كيف يهدد غلق مضيق باب المندب التجارة العالمية؟

تتجه الأنظار في الوقت الراهن إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ليس فقط من زاوية التطورات الجيوسياسية، ولكن من زاوية التأثيرات الاقتصادية العميقة التي قد تترتب على أي تصعيد محتمل في هذا الممر الحيوي، فمع تزايد الحديث عن تهديدات للملاحة البحرية تبرز مخاوف حقيقية من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من الاضطرابات.

ويُعد مضيق باب المندب أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية، حيث يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ويمثل معبرًا أساسيًا لحركة السلع والطاقة بين آسيا وأوروبا، وتكمن أهميته في كونه طريقًا مختصرًا وفعالًا للتجارة الدولية، خاصة بالنسبة للدول الصناعية الكبرى التي تعتمد على تدفقات مستمرة من المواد الخام والمنتجات المصنعة.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من التجارة العالمية تمر عبر هذا الممر، كما أنه يمثل أحد المسارات الرئيسة لنقل النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق الأوروبية، وبالتالي فإن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر هذا المضيق لا يقتصر تأثيره على منطقة بعينها، بل يمتد ليشمل الاقتصاد العالمي بأكمله.

حساسية الأسواق تجاه احتمالات التعطيل

في هذا السياق، أكد الدكتور عمرو يوسف، أستاذ الاقتصاد، أن “مضيق باب المندب لا يمكن التعامل معه كممر عادي، فهو عنصر محوري في منظومة التجارة العالمية، وأي خلل في عمله ينعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل وأسعار السلع والطاقة”. وأضاف أن “الأسواق العالمية تتعامل بحساسية شديدة مع أي تهديد لهذا الممر، حتى وإن لم يتم تنفيذه فعليًا، لأن مجرد احتمالية التعطيل تؤدي إلى تغيرات فورية في الأسعار”.

وقد ظهرت بالفعل مؤشرات أولية على هذه الحساسية، حيث شهدت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا بمجرد تصاعد التوترات، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن البحري، وزيادة أسعار التأمين على السفن، ويعكس ذلك طبيعة الأسواق العالمية التي تتأثر بالتوقعات المستقبلية بقدر تأثرها بالأحداث الفعلية.

فاتورة الزمن والوقود في المسارات البديلة

وفي حال تطور الوضع إلى تعطيل فعلي للملاحة، فإن البديل الرئيس أمام السفن سيكون الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهو مسار أطول بكثير، حيث يزيد مدة الرحلة البحرية بما يتراوح بين 15 إلى 20 يومًا، وهذا التأخير يترتب عليه سلسلة من التكاليف الإضافية، تبدأ من زيادة استهلاك الوقود، ولا تنتهي عند ارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين.

وأوضح الدكتور عمرو يوسف أن “زيادة مدة الرحلة البحرية بهذا الشكل تعني استهلاكًا أكبر للوقود، خاصة في ظل ارتفاع أسعاره عالميًا، وهو ما يضاعف من تكاليف النقل”، مضيفًا أن “تكلفة تأجير السفن تُحسب يوميًا، وبالتالي فإن أي زيادة في مدة الرحلة تترجم مباشرة إلى زيادة في التكاليف، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع”.

ولا تقتصر التأثيرات على تكاليف النقل فقط، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد على دقة التوقيت في عمليات الشحن والتسليم، فالتأخير في وصول الشحنات قد يؤدي إلى تعطيل خطوط الإنتاج في العديد من الصناعات، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد كمصدر رئيس للمواد الخام.

اقرأ أيضًا: اقتصاديات الخطر.. كيف تعيد إيران تسعير العبور في هرمز؟

تعطل سسلاسل الإمداد العالمية

في هذا الإطار، حذر الدكتور عمرو يوسف من أن “تعطيل سلاسل الإمداد قد يؤدي إلى تكرار سيناريوهات الارتباك التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا، حيث أدت الاختناقات اللوجستية إلى نقص في السلع وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق”.

كما أنّ ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب زيادة أسعار الطاقة، يمثل عوامل ضغط إضافية على معدلات التضخم العالمية، فمع ارتفاع تكلفة نقل السلع، يتم تحميل هذه الزيادة على المستهلك النهائي، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل عام.

ومن المتوقع أن تكون أوروبا وآسيا الأكثر تأثرًا بهذا السيناريو، نظرًا لاعتمادهما الكبير على هذا المسار في حركة التجارة؛ فالدول الأوروبية تعتمد على واردات الطاقة من منطقة الخليج، في حين تعتمد الدول الآسيوية على تصدير منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية عبر هذا الممر.

وأشار يوسف إلى أن “أي تعطيل في هذا المسار سيؤدي إلى نقص في المعروض من السلع في الأسواق الأوروبية، مقابل تراجع في الصادرات الآسيوية، وهو ما يخلق حالة من عدم التوازن في الأسواق، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار”.

قفزات محتملة في أسعار النفط والغاز

لا يمكن إغفال تأثير هذا السيناريو على أسواق الطاقة، حيث يُعد باب المندب أحد المسارات الرئيسة لنقل النفط والغاز، وفي حال تعطيل هذا الممر قد يرتفع سعر النفط إلى مستويات تتراوح بين 130 و150 دولارًا للبرميل، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عمرو يوسف أن “أسواق الطاقة تتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب في الممرات البحرية، حيث يؤدي انخفاض المعروض إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما ينعكس بدوره على تكاليف الإنتاج والنقل”.

كما أن ارتفاع أسعار الوقود قد يصل إلى نسب تتراوح بين 200% و250% في بعض الحالات، وهو ما يزيد من الأعباء على الشركات والمستهلكين على حد سواء.

ومن اللافت أن هذه التأثيرات لا تحتاج إلى وقت طويل لتظهر، بل تنعكس بشكل شبه فوري على الأسواق، فبمجرد ارتفاع تكاليف الشحن أو الطاقة تبدأ الأسعار في الارتفاع، وهو ما يجعل المستهلك النهائي أول من يتحمل هذه الأعباء.

اقرأ أيضًا: نفط بـ 150 دولاراً؟ تحذيرات “بلاك روك” من ركود عالمي وشيك

حالة عدم اليقين تُشكل السلوك التجاري للشركات

رغم أن بعض التقديرات تشير إلى أن غلق مضيق باب المندب بشكل كامل قد يكون صعبًا من الناحية الفنية، إلا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الإغلاق الكامل، بل في خلق حالة عدم اليقين تؤدي إلى تغيير سلوك شركات الشحن، ففي كثير من الأحيان لا تحتاج الشركات إلى إغلاق فعلي للممر حتى تغير مساراتها، بل يكفي ارتفاع مستوى المخاطر أو تكاليف التأمين لاتخاذ قرار باستخدام طرق بديلة، وهو ما يؤدي إلى نفس النتيجة تقريبًا من حيث ارتفاع التكاليف وتعطيل التجارة.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور عمرو يوسف أن “الاقتصاد العالمي لا يتأثر فقط بالأحداث، بل أيضًا بالتوقعات، فمجرد التهديد بإغلاق الممرات البحرية قد يكون كافيًا لإحداث اضطرابات في الأسواق”.

واختتم الخبير تصريحاته مؤكدًا على أن مضيق باب المندب يمثل نقطة حساسة في النظام الاقتصادي العالمي، وأن أي اضطراب فيه قد يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات المتداخلة، تشمل ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطيل سلاسل الإمداد، وزيادة معدلات التضخم. ويبقى التحدي الأكبر أمام الاقتصاد العالمي هو القدرة على التعامل مع هذه الصدمات، وتقليل آثارها على الأسواق والمستهلكين، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بالفعل بدرجة عالية من عدم اليقين.

قد يهمّك أيضًا: فاتورة تريليونية.. الكلفة الحقيقية للحرب على إيران

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة