كيف يُهدد تصعيد الصراع في الشرق الأوسط الاقتصاد العالمي؟

تقرير: باسل محمود

قبل نحو عام، بدأت التوترات تتصاعد في منطقة الشرق الأوسط بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، التي توسعت لاحقًا لتشمل لبنان، وفي سياق التصعيدات المتتالية دخلت إيران في دائرة الصراع أيضًا، خاصة بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت إسرائيل الشهر الماضي، مما يضع المنطقة على حافة تصعيد أكبر قد يؤثر بشكل مباشر على استقرار الاقتصاد العالمي، بحسب مركز الأبحاث الاقتصادية والتجارية (Cebr).

على الرغم من الخسائر البشرية هي الجانب الأكثر إيلامًا في الحروب، إلا الأزمات الاقتصادية التي تنتج عن هذه الصراعات تكون ذات تأثير بعيد المدى، فهي تُحمل الدول المتأثرة بالصراع وطأة التكاليف الاقتصادية.

خسائر في الاقتصاد الإسرائيلي

في الجانب الإسرائيلي، قدّر بنك إسرائيل المركزي أن تكلفة الحرب على الاقتصاد قد تصل إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي حتى نهاية عام 2025، كما أنّ إسرائيل قد تواجه خسائر اقتصادية أكبر إذا استمرت الحرب لفترة أطول، أو إذا اضطرت لتحويل موارد كبيرة للدفاع الدائم أو تضررت من هجرة العقول التي تتمتع بها صناعاتها التكنولوجية والعلمية.

إسرائيل من الدول الرائدة في مجالات الابتكار التكنولوجي، خاصة تصميم أشباه الموصلات وتصنيع المعدات الإلكترونية، لكن إذا اضطر الاقتصاد الإسرائيلي إلى تحويل موارده نحو الدفاع، قد يؤدي ذلك إلى تراجع في قدرات هذه الصناعات التنافسية على المستوى العالمي، وبالتالي تعطل توريدات هذه السلع الضرورية لكثير من الدول الصناعية الكبرى.

اقرأ أيضا: البنك الدولي: معدلات نمو متواضعة في اقتصادات الشرق الأوسط

لبنان.. بين القصف وتراجع السياحة

أصبح اقتصاد لبنان ضحية غير مباشرة لهذا الصراع، فرغم أن لبنان ليس طرفاً رسمياً فيه، إلا أن المناطق المتضررة من القصف تحتاج إلى إعادة بناء، فضلًا عن التراجع الكبير في السياحة التي تعد مصدراً هاماً للناتج المحلي الإجمالي في البلاد، بنسبة قدرها 9% من الاقتصاد الكلي.

أضف إلى ذلك، تزداد هجرة العقول من القطاع المصرفي والخدماتي، مما يُفاقم الضغوط على الاقتصاد الضعيف أصلًا، والذي يعاني من سلسلة من الأزمات والصدمات الاقتصادية المتتالية على مدى السنوات الست الماضية.

تأثير الصراع في أسواق الطاقة

على المستوى العالمي، التأثير الأكبر الناتج عن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، سيكون مرتبطًا بأسعار النفط، فكما رأينا في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، تؤدي الأزمات الجيوسياسية في المناطق الغنية بالنفط، مثل الشرق الأوسط، دائمًا إلى اضطرابات في أسواق الطاقة.

في هذا الصراع، تلعب كل من إيران وإسرائيل أدوارًا مهمة؛ حيث تُعَدّ إيران واحدةً من أكبر مُصدري النفط في العالم، إلا أنّ العقوبات الأمريكية جعلت صادراتها محدودة، بلغت حوالي 2% من الصادرات العالمية في عام 2021.

حتى في حالة توقفت صادرات النفط الإيرانية بالكامل نتيجة التصعيد العسكري، من المتوقع أن يكون التأثير في الأسواق العالمية محدودًا، حيث تخفض “أوبك بلس” إنتاج النفط حاليًا بمقدار 2.2 مليون برميل يوميًا بشكل طوعي بهدف دعم الأسعار.

