كيف يغذي سد النهضة ثورة السيارات الكهربائية في إثيوبيا؟

في أديس أبابا، لم يعد التحول إلى السيارات الكهربائية مجرد قرار بيئي أو ترف تكنولوجي، بل أصبح نتيجة مباشرة لتحول أعمق في بنية الطاقة الوطنية، فبدء التشغيل الكامل لسد النهضة الإثيوبي بقدرة 5,150 ميغاواط في 2025 غير معادلة الكهرباء، وأعاد تشكيل سوق النقل، والمالية العامة، وحتى طموحات التصنيع المحلي.

وفي اقتصاد لا يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي فيه نحو ألف دولار، تصبح وفرة الكهرباء الرخيصة عاملًا اقتصاديًا حاسمًا يعيد تعريف تكلفة التنقل وإمكانات النمو، بحسب بلومبرغ.

لماذا حظرت إثيوبيا استيراد سيارات الوقود الأحفوري؟

لم يكن قرار الحكومة عام 2024 بحظر استيراد السيارات العاملة بالوقود الأحفوري وخفض الرسوم الجمركية على المركبات الكهربائية إجراءً شكلياً، بل جاء كخيار مالي فرضته أزمة موازنة حادة أعقبت تعثر البلاد في سداد سنداتها السيادية عام 2023، قبل الحصول على برنامج دعم بقيمة 3.4 مليار دولار من صندوق النقد الدولي؛ فقد كان دعم الوقود يمثل عبئاً مباشراً على المالية العامة، بينما يسمح التحول نحو المركبات الكهربائية بخفض فاتورة واردات النفط تدريجياً.

وبذلك لم ينطلق التحول من اعتبارات بيئية بالدرجة الأولى، بل من منظور اقتصادي سيادي؛ إذ وصفه وزير الدولة للنقل بأنه تعزيز لـ”سيادة الطاقة”، أي تقليص الاعتماد الخارجي في ملف يُعد الأكثر حساسية بالنسبة للاقتصادات المستوردة للوقود.

سد النهضة: المحرك الاقتصادي الجديد

بصفته أضخم منشأة كهرومائية في القارة السمراء، لا يكتفي سد النهضة بتلبية الاحتياجات المحلية فحسب، بل حوّل إثيوبيا إلى “خزان طاقة” يصدر الفائض إلى جيرانها ككينيا وتنزانيا وجيبوتي.

وتتجلى القوة التنافسية لهذا التحول في الفارق الشاسع بين أسعار الكهرباء؛ فبينما يبلغ متوسط سعر الكيلوواط/ساعة في إثيوبيا نحو 0.10 دولار (مقارنة بـ 0.18 دولار في الولايات المتحدة)، تصبح تكلفة تشغيل المركبات الكهربائية ضئيلة جداً أمام أسعار البنزين المرتفعة. هذا الفارق السعري ليس مجرد رقم، بل هو ربح مباشر في جيوب سائقي الأجرة والعاملين في قطاع النقل، ومحرك أساسي لخفض تكلفة المعيشة في المراكز الحضرية.

قد يهمّك أيضًا: توسع الاستثمارات الخليجية في قطاع الطاقة بإفريقيا

كيف قفزت إثيوبيا بحصة المركبات الكهربائية؟

في غضون عامين فقط، حقَّق قطاع النقل في إثيوبيا تحولاً لافتاً؛ إذ ارتفعت حصة السيارات الكهربائية من أقل من 1% لتصل إلى نحو 6% من إجمالي المركبات، متجاوزة بذلك المتوسط العالمي البالغ 4%.

هذه القفزة النوعية في اقتصاد محدود الدخل لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتاج تضافر ثلاثة عوامل استراتيجية؛ هي الحظر الحكومي الصارم على محركات الاحتراق، والحوافز الجمركية السخية، ووفرة الطاقة الكهرومائية، وهذا يبرهن أنه حين تتناغم السياسات الصناعية مع وفرة موارد الطاقة، يمكن للتغيير الجذري أن يسبق الأسواق الكبرى بخطوات.

لكن رغم هذا الزخم، لا تزال إثيوبيا تقبع في ذيل القائمة العالمية من حيث معدلات امتلاك السيارات؛ إذ لا يتجاوز المعدل 13 مركبة لكل ألف نسمة، وهو رقم متواضع جداً مقارنة بالمتوسط الأفريقي البالغ 73 مركبة، ففي بلد يقطنه نحو 130 مليون نسمة لا يتخطى إجمالي عدد المركبات حاجز 1.7 مليون وحدة.

هذه الأرقام تكشف عن مفارقة اقتصادية مثيرة، فالسوق الحالية وإن بدت ضيقة بمقاييس الاستهلاك، إلا أنها تنطوي على فرص توسع هائلة؛ فكل زيادة طفيفة في القدرة الشرائية أو معدلات التملك ستترجم فوراً إلى نمو مضاعف في الطلب على الحلول الكهربائية.

عوامل نمو حصة المركبات الكهربائية في أديس أبابا

لم تكتفِ الحكومة الإثيوبية بالقرارات السيادية، بل صاغت منظومة جمركية ذكية لترجيح كفة الطاقة النظيفة؛ حيث خفّضت الرسوم إلى 15% على السيارات الكهربائية كاملة التصنيع، وهبطت بها إلى 5% للأجزاء نصف المجمعة، وصولاً إلى الإعفاء الضريبي الكامل (0%) للمركبات المفككة التي تُجمع محلياً.

وتستهدف هذه “الهندسة الجمركية” ضرب عصفورين بحجر واحد؛ الأول هو جعل سعر السيارة الكهربائية الجديدة منافساً للسيارات المستعملة التي تعمل بالبنزين، والثاني تحويل البلاد إلى مركز إقليمي للتجميع والتصنيع المحلي.

وفي سياق متصل، لعب التدفق الكثيف للطرازات الصينية منخفضة التكلفة دوراً محورياً في تغيير وجه السوق؛ فشركة “بي واي دي” -التي انتزعت صدارة المبيعات العالمية من “تسلا”- باتت اليوم لاعباً مهيمناً في الشوارع الإثيوبية، جنباً إلى جنب مع طرازات “فولكس فاجن” و”فين فاست”. وبالنسبة لدولة تعتمد كلياً على الاستيراد، تبرز الصين كمورد مثالي يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والأسعار التنافسية التي تناسب القوة الشرائية المحلية.

واكتملت هذه الحلقة بمرونة القطاع المصرفي، حيث باتت البنوك تمنح تسهيلات ائتمانية وتفضيلاً تمويلياً لشراء السيارات الكهربائية مقارنة بنظيراتها التقليدية، ما حوّل اقتناء السيارة الكهربائية من مجرد “خيار بيئي” إلى “قرار مالي منطقي” للأسر الإثيوبية؛ فالتكامل بين السياسة الجمركية المحفزة والتسهيلات المصرفية الميسرة خلق قوة دفع اقتصادية هائلة، رسمت مساراً للتحول لا يمكن التراجع عنه.

فجوة الوصول للكهرباء ومستقبل شبكات الشحن

بلغ عدد مصانع تجميع السيارات الكهربائية في إثيوبيا 17 مصنعًا، مع استهداف الحكومة الوصول إلى 60 مصنعًا بحلول 2030، الأمر الذي يعكس طموحًا صناعيًا يتجاوز الاستيراد البحت، فالتجميع المحلي – حتى لو كان دون تصنيع كامل – يضيف قيمة اقتصادية ويوفر وظائف، لا سيّما أنّ التصنيع في إثيوبيا لا يشكل أكثر من 7% من الناتج المحلي، وبذلك يصبح هذا القطاع قناة تنويع واعدة.

لكن رغم هذه الطفرة، لا تزال شبكة الشحن محدودة بنحو 500 شاحن فقط، بينما تحتاج أديس أبابا إلى ألف على الأقل، ومعظم الشواحن تتطلب 4 إلى 6 ساعات لإعادة الشحن الكامل، ما يفرض قيودًا عملية على الاستخدام اليومي، وهنا تدخل شركات مثل “إثيو تيليكوم” و”توتال إنرجيز” لتوسيع الشبكة، لكن التوسع يجب أن يتسارع ليتماشى مع نمو المبيعات.

بيانات البنك الدولي تشير إلى أن 55% فقط من سكان إثيوبيا يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الكهرباء، وهذا الرقم يعني أن التحول الكهربائي لا يزال حضريًا بالدرجة الأولى، لكن نجاح الانتشار خارج المدن، سيعتمد على استثمارات توسيع الشبكات، وليس على وفرة السد فقط.

500 ألف سيارة.. رؤية 2032

تضع الحكومة الإثيوبية اليوم نصب أعينها هدفاً طموحاً يتمثل في نشر 500 ألف سيارة كهربائية بحلول عام 2032؛ وهو رقم يعكس قفزة هائلة في تطلعات البلاد، خاصة إذا ما قورن بخطتها المناخية لعام 2021 التي لم تذُكر فيها هذه المركبات إلا في مواضع خجولة. هذا الطموح لم يعد مجرد أرقام، بل تعززه أبعاد رمزية وسياسية، حيث تستعد إثيوبيا لاستضافة مؤتمر المناخ “كوب 32” عام 2027، ساعيةً لتقديم نفسها كنموذج أفريقي رائد في التحول الطاقي منخفض التكلفة.

إن سد النهضة لم يضخ الكهرباء في الشبكة الوطنية فحسب، بل ضخ “معادلة تكلفة” ثورية أعادت تعريف مفهوم النقل في البلاد؛ فالتلاقي بين وفرة الطاقة الرخيصة، والسياسات الجمركية الصارمة، والضغوط المالية لرفع دعم الوقود، خلق بيئة تسارع اقتصادية يصعب تجاهلها.

ومع ذلك، يظل التحدي الحقيقي كامناً في الاستدامة لا في مجرد البداية؛ فنجاح هذه التجربة الفريدة سيُقاس في نهاية المطاف بمدى قدرة الدولة على توسيع البنية التحتية للشحن، وتعميق جذور التصنيع المحلي، وربط هذا التحول الكهربائي بمسيرة تنمية شاملة تتجاوز حدود العاصمة أديس أبابا لتبلغ الأقاليم كافة.

اقرأ أيضًا: تحليل أبعاد قرار الصين بإلغاء الرسوم عن واردات إفريقيا

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة