيراني بأنه لا يمكن الوثوق به في هذا الملف.
وجدد ترامب تأكيده على وجود مهلة زمنية محددة، مشيرًا إلى أن انتهاء هذه المهلة قد يفتح الباب أمام استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران، بما في ذلك الجسور والمنشآت الحيوية، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أن الحرب قد تنتهي سريعًا إذا استجابت طهران للمطالب المطروحة.
كما كشف أن هناك مفاوضات جارية مع الجانب الإيراني، موضحًا أن بعض المسؤولين الإيرانيين الذين يتواصلون مع واشنطن يتسمون بالواقعية، وليسوا من التيار المتشدد، وهو ما يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية التوصل إلى تفاهم.
اقرأ أيضًا: تحالف دولي لمواجهة أزمة الطاقة العالمية
رغبة بالتحول للمسار الدبلوماسي
في قراءة لهذه التصريحات، أشار محمد شعت الباحث في الشأن الإيراني، إلى أن ترامب وصف المقترح الإيراني بأنه مهم لكنه غير كافٍ، ما يعكس تحفظات أمريكية على بعض بنوده، في وقت لا يزال فيه القرار النهائي لم يحسم بعد داخل الإدارة الأمريكية.
وأوضح أن الرئيس الأمريكي لا يخطط إلى إغلاق باب التفاوض بشكل كامل، بل يحاول إبقاء المسار الدبلوماسي قائمًا حتى اللحظات الأخيرة، رغم وجود خيارات عسكرية مطروحة، تشمل استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية.
وأشار إلى أن هناك تعقيدات قانونية تحيط بمثل هذه الضربات، ما يدفع الإدارة إلى البحث عن مبررات قانونية مناسبة قبل اتخاذ أي قرار، رغم تحديد الأهداف المحتملة.
كما لفت إلى أن تصريحات ترامب بشأن رغبته في “إنهاء المهمة” تعكس توجهًا واضحًا لتحقيق الأهداف العسكرية، ولكن عبر مسار دبلوماسي إذا أمكن، وهو ما يتقاطع مع مواقف شخصيات سياسية أمريكية أخرى، مثل السيناتور ليندسي غراهام.
وفي ختام التحليل، أشار إلى أن فرص تحقيق اختراق دبلوماسي خلال المهلة الزمنية المحددة تبدو محدودة، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه، كما أن الرئيس الأمريكي يواجه ضغوطًا داخلية تمنعه من منح إيران مهلة إضافية، في وقت باتت فيه مصداقية التهديد العسكري على المحك.
قراءة في سلوك الرئيس الأمريكي
في هذا السياق، أكد الدكتور محمد خيري، خبير العلاقات الدولية، أن سلوك الرئيس الأمريكي لا يمكن اعتباره مفاجئًا، بل يأتي امتدادًا لشخصيته المعروفة، التي تميل إلى الخطاب الشخصي المباشر، مع قدرته على توظيف الإعلام بشكل فعال، مستفيدًا من خلفيته في مجال تلفزيون الواقع، وهو ما يجعله يميل إلى استخدام الغموض والتصريحات غير الحاسمة كأداة لإدارة المشهد.
وأوضح خيري أن هذا الخطاب لا يستهدف بالدرجة الأولى المجتمع الدولي أو النخب السياسية، بل يُوجه إلى الداخل الأمريكي، وتحديدًا إلى المواطن العادي، مشيرًا إلى أن الحرب على إيران لم تتحول حتى الآن إلى قضية جدلية كبرى داخل الولايات المتحدة، في ظل محدودية الخسائر البشرية المباشرة، وهو ما يقلل من حجم الضغوط الشعبية على الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة.
وأضاف أن الرئيس الأمريكي يحاول من خلال تصريحاته كسب الوقت واحتواء الضغوط، عبر الإيحاء المتكرر بإمكانية انتهاء الحرب قريبًا، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، محاولة لتهدئة الرأي العام وإبقاء الخيارات مفتوحة دون التورط في التزامات واضحة.
وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أنه، رغم حالة التشاؤم السائدة بشأن فرص التوصل إلى اتفاق، نتيجة انعدام الثقة بين واشنطن وطهران، فإن هناك مسارًا تفاوضيًا لا يزال قائمًا، يقوم على فكرة التهدئة المؤقتة تمهيدًا للوصول إلى اتفاق أوسع، في نموذج يشبه إلى حد كبير آليات التفاوض في أزمات إقليمية أخرى.
ولفت خيري إلى أن الوساطة الباكستانية تلعب دورا محوريا في هذا السياق، حيث ينظر إلى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير كوسيط رئيس، مستفيدًا من علاقاته الشخصية مع الرئيس الأمريكي، وهو ما يمنحه قدرة على التحرك بين الأطراف، في ظل تشابك المصالح السياسية والاقتصادية.
هرمز.. جوهر الخلاف في المفاوضات
أكد خيري أن جوهر الخلاف في المفاوضات يتمحور حول مضيق هرمز، الذي يمثل بالنسبة لإيران ورقة الضغط الأكثر تأثيرًا، موضحًا أن طهران تدرك أن هذه الورقة تمنحها قدرة مباشرة على التأثير في المصالح الأمريكية، بخلاف أدوات أخرى مثل الصواريخ التي يقتصر تأثيرها على حلفاء واشنطن في المنطقة.
وأضاف أن تمسك إيران بهذه الورقة يفسر جانبًا كبيرًا من التعقيدات الحالية في المفاوضات، خاصة فيما يتعلق بترتيب خطوات التهدئة ووقف التصعيد، وهو ما يجعل التوصل إلى اتفاق سريع أمرًا صعبًا.
واختتم الدكتور محمد خيري تصريحاته بالتأكيد على أن استخدام ترامب لعبارات مثل “ربما” يعكس حالة تردد محسوبة، ترتبط برغبته في تجنب التصعيد الواسع، سواء عبر استهداف البنية التحتية بشكل قد يدفع إيران إلى ردود فعل تطال دول الخليج، أو من خلال الانخراط في عمليات برية تنطوي على مخاطر كبيرة، مشددًا على أن هذا الغموض ليس عشوائيًا، بل يعكس محاولة لإدارة الأزمة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
قد يهمّك أيضًا: دول الخليج تدرس خطوط أنابيب جديدة لتفادي مضيق هرمز