وفي حال توقفت صادرات إيران بالكامل، قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تصل إلى 20%، مما يضع سقفًا سعريًا عند 95 دولارًا للبرميل تقريبًا، لكن يُتوقع أن تبدأ “أوبك بلس” في زيادة الإنتاج إذا ارتفعت الأسعار إلى هذا المستوى، مما يساعد في استقرار السوق.

قد يهمّك أيضا: توترات الشرق الأوسط ترفع أسعار النفط عالمياً

تأثير ارتفاع أسعار النفط على النمو العالمي

وفقًا لتحليلات البنك الدولي، فإن أي زيادة في أسعار النفط بسبب هذا النزاع، ستؤدي إلى تراجع في النمو العالمي بنسبة 0.4 نقطة مئوية، ما يعادل خسارة قدرها 311 مليار جنيه إسترليني (404.24 مليار دولار) من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025. كما ستشهد الدول المستوردة للنفط تضخمًا في أسعار الوقود والطاقة، مما يزيد من الضغوط على تكلفة المعيشة، ويرفع الأسعار على مستوى سلسلة التوريد العالمية.

ورغم أن الأثر الاقتصادي على الدول المشاركة في الصراع سيكون مدمرًا على الأرجح، إلا أن التأثير في الاقتصاد العالمي قد يكون أقل حدة، لكنه تأثير ملموس على أية حال؛ حيث ستظل الأسواق العالمية متأثرة بفترة من التقلبات، خاصة في أسعار النفط، لكن تبقى الفرصة قائمة لاستقرار الأسعار في حال تحركت “أوبك بلس” لزيادة الإنتاج، وضمان استقرار السوق.

بريطانيا وأوروبا في مرمى الصدمة الاقتصادية

تُشير الدراسات الحديثة إلى أن النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة قد يتراجع بين 0.2 و1.0 نقطة مئوية بسبب تأثير ارتفاع أسعار النفط؛ حيث تُعد بريطانيا من أكثر الدول تعرضًا للتقلبات في أسواق الطاقة، كما رأينا في أزمات الطاقة العالمية خلال السنوات السابقة.

الأمر لا يقتصر على المملكة المتحدة فحسب، بل يمتد ليشمل معظم دول أوروبا والصين، إذ إنّ هذه الدول تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة. وفي المقابل، ستكون الولايات المتحدة الأقل تأثرًا بهذا الصراع، نظرًا لتحوُّلِها إلى مُصدر صافٍ للبنزين منذ عام 2020.

اقرأ أيضا: تصاعد الصراعات يهدد اقتصاد الشرق الأوسط وآسيا

الدعوات الدولية لإنهاء الصراع

تُعد إسرائيل أيضًا واحدة من أكبر مٌصدري الحمضيات والزهور في المنطقة، وإذا استمر الصراع، قد يحدث نقص في هذه السلع على المستوى العالمي، مما يؤثر على أسعار الغذاء في الأسواق العالمية، ويزيد من الضغوط التضخمية على المستهلكين.

في ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تحركات دبلوماسية دولية لاحتواء التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وإرساء السلام في المنطقة، الأمر الذي سيسهم في حماية الأرواح من جهة، وفي استقرار الأسواق العالمية واحتواء أي صدمات اقتصادية قد تتسبب في تراجع النمو العالمي من جهة أخرى.

في المجمل، فإن تصعيد الصراع في الشرق الأوسط، قد يُحدث تأثيرات سلبية في الاقتصاد العالمي، لكنها ستكون أكثر تركيزًا على أسواق الطاقة.

وفي حين أنّ الخسائر البشرية والاقتصادية للدول المشاركة ستكون ضخمة، ستكون الآثار على بقية العالم أقل حدة وأكثر انتقالية، لكن يجب أن يظل السلام والاستقرار هو الهدف الأساسي للمجتمع الدولي، لتجنب أي أزمات أكبر قد تؤثر في مستقبل الاقتصاد العالمي.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة