لغز تراجع الاستثمارات في الصين

في قلب المشهد الاقتصادي العالمي، تواجه الصين -ثاني أكبر اقتصاد في العالم- لغزاً معقداً لم تعهده منذ ثلاثة عقود؛ فبعد سنوات من الحديث عن فرط الاستثمار جاءت المفاجأة مع بيانات 2025 التي كشفت تراجعاً حاداً في الإنفاق الاستثماري، لتطرح سؤالاً: هل الاقتصاد الصيني يدخل مرحلة تباطؤ هيكلي، أم أنَّ الأرقام الرسمية لا تعكس الواقع؟

وفق البيانات الحكومية، بلغ إجمالي الاستثمار في الأصول الثابتة نحو 37.2 تريليون يوان (5.2 تريليون دولار) خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بانخفاض 0.5% عن الفترة نفسها من العام الماضي، وهو أول تراجعٍ يسجل منذ أكثر من ثلاثين عاماً خارج سياق جائحة “كوفيد-19″، بحسب “economist”.

انهيار موسمي مفاجئ

لم يكن التراجع تدريجياً، بل ظهر كـ”انهيار موسمي مفاجئ” خلال الصيف، فبينما حافظت القطاعات الصناعية والبنية التحتية على زخمها حتى منتصف 2025، انهار الإنفاق في الربع الثالث بنسبة 6.6% مقارنة بالعام السابق، الأمر الذي أعاد للأذهان تحذيرات المتشائمين المعروفين باسم “China Bears”، الذين لطالما شبّهوا النمو الصيني بـ”جهاز الجري نحو الجحيم”.

عجلة الاستثمار تتحرك بلا مكاسب حقيقية، والقطاع العقاري، الذي يعاني أصلاً من أزمة ممتدة منذ 2021، كان من المتوقع له أن يهبط، لكن الجديد هو أن القطاعات غير العقارية (مثل الصناعة والخدمات) بدأت بدورها تتراجع، إذ سجل الاستثمار فيها انخفاضاً نسبته 3.5% على أساس سنوي، ما يعكس تباطؤاً واسع النطاق في الاقتصاد الحقيقي.

الانطواء الاقتصادي

تتوجه الأنظار اليوم إلى حملة الحزب الشيوعي ضد ما يُعرف بـ”الانطواء الاقتصادي”، وهو مصطلح يصف المنافسة الداخلية المفرطة التي تُنهك الشركات دون تحقيق إنتاجية أعلى، وقد اعتبرت الحكومة الصينية هذه الظاهرة “خللاً هيكلياً” ناتجاً عن السباق غير المنضبط بين الحكومات المحلية لإنشاء “أبطال وطنيين” في مجالات التكنولوجيا والطاقة والروبوتات.

وفي اجتماع المكتب السياسي للحزب الشيوعي في يوليو الماضي، شدّد الرئيس شي جين بينغ على ضرورة وضع حد لهذه المنافسة الفوضوية، ودعا إلى تطوير ما أسماه “قوى إنتاج جديدة” أكثر كفاءة واستدامة، غير أن هذا التوجيه -رغم هدفه الإصلاحي- يبدو أنه أثار التباساً في التطبيق، إذ فَسَّرت حكومات محلية عديدة الرسالة على أنها دعوة لتقليص الإنفاق، لا لترشيده.

اقرأ المزيد في التقرير الكامل: الصين.. من طموح الهيمنة إلى الانطواء الاقتصادي

التمويل المحلي.. من الإنفاق إلى سداد الديون

مع تزايد الديون الخفية في الحكومات المحلية، سمحت وزارة المالية الصينية لتلك الحكومات بإصدار ما يعرف بـ”السندات البديلة” لسداد التزاماتها السابقة خارج الميزانيات الرسمية، لكن بدلاً من استخدام هذه الأدوات لإعادة تنشيط الاستثمار، وجّهت العديد من الحكومات الأموال نحو سداد الديون فقط.

وتقدر تشاو وي من شركة “Shenwan Hongyuan Securities” أن هذا التحول أدى إلى عجز استثماري بنحو 400 مليار يوان، أي ما يفسر تقريباً نصف التباطؤ المسجل في العام الجاري، وهذا يعني أن ما بدا في البداية تراجعاً في الرغبة بالإنفاق، هو في الحقيقة تحوّل قسري بفعل الضغط المالي، ما يجعل الحلول المستقبلية أكثر تعقيداً.

تناقض الأرقام

من المدهش أن الانهيار الاستثماري لا يظهر بالوضوح نفسه في مؤشرات أخرى، فبحسب مكتب الإحصاء الوطني الصيني، ساهم الإنفاق الرأسمالي بما يقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثالث، ما يوحي بأن الاستثمار الحقيقي نما بأكثر من 2% معدّلاً بالتضخم، أي عكس ما تقوله البيانات الشهرية تماماً.

والاختلاف يعود جزئياً إلى المنهجية، فبيانات الأصول الثابتة تشمل مشتريات الأراضي، وهي لا تدخل في حساب الناتج المحلي. وفي المقابل، يشمل الناتج تكوين المخزونات التي لا تُسجَّل في تقارير الاستثمار، لكن خبراء اقتصاد يؤكدون أن هذه الفوارق الفنية لا تبرر التناقض الكبير، ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الأرقام الرسمية “مضغوطة” عمداً.

تصحيح سياسي أم تجميل محاسبي؟

يرجح الاقتصادي أندرو باتسون من مؤسسة “Gavekal Dragonomics” أن الحكومات المحلية قللت عمداً من أرقام الإنفاق الاستثماري هذه المرة، رغبةً في إظهار التزامها بتوجيهات الحزب حول محاربة “الانطواء”، ويشرح قائلاً: “إذا كانت الحكومات قد بالغت سابقاً في تضخيم أرقامها، فإن الحملة الحالية منحتها غطاءً سياسياً لتصحيحها دون مساءلة”.

في الصين، يُطلق على هذه الممارسة مصطلح “عصر الماء من الأرقام”، أي إزالة المبالغة التي كانت تُضاف لأسباب سياسية أو بيروقراطية، لكن هذا “التصحيح” ترك الأسواق في حالة ارتباك.. فهل تراجع الاستثمار فعلاً، أم أن البيانات الآن أكثر واقعية فبدت سيئة؟

الحكومة المركزية.. صمت محسوب أم اطمئنان مفرط؟

المفارقة أن بكين لم تُظهر أي رد فعل قوي على هذه المؤشرات المقلقة، فلا حزم تحفيز ضخمة كما في الأعوام السابقة، ولا خفض كبير للفائدة، ولا خطة إنقاذ كبرى للقطاع العقاري، وأقصى ما صدر كان السماح لثلاثة بنوك سياسية بشراء حصصٍ في 2300 مشروع استثماري بقيمة 500 مليار يوان، إلى جانب رفع سقف السندات المحلية التي يمكن للحكومات الإقليمية إصدارها.

ويرى بعض المراقبين أن غياب الذعر الرسمي يعني أن الحكومة تمتلك بيانات داخلية أكثر تفاؤلاً مما يُعلن، بينما يعتبر آخرون أن الهدوء المفرط إشارة إلى قبول ضمني بتباطؤ منضبط كجزء من استراتيجية “إعادة توازن” الاقتصاد بعيداً عن الإفراط في البناء والديون.

أخطر ما في الأزمة الحالية، هو تآكل الثقة في مصداقية البيانات الاقتصادية الصينية، فقد كانت بكين تُتهم سابقًا بـ”تجميل” الأرقام لتبدو أفضل من الواقع، أما الآن فالمفارقة أن الأرقام قد تكون أسوأ من الحقيقة، وفي كلا الحالين فإن المستثمرين الدوليين يواجهون صعوبة في تقدير حجم المخاطر الحقيقية داخل الاقتصاد الصيني. ويقول أحد المحللين في هونغ كونغ: “إذا كانت الأرقام تُضخَّم أو تُقلَّل بحسب الظروف السياسية، فكيف يمكن بناء قرارات استثمارية على أساسها؟”.

القطاع العقاري.. المحرك الذي توقف

لا يمكن فهم التراجع الاستثماري دون النظر إلى أزمة العقارات المستمرة، التي تمثل نحو ربع الاقتصاد الصيني، فمنذ انهيار شركات كبرى مثل “إيفرغراند” و”كانتري غاردن”، تقلّصت الاستثمارات في الإسكان والبناء إلى أدنى مستوياتها في عقدين.

وبما أن الحكومات المحلية تعتمد على بيع الأراضي كمصدر رئيسي للإيرادات، فإن الركود العقاري قلّص مواردها المالية، ما جعلها أقل قدرة على تمويل مشروعات جديدة، لكن المفارقة أن القطاعات الصناعية والتكنولوجية -التي كان يُعول عليها لتعويض التراجع العقاري- بدأت هي الأخرى في التباطؤ، لتتجسد أمامنا صورة “اقتصاد بلا محرك واضح”.

البنية التحتية.. منقذة الأمس عبء اليوم

في سنوات الأزمات السابقة، كانت مشروعات البنية التحتية الضخمة بمثابة الحل السحري لإنعاش الاقتصاد، لكن هذه الوصفة لم تعد ناجعة اليوم، فمع تضخم الديون المحلية، وتراجع العائد على تلك المشاريع، أصبحت الحكومات تحجم عن التوسع في الطرق والجسور والمطارات الجديدة، والنتيجة كانت دورة استثمارية مغلقة، حيث يقل الإنفاق فتتباطأ الشركات، فتتراجع الإيرادات، فينخفض الإنفاق مجدداً، لتتكوّن دوامةٌ اقتصادية تشبه “الانكماش الذاتي” الذي حذر منه الاقتصاديون منذ عقد.

“الانكماش الهادئ”.. هل الصين تعيد ضبط نموذجها؟

قد تكون الظواهر الحالية جزءاً من تحول استراتيجيٍ أعمق، فبعد عقدين من النمو المدفوع بالبناء والائتمان، تسعى القيادة الصينية إلى نموذج جديد يعتمد على الابتكار والاستهلاك المحلي والتكنولوجيا المتقدمة، لكن هذا الانتقال مؤلم بطبيعته، لأنه يعني تراجع الاعتماد على الاستثمار كثروة فورية لصالح بناء أسس نمو مستدام على المدى الطويل.

ويرى بعض الاقتصاديين أن بكين تختار “الانكماش المنظّم” طوعاً، لتفادي انفجار فقاعات الديون والعقارات دفعة واحدة، غير أن هذا الخيار يتطلب شفافية أكبر في البيانات، وثقة من المستثمرين المحليين والدوليين بأن “الألم الحالي” سيُثمر إصلاحاً حقيقياً.

الصين اليوم تقف عند مفترق دقيق، فالتشدد في ضبط الاستثمارات قد يحمي الاقتصاد من فقاعات مستقبلية، لكنه يُبطئ النمو في الحاضر، وتجميل الأرقام يُهدئ الأسواق مؤقتاً، لكنه يُفقدها الثقة على المدى الطويل، وهكذا تحوّل “الانطواء” الذي كان يُراد به كبح التنافس المفرط إلى رمز لانكماش هيكلي أعمق، يكشف هشاشة التوازن بين المركز والولايات، وبين الأهداف السياسية والواقعية الاقتصادية.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